كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"التجار الأقوياء والصفقة المشتراة"

"التجار الأقوياء والصفقة المشتراة"

تاريخ النشر: 2025-11-15 | 14:42

كيف أسقطت حرب غزة أيديولوجيا "الاقتصاد أولاً" وأعادت تحديد معادلة النفوذ الجيوسياسي

في قلب التحولات الكبرى التي شهدتها السياسة الدولية في العقد الأخير، لم تكن عقلية دونالد ترامب التجارية مجرد سلسلة من الإجراءات الضريبية أو الجمركية، بل منظومة استراتيجية متكاملة أعادت تعريف القوة والنفوذ. لقد ارتكزت هذه المنظومة على قاعدتين جوهريتين: استخدام القوة الاقتصادية كبطاقة تفاوضية رادعة، وتفضيل الحسابات المادية المباشرة (تدفقات التجارة، العجز/الفائض، الاستثمارات) على الارتباطات الأيديولوجية والتحالفات التقليدية. كانت النتيجة العملية هي تحويل ساحة الصراع السياسي التقليدي إلى ميدان تنافس جيو-اقتصادي، حيث يصبح تصعيد الرسوم الجمركية الواسعة (كما فُرض على الصين بما يتجاوز 360 مليار دولار) بمنزلة "حرب اقتصادية بلا طلقة" لإجبار الخصوم على تعديل سلوكهم.

في الشرق الأوسط، بلغت هذه الأيديولوجيا ذروتها في طرح "صفقة القرن"؛ التي لم تكن تهدف إلى حل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي سياسياً بقدر ما كانت محاولةً لشراءه وتطويقه. لقد خُصصت وعود استثمارية تناهز 50 مليار دولار لتحويل الصراع إلى معادلة تنموية يُعتقد أنها قابلة للشراء بالتمويل، حيث يُفترض أن الازدهار الاقتصادي المُحفّز كفيل بإطفاء نار النزاعات السياسية المستعصية. كان الهدف الأقصى لواشنطن هو تأمين "استقرار كافٍ" لضمان تدفق خطوط التجارة والطاقة في المنطقة، حتى لو كان هذا الاستقرار هشاً ومبنياً على التجاهل المنهجي للحقوق السياسية والتاريخية.

القادة العرب وعقلية "التاجر الحاكم": مشروعية جديدة بلا ديمقراطية

لقد وجدت هذه الأيديولوجيا صدى عميقاً وتطبيقاً عملياً لدى نخب عربية مؤثرة. أمام تراجع الالتزام الأميركي الأمني التقليدي وتزايد المطالبات بالديمقراطية، وجد قادة في المنطقة استراتيجية بديلة للحصول على الشرعية الدولية وتعزيز نفوذهم: تبني التنمية الاقتصادية المسرّعة كقاطرة للسياسة. لقد تحول هؤلاء القادة إلى "تجار أقوياء" يستخدمون أصول صناديق الثروة السيادية، التي تناهز 4.1 تريليون دولار في منطقة الخليج وحدها، كبطاقة مساومة استراتيجية عالمية. أصبح الأمن القومي يُقاس بالقدرة على جذب الاستثمارات التكنولوجية والمشاريع العملاقة، بدلاً من الاعتماد على التحالفات العسكرية الجافة. ضمن هذا الإطار، نُظر إلى التطبيع مع إسرائيل ليس كإنجاز سياسي، بل كصفقة استثمارية، هدفها دمج الاقتصادات في كتلة إقليمية مزدهرة، مما أدى إلى تهميش الحلول السياسية الجذرية والتركيز على "السلام البارد" الذي تفرضه المصالح التجارية المتبادلة.

هنا تكمن الإشكالية الكبرى التي رسختها هذه العقلية: الاعتقاد الجازم بأن الحل السياسي لأي مشكلة في الشرق الأوسط يجب أن يبدأ بحل اقتصادي. هذه الأيديولوجيا قلبت الترتيب المنطقي للسلام، فجعلت من المال أداة لفرض السلام، لا مكافأة له.

الانهيار الكبير: حرب غزة تفضح هشاشة "السلام المشتَرَى"

جاءت حرب غزة لتنسف هذه الأيديولوجيا من جذورها، مُعلنةً بشكل مدوٍ سقوط وهم "التطبيع الاقتصادي". لقد أثبتت الحرب أن جذور الصراع السياسي والهوياتي والاحتلال لا يمكن شراءها أو دفنها تحت طبقات من الاستثمار. إن الإخفاق في معالجة الجذور السياسية العميقة جعل الهيكل الاقتصادي الإقليمي بأكمله ينهار.

الضربة على النموذج الإسرائيلي

 شهد الاقتصاد الإسرائيلي تدهوراً حاداً. تُقدّر التكلفة المتوقعة للحرب للفترة 2023–2025 بما يصل إلى 55-60 مليار دولار، ما أدى إلى تدهور حاد في نمو الناتج المحلي الإجمالي ليلامس مستوىً متدنياً يناهز 0.5% في عام 2024. كما سجلت البلاد هروباً ضخماً لرؤوس الأموال الأجنبية المباشرة، وتأكد أن رأس المال يهرب حيث تنهار الجغرافيا السياسية.

تجميد مسار التكامل الإقليمي

توقف مسار التطبيع الموسع، خاصة مع السعودية، مما جمد خطط الربط الاستراتيجي، وأثبت أن الشرط السياسي الفلسطيني يتقدم على الحوافز الاقتصادية والتجارية، وأن قوة النزاع قادرة على إخضاع المنطق التجاري.

هذا الانفجار أكد ما تقوله القراءة النقدية: أن الحروب ليست مجرد صراعات عسكرية، بل أدوات نفعية لإعادة ترتيب الموازين الاقتصادية، حيث تتحرك القوى الكبرى لتصفية حساباتها المالية والسياسية، بناءً على تخطيط اقتصادي واستراتيجي غير مباشر، وليس لحل جذور الصراع، وإنما لاستغلاله.

النفوذ المقلوب: المال خادم للقرار السياسي لا سيده

إن ما بعد حرب غزة ليس عودة إلى العهد ما قبل ترامب، بل تحولاً استراتيجياً نحو معادلة أكثر تعقيداً. فالأزمة لم تلغِ أهمية المال، بل أعادت ترتيب أولوياته، مُحوّلة إياه من مُصدِّر للسلام إلى أداة للمساومة السياسية، حيث يعود النفوذ الخليجي، المدعوم بالسيولة الضخمة والفوائض النفطية المرتفعة، ليصبح الموازن الاستراتيجي الذي لا يمكن لواشنطن أو تل أبيب تجاوزه. كما أن تعاظم الدور الآسيوي، الذي يظهر في حجم التجارة الصينية-الخليجية التي تجاوزت 240 مليار دولار، يفرض تعددية قطبية تحد من النفوذ الأميركي التقليدي.

إن الدرس النهائي لأيديولوجيا "الاقتصاد أولاً" هو: لا يوجد بديل عن الحل السياسي العادل والجذري. لقد أثبتت الأحداث أن بناء الهيكل الاقتصادي على أرضية سياسية متصدعة هو مضيعة للجهد ومقدمة لانفجار أعظم. أي استقرار مستقبلي مستدام للشرق الأوسط يجب أن يتبنى المعادلة الاستراتيجية الصحيحة: الحل السياسي العادل أولاً، بما في ذلك إنهاء الاحتلال ومعالجة جذور الصراع، ليمنح الشرعية لأي مشاريع لاحقة، ومن ثم يكون الاقتصاد أداة للبناء والتنمية التي تعالج الفقر وتحد من البيئات المهددة بالانفجار.

المنطقة تودع نموذج "الصفقة المشتراة" لتعود إلى واقع أكثر تعقيداً. ففي لحظة الأزمة، يثبت التاريخ مرة أخرى أن قيمة الحقوق السياسية والاستقرار العادل أغلى من أي حافز تجاري، وأن المال هو خادم أمين للقرار السياسي، لا سيده أو بديله.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط