كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التباسات الهويّة

التباسات الهويّة

تاريخ النشر: 2023-07-02 | 18:22

عبد الحسين شعبان
عبد الحسين شعبان

​الهويّة "شكل من أشكال المقاومة شرط ألّا تتحوّل إلى غيتو يدخل فيه الإنسان ويتخندق"، يعود هذا النص إلى عبد الوهاب المسيري الذي كان يفرّق بين التمسّك بالهويّة والخصوصية وبين الانغلاق والانعزالية، فالأولى شرط وجود، في حين أن الثانية انكفاء على الذات وتقوقع.
وبين الانفتاح على الآخر أو الانغلاق على الذات، ثمة من يدعو إلى قطع العلاقة بالماضي  وبالتراث باسم العولمة، بهدف الدخول إلى عالم الحداثة، الذي لم يعد معه مبرّرًا للتشبّث بالهويّة، وحسب رأيه فذلك هو السبيل إلى التقدّم والتنمية واللحاق بالعالم المتمدّن، ولعمري إن ذلك ليس سوى اغتراب عن الذات وفقدان الخصوصية، بل الذهاب "طوعًا" لقبول الاستتباع، وهو ما أسماه المفكّر الجزائري مالك بن نبي "القابلية على الاستعمار".
وفي ظلّ العولمة اليوم لا يمكن لأيّة هويّة أن تعيش في قمقم أو شرنقة بمعزل عن الهويّات الاخرى تأثّرًا وتأثيرًا، والعبرة، ماذا تأخذ أو تترك؟ وكيف تُضيف أو تحذف؟ وبماذا تشترك أو تختلف؟ وأين الوصل والفصل بين الحفاظ على السمات العامة للخصوصية دون الانعزال، وبين التفاعل مع الكونية والشمولية دون الذوبان؟
وإذا كان ثمة حضارة صينية وهندية ويونانية، فثمة حضارة عربية وإسلامية، وهي التي ينبغي أن تأخذ مكانها اليوم في الحضارة الإنسانية، تلك التي أنجبتها البشرية، وخصوصًا الغرب منذ الثورة الصناعية في أوروبا وتأسيسًا على حضارات سبقتها.
وكثيرًا ما طرحت هذا السؤال على نفسي: هل الهويّة ناجزة ونهائية وسرمدية ومغلقة، أم أنها غير كاملة وليست تمامية وهي مفتوحة وقابلة للتطوّر وتتفاعل مع غيرها؟
فالهويّة موضوع جدل وربما صراع فكري وسياسي وديني وثقافي واجتماعي وتاريخي ونفسي، احتدم بشكل خاص بعد تصدّع الكتلة الاشتراكية وانهيارها في أواخر الثمانينيات، وقد تعرّضت بعض الكيانات الكبرى إلى التآكل، وانسلخت أممًا وشعوبًا عن بعضها، كانت متحّدة لدرجة حسبناها متآخيةً، وإذا بها تُظهر معاناة فائقة ظلّت مطمورة تحت ركام الأيديولوجيا.
وأميل شخصيًا إلى تقسيم الهويّات إلى فرعية وكلية بدلًا من هويّات كبرى وأخرى صغرى أو تابعة ومتبوعة أو عليا ودنيا أو قويّة وضعيفة، والمصطلح الأكثر انطباقًا على ذلك هو "التنوّع الثقافي"، خصوصًا وأن غالبية المجتمعات متعدّدة الثقافات. والفرق بين هويّة وأخرى هو ما يشعر به الفرد أو مجموعة سكانية أو شعب أو مجتمع بالمشتركات التي تجمعه مع الآخر. ويعتبر إميل معلوف الهويّة إحدى الكلمات المضلّلة، وأحيانًا تعني نقيضها بصورة خبيثة، ويقصد بذلك نظرتنا هي التي غالبًا ما تصنّف الآخرين ضمن انتماءات ضيقة... وهي التي تحرّرهم من هذه الانتماءات.
ومثل هذا الشعور تحكمه عوامل مختلفة أشرنا إليها، بعضها منفتح ويقبل التفاعل مع الهويّات الأخرى، في حين أن هناك شعورًا مغايرًا لهويّة أخرى منكفئة على نفسها ومرتابة من الآخر، بل تغلق الأبواب والنوافذ لكي لا تستنشق هواءً آخر، حتى ولو كان نقيًا، ولا فرق في ذلك هنا بين ديني وعلماني، فكلاهما أحيانًا يستخدم ذات الأدوات التكفيرية والاتهامية ضدّ الآخر؛ أمّا الوجه الثاني لهذه العملية فهو التغريب، الذي يريد قطع حبل السرّة مع أية خصوصية.
الجامع بين الهويّات المنغلقة هو ادّعاء امتلاك الحقيقة، وأفضلية الإيمان الخاص، فما بالك حين يكون وهمًا أو زيفًا، لذلك تراه يبرّر لنفسه ارتكاب المعاصي وإلغاء الآخر بزعم أن غايته شريفة وهل توجد غاية شريفة من دون وسيلة شريفة؟ فالوسيلة من شرف الغاية، وبما أن الوسائل ملموسة وراهنة، فهي المحك الحقيقي لصدق الغايات، في حين أن الغاية غير منظورة وبعيدة، ولا يمكن الاستدلال عليها إلّا بوسائل نبيلة وإنسانية، لأن طريق الوصول إلى الغايات ربما يوازي الغايات ذاتها.
​ثمة أوهام عديدة صاحبتنا لسنوات طويلة بخصوص الهويّة، فقد اعتقدنا أن مسألة الهويّة حُلّت في الدول الصناعية المتقدّمة بالانفتاح والحريّة والمواطنة والاعتراف بالآخر، وإذا بنا نكتشف أنها أكثر تعقيدًا في العديد من هذه الدول، ففي إسبانيا لا تزال قضيتي كاتالونيا والباسك مشتبكة، وكذلك في كندا (إقليم كيبك) وإيرلندا وجنوب فرنسا وجنوب إيطاليا، أما موضوع الوالنيين والفلامانيين في بلجيكا، فقد تصل المسألة إلى الانفصال.
مثلما اعتقدنا أن الدول الاشتراكية السابقة حلّت مسألة القوميّات والهويّات الخاصة، وإذا بنا نكتشف الحقيقة المرّة، أن الهويّات الخاصة تمّ تذويبها بالقوّة، وأن الحديث عن التآخي القومي هو مجرّد دعاية خارجية ذات بعد أيديولوجي باسم "الأممية". وكان الاعتقاد السائد أن مشكلة الهويّات حكرًا على العالم الثالث، وإذا بالتجربتين الهندية والماليزية تسيران بالطريق الصحيح على الرغم من التنوّع الثقافي الهائل الديني والقومي واللغوي والسلالي.
​ربما الفارق الحضاري بيننا وبين الدول المتقدمة في إشكالية الهويّة هو أن الحل لدينا يتّجه إلى العنف والحسم العسكري، في حين أنها تلجأ لحلّ هذا الصراع إلى الدستور والقانون والحوار، فحوار 100 سنة ولا حرب ساعة كما يُقال.

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط