كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التجربة التونسية على المحك: بين صمود الانتقال الديمقراطي..وتحديات الإنقاذ المجتمعي

التجربة التونسية على المحك: بين صمود الانتقال الديمقراطي..وتحديات الإنقاذ المجتمعي

تاريخ النشر: 2026-01-27 | 12:00

"ليس بين الرصاص مسافة..هذه تونس التي تتحدى.. وهذا الوعي نقيض الخرافة.." ( مظفر النواب-بتصرف طفيف)

-القضايا العادلة تحتاج إلى السياسة الصائبة..أكثر من حاجتها لقبور الشهداء..

في قلب العتمة العربية،حيث تتهاوى الدول في أتون العنف والانقسام،تقف تونس شمعة تتلألأ بإصرار.ليست شمعة تُعلّق كوسام انتصار،بل مشعل يُحمَل بيد قد تُحرق من وهجه.لقد نجت الجمهورية الفتيّة من المصير المأساوي لجيرانها، محتفظة بجوهر دولة وتماسك مجتمع،لكنها اليوم تواجه امتحانا وجوديا من نوع آخر: فبعد أن برهنت على قدرة نادرة في تفادي الانهيار،عليها أن تثبت الآن مقدرة أعوص على البناء.إنه التحوُّل من منطق "النجاة" إلى فلك "الخلق"،من صيانة السلم الأهلي إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد، ومن براعة تفادي الموت إلى جرأة إبداع الحياة. هنا،على هذا الحَرِّف الدقيق،حيث يلتقي إشعاع الاستثناء بظل العطالة،تكمن المعضلة التونسية المصيرية: كيف تتحوَّل قصة الصمود السياسي إلى ملحمة نجاح تنموي؟ وكيف تتحرَّر زهرة الياسمين من سجن الانتظار اللامتناهي لتتفتح في بساتين التألُّق؟ هذا هو السؤال الذي لا يجيب عنه مقال،بل تجيب عنه إرادة شعب يكتب،بصبر وألم،فصلا جديدا من فصول دخول العرب التاريخ من باب العقل والكرامة.

وإذن..؟

قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن التجربة التونسية،برغم كل العثرات والأزمات،تمثل-كما أشرت-إشعاعا نادرا في ظلام المنطقة العربية المضطرب.فهي لم تنزلق إلى حروب أهلية طاحنة،ولم تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية الدموية،لكنها تواجه اليوم امتحانا وجوديا مختلفا: امتحان القدرة على تحويل الصمود السياسي إلى نجاح تنموي،وتحويل التوافق الهش إلى عقد اجتماعي متين.

إن الخطر الحقيقي لم يعد يكمن في انهيار الدولة، بل في تآكل شرعيتها بفعل بطء الإصلاح وترقيع الإجراءات،مما يهدد بتحويل "الاستثناء التونسي" إلى قصة انتظار لا تنتهي.

والمفارقة التاريخية التي تعيشها تونس اليوم هي أنها تنجح في تفادي المصائر المأساوية لجيرانها، بينما تعاني من أزمات داخلية قد تفضي،على المدى الطويل،إلى نفس النتيجة: تفكك النسيج الاجتماعي وانهيار الثقة في المشروع الجماعي. لذلك،فإن الخلاص لن يأتي من مناورة سياسية عابرة أو من دعم دولي مشروط،بل من يقظة داخلية جمعية تستعيد روح التوافق الوطني التي أنقذت البلاد في لحظات الهاوية.إنه استدعاء لتاريخ من العقلانية والتقدم،من ابن خلدون إلى الحداد وبورقيبة،ليس لتكرار الماضي،بل لاستلهام جرأة التغيير.

المطلوب اليوم هو انتفاضة وعي جديدة،لا في الشوارع فقط،بل في المؤسسات والأحزاب والنقابات.انتفاضة ترفض منطق "الترقيع الإطفائي" وتصر على تأصيل العدالة بين الجهات والأجيال. 

تونس التي هزت العالم بشجاعة شعبها،مدعوة اليوم إلى هزّة أعمق: هزّة بناء دولة توفق بين حتمية الاستثمار وضرورة العدالة الاجتماعية،بين مركزية التخطيط ولامركزية التنمية،بين حرية المطالبة وحقوق الدولة في الحفاظ على مواردها.

والدرس الأعمق الذي تقدمه تونس للعالم العربي هو أن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي قدرة مجتمع على إدارة تناقضاته بوسائل سلمية،وحماية مكتسباته من الانزلاق إلى العنف، والسير،ولو ببطء،نحو أفق أفضل.فليكن مصيرها النجاح،ليس لأنها محاطة ببحر من الأزمات،بل لأنها تحمل في تراثها ووعي شعبها بذرة أمل تؤكد أن العرب أيضا يمكنهم دخول التاريخ من جديد، من باب العقل والحوار والكرامة الإنسانية.

وهكذا تظل تونس واقفة على حافة التاريخ، حاملة لواء تناقضها المصيري: فهي نجت من الانهيار،لكنها لم تتحرر بعد من شبح العطالة..!

 إنَّ "الاستثناء" الذي صنعته بإرادة شعبها ليس ميدالية تُعلق على الصدر،بل هو مسؤولية تاريخية تُثقل الكاهل.فالتجربة التي بدأت بهزة ضمير جمعي في 2011،مدعوّة اليوم إلى اكتمال دورتها بتفجير طاقة بناء جماعي تعيد صياغة العقد بين الدولة والمواطن،بين الحاضر والمستقبل.

ربما يكون هذا هو الثمن الحقيقي للريادة: أن تظل تونس،في ظلمة المنطقة،مشعلا لا يكف عن التلألؤ حتى وإن كان يحرق يد حامله..! فليس المطلوب منها أن تكون ناجية فحسب،بل أن تكون ناجحة، ليس أن تتفادى الموت،بل أن تخلق الحياة.وفي هذا المسار الوعر،قد تجد تونس خلاصها ليس في تجاوز أزماتها فقط،بل في تحويلها إلى وقود لإشعال عصر تنموي جديد.فالأمل الذي تحمله هذه الأرض ليس ترفا،بل هو ضرورة وجودية لها وللعالم العربي الذي يترقب،بقلب حانيٍ،مصير هذه البذرة التي نبتت في أرض صخرية،والتي يحاول شعبها،يوما بعد يوم،أن يجعل من صمودها زهرة.

وستتفتح هذه الزهرة في بساتين التألق والنجاح، حين تسقى بعرق جباه الرجال..

لست أحلم..لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء،من حسابات راكبي سروج الثورة في الساعة الخامسة والعشرين..!

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط