كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التحرر الوطني واسترايجية الصمود: كي تكتمل مبادرة الجبهة الشعبية

التحرر الوطني واسترايجية الصمود: كي تكتمل مبادرة الجبهة الشعبية

تاريخ النشر: 2026-09-01 | 14:52

 جمال زقوت
جمال زقوت
في الحركات السياسية، كثيراً ما يولد الجديد من رحم القديم. لكن السؤال ليس فقط متى تحدث هذه الولادة، بل كيف تتكون؟ هل تأتي نتيجة مراجعة جادة تستخلص دروس التجربة وتُحدث تطوراً في الفكر والأدوات قبل فوات الأوان، أم لا تحدث إلا بعد أن يستنفد القديم قدرته على الاستمرار، فتأتي الولادة على شكل قطيعة يفرضها الانهيار أكثر مما تصنعها الإرادة الواعية؟

 

هذا، في جانب أساسي منه، هو حالنا الفلسطيني. فالحراك المتزايد حول المستقبل والمصير، وما يرافقه من نقاشات بشأن إعادة بناء النظام السياسي والمؤسسات الوطنية، لا يزال أسير كثير من خيارات الماضي المستنفدة وأدواته. وهي خيارات لم تكن كلها خاطئة في لحظة نشأتها، لكنها تحولت مع الزمن إلى قيود حين جرى التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة، لا اجتهادات قابلة للمراجعة.

 

لقد ساد وهم بأن إنجاز التحرر الوطني يمكن أن يتحقق عبر مسار أوسلو، من دون أن نأخذ بما يكفي في الاعتبار تعقيدات الصراع، وموازين القوى، وطبيعة المشروع الاستعماري الذي نواجهه. كما لم تنجح السلطة في بلورة مسار يربط بين التحرر والبناء الديمقراطي وتعزيز قدرة الناس على الصمود، فيما لم تنجح المعارضة في تصويب المسار أو تقديم بديل عملي يربط بين التحرر والصمود، واقترب دورها في كثير من الأحيان من الرفض أكثر منه إلى ممارسة دور المعارضة الفاعلة. وأدى غياب هذا الربط إلى خلل بنيوي في التجربة السياسية الفلسطينية، الأمر الذي يستدعي معالجة تعيد وصل مهمتي التحرر والصمود على نحو متكامل، لأن الإخفاق في الجمع بينهما سيبقي كلاً منهما عرضة للإخفاق.

 

التحرر الوطني: الغاية التي لا تتغير

 

المشكلة ليست في أن فكرة التحرر الوطني أصبحت قديمة. العكس هو الصحيح. فما يزال الاحتلال والاستيطان وحرمان الشعب الفلسطيني من الحرية وتقرير المصير والاستقلال الوطني جوهر الصراع وأولويته العليا. لكن الذي تغير هو طبيعة المرحلة، وشروط النضال، وموازين القوى، والأدوات المطلوبة.

 

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس أي فصيل سيتغلب على الآخر، ولا أي صيغة تنظيمية ستخلف الصيغة القائمة، وإنما؛ كيف نعيد بناء القدرة الوطنية على مواصلة طريق استكمال مرحلة التحرر الوطني في شروط أكثر تعقيداً، وكيف نجعل الصمود جزءاً من استراتيجية التحرر، لا مجرد استجابة لنتائج الصراع؟

 

فلا الكفاح السياسي وحده يكفي، ولا الدبلوماسية وحدها، ولا المقاومة بمختلف أشكالها، ولا العمل القانوني الدولي، ولا الانتفاضة الشعبية، ولا بناء المؤسسات. قوة الحركة الوطنية تكمن في تحويل هذه الأدوات مجتمعة، ضمن رؤية سياسية واحدة، إلى منظومة متكاملة تخدم هدفاً واضحاً.

 

الصمود: شرط انجاز التحرر الوطني

 

قد لا تكون المرحلة المقبلة قصيرة، ولذلك لا يجوز بناء الاستراتيجية الوطنية على افتراض أن التحولات السياسية ستحدث بالسرعة التي نتمناها. الصمود هنا ليس مجرد قدرة الناس على الاحتمال، بل قدرة وطنية منظمة على البقاء والفعل ومواصلة السعي لتجسيد الحقوق الوطنية.

 

ولهذا فإن للصمود ركائز سياسية واقتصادية واجتماعية، جوهرها حماية الفئات الأكثر تضرراً، وتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، والحفاظ على التعليم والصحة والخدمات، ودعم الإنتاج وفرص العمل، وحشد الموارد الفلسطينية والعربية والدولية ضمن أولويات وطنية واضحة.

 

فالناس هم موضوع التحرر الوطني ووسيلته في آن. ولا يمكن استنهاضهم لمعركة طويلة من أجل الحرية إذا شعروا أن السياسة تدور بعيداً عن حياتهم، أو أن كلفة الصمود تقع على كاهلهم وحدهم. من هنا، فإن الانتقال من التحرر الوطني إلى الصمود لا يعني الابتعاد عن هدف التحرر، بل إعادة بناء متطلبات القدرة على انجازه.

 

مبادرة الشعبية: خارطة طريق تحتاج إلى استكمال

 

في هذا السياق، تكتسب المبادرة التي طرحتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أهمية خاصة، لأنها تقدم خارطة طريق للوفاق الوطني تقوم على تأجيل الانتخابات العامة لمدة عامين، وفتح حوار وطني شامل، وإعادة تشكيل مجلس وطني موحد بالتوافق بين مختلف القوى والفصائل، والتوافق على برنامج وطني يقوم على المقاومة الشعبية. كما تقترح استكمال توسيع منظمة التحرير بانضمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بما يعزز إعادة بناء الإطار الوطني الجامع.

 

لكن هنا تحديداً يبرز السؤال الذي يحتاج إلى استكمال وهو كيف تتحول إعادة بناء الإطار الوطني إلى قدرة فعلية على حماية المجتمع وتعزيز صموده؟

 

فإعادة بناء منظمة التحرير، مهما كانت ضرورية، لا تجيب وحدها عن أسئلة الحياة اليومية؛ من يدير المؤسسات والخدمات؟ كيف يُعاد بناء الاقتصاد المقاوم، ولو في حدوده الدنيا؟ كيف تُؤمَّن الرواتب والاحتياجات الأساسية؟ وكيف توزَّع أعباء هذه المرحلة بعدالة؟ هذه ليست مسائل إدارية هامشية، بل جزء من المعركة الوطنية نفسها.

 

ولكي تتحول المبادرة إلى خارطة طريق فعلية تتجاوز إعادة ترتيب التمثيل السياسي والتوافق الفصائلي داخل منظمة التحرير، لا بد من التركيز على الربط بين أهداف المرحلة وأدوات تنفيذها، وفي مقدمتها وجود حكومة مفوضة بصلاحيات واضحة للتصدي لأولويات المرحلة، وعلى رأسها توفير مقومات الصمود على الأرض، باعتبارها الركيزة الأساسية للصمود الوطني والسياسي.

 

التحرر والديمقراطية: جناحا المشروع الواحد

 

وهنا تبرز المعادلة التي طالما جرى التعامل معها وكأنها قابلة للفصل أو المفاضلة، وهي في جوهرها معادلة للربط والتوازن بين الوطني والديمقراطي.

 

فالتحرر الوطني والديمقراطية ليسا مسارين يمكن تأجيل أحدهما إلى ما بعد إنجاز الآخر، وإنما جناحان لمشروع واحد. لا يمكن بناء قدرة وطنية مستدامة على مواجهة الاحتلال من دون شرعية سياسية ومشاركة وتعددية ومساءلة، كما لا يمكن للديمقراطية الفلسطينية أن تجد معناها الكامل إذا انفصلت عن وظيفتها في حماية الشعب وتعزيز قدرته على الصمود والتحرر والاستقلال.

 

لقد أثبتت التجربة أن اختزال الوطني في إدارة السلطة، أو اختزال الديمقراطي في التنافس على السلطة، يقود في الحالتين إلى طريق مسدود. حين يغيب البعد الوطني تتحول السياسة إلى إدارة للواقع، وحين يغيب البعد الديمقراطي تتآكل شرعية المؤسسات، وتتراجع المشاركة، ويصبح الانقسام أكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسه.

 

لذلك، ينبغي أن تكون المرحلة الانتقالية فرصة لإعادة تأسيس العلاقة بين الوطني والديمقراطي، وبين التحرر والصمود.

 

الوظيفة والأداة

 

ومن هنا، فإن السؤال ليس أولاً: أي حكومة نحتاج؟ بل: ما الوظيفة الوطنية التي ينبغي أن تؤديها أي صيغة انتقالية؟

 

المطلوب إطار سياسي توافقي ذو مصداقية، وقادر على إدارة المرحلة، وتوحيد المؤسسات، وحماية المجتمع، وتأمين مقومات الصمود، وإعادة بناء الثقة، وتهيئة شروط انتخابات حرة وشاملة على قاعدة التعددية وتداول المسؤولية واحترام نتائج الاقتراع.

 

وتحتاج هذه الوظيفة إلى حكومة توافقية، إلا أن المهم ألا يتحول النقاش حول شكل الأداة إلى بديل عن النقاش حول وظيفتها.

 

وإذا احتاجت المرحلة إلى حكومة، فلا ينبغي أن تكون حكومة محاصصة فصائلية تتقاسم النفوذ، ولا حكومة تكنوقراط منفصلة عن السياسة والمشروع الوطني. وظيفتها أن تكون أداة تنفيذية لإطار سياسي أوسع، مهمتها حماية الناس، وتعزيز الصمود، وإعادة بناء المؤسسات، وتهيئة شروط الانتقال الديمقراطي، في خدمة هدف التحرر الوطني. وبهذا المعنى، لا تصبح الحكومة هي المشروع، بل إحدى أدواته الأساسية لتنفيذ أولوياته وتحويل أهداف المرحلة إلى سياسات وإجراءات ملموسة على الأرض.

 

كيف تكتمل المبادرة؟

 

إن استعادة منظمة التحرير لدورها التاريخي لا تعني العودة إلى الماضي كما كان، بل استعادة وظيفتها ضمن منظومة سياسية جديدة: منظمة تحرير جامعة، ونظام ديمقراطي تعددي، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وقدرة مجتمعية واقتصادية على الصمود، وشعب يشارك في صنع القرار ولا يُطلب منه فقط تحمل نتائجه.

 

والانتخابات، في هذا السياق، لا ينبغي أن تكون مجرد آلية لتجديد الشرعية، بل مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي كله.

 

لذلك، فإن استكمال مبادرة الشعبية لا يتطلب إضافة أداة إلى أخرى بقدر ما يتطلب وصل الوظائف الوطنية ببعضها: منظمة التحرير تقود المشروع الوطني، ومنظومة المؤسسات، وفي مقدمتها حكومة توافقية مفوضة، تدير شؤون الناس وتنفذ أولويات المرحلة، والديمقراطية تمنح النظام شرعيته، والصمود يوفر للمجتمع القدرة على البقاء والفعل، وكل ذلك في خدمة التحرر الوطني.

 

فالمطلوب ليس الانتقال من انقسام إلى ترتيب جديد لإدارة الانقسام، ولا من سلطة إلى سلطة، وإنما الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء القدرة على تجاوزها.

 

إن الجديد الفلسطيني المطلوب ليس قطيعة عمياء مع الماضي، ولا تكراراً له. إنه ولادة سياسية تستخلص من التجربة دروسها، وتعيد بناء الحركة الوطنية على قاعدة واضحة: وطني يقود نحو الحرية والاستقلال، و بناء ديمقراطي يمنح هذا الطريق شرعيته، وصمود يجعل الشعب قادراً على مواصلته.

 

وعندها فقط، يمكن لمبادرة الشعبية أن تتجاوز كونها مدخلاً لإعادة ترتيب الإطار السياسي، لتصبح خطوة مركزية على طريق إعادة بناء الحركة الوطنية نفسها؛ حركة تستعيد هدف التحرر، وتبني شروط الصمود، وتعيد للناس مكانتهم باعتبارهم أصحاب القضية وأصحاب القرار.
×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط