كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التحرش الجنسي سلوك متوارث وليس طارئا

التحرش الجنسي سلوك متوارث وليس طارئا

تاريخ النشر: 2018-03-26 | 15:39

كتب وتساءل وبحث كثيرون حول التّحرّش الجنسي والأسباب التي تقف وراءه، وواضح أنّ هناك تفاوتا بين الشّعوب في قضيّة التّحرّش، بسبب التّفاوت والاختلاف بين الثّقافات، وما يهمّنا هنا الالتفات إلى هذه القضيّة في ثقافتنا العربيّة الشّعبيّة، ومع أنّ قضيّة التّحرّش الجنسي تصدر من الجنسين الذّكور والإناث، إلا أنّ أوّل ما يتبادر إلى ذهن الانسان عندما يسمع مصطلح التّحرّش أنّ المقصود به هو تحرّش الذّكور بالإناث، لأنّ غالبيّة هكذا أحداث تكون بمبادرة من الذّكور، بسبب التّربية الذّكوريّة، مع ضرورة الانتباه أنّ الغالبيّة العظمى من الشّعوب هي مجتمعات ذكوريّة، تضطهد المرأة، فقبل عدّة عقود صدر كتاب للفنّانة الأمريكية أنجيلا ديفيس، وهي تنحدر من أصول افريقية، وصفت فيه معاناة المرأة الأمريكيّة، وما تعانيه من اضطهاد" بأنّها تشبه حالة معاناة السّود في الأنظمة العنصريّة مثل التي في جنوب افريقيا"  ووقتذاك لم تكن جنوب افريقيا قد تخلصت من نظام الفصل العنصريّ.

ومعروف أنّ المجتمعات الذّكوريّة تضطهد المرأة، وهذا الاضطهاد يتفاوت بتفاوت مدى ترسيخ العقليّة الذّكوريّة بين شعب وآخر.

ومن البدهيّات أنّ أمّتنا العربيّة مجتمعات ذكوريّة بشكل طاغ. لذا فإنّ الأنثى غير مرحّب بها منذ ولادتها، بل وهي جنين في رحم أمّها بعد تطوّر الطّبّ ومعرفة جنس الجنين قبل أن يولد، وهذه ظاهرة معروفة حتّى قبل الاسلام، فقد جاء في القرآن الكريم:" وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚأَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ".

 وفي ثقافتنا الشّعبيّة لا يوجد للمرأة أيّ قيمة انسانيّة، بل إنّ وجودها مرفوض، وسعيد من يخلّف الذّكور ولا يخلّف البنات، لأنّ البنت ليست خلفا، لذا فإنّ من أنجبت بنتا أو أكثر يدعون لها ولزوجها بالخلف الصّالح، والمقصود ابن ذكر أو أكثر، وبناء عليه فإنّ من لم تنجب أبناء ذكورا تتحمّل مسؤوليّة ذلك! وقد تتعرّض للطلاق أو لزواج زوجها من أخرى. وهذه المواقف مدعومة من الثّقافة الشّعبيّة التي لا يزال بعضها سائدا حتّى يومنا هذا، لذا فإنّ شرط حماية استمراريّة الحياة الزّوجيّة للمرأة هو أن تنجب أبناء ذكورا، "الاولاد اوتاد"، وعدم انجاب البنات وحتّى وفاتهنّ أمنية اجتماعيّة،" اللي بتموت وليته من حسن نيته"! وإذا ما وُلدت البنت فإنّها لا تحتاج إلى رعاية كالابن الذّكر،" البنات مثل خبّيزة المزابل"! أي تنمو وتكبر بسرعة دون رعاية، وتدليل البنت من الكبائر" دلّل ابنك بغنيك، ودلّل بنتك تخزيك"! ومن المفارقات المحزنة " ابنك لك وبنتك لغيرك"! و"خير ابنك لك، وخير بنتك لغيرك"!

وعلينا الانتباه لحكاياتنا الشّعبيّة، هذه الحكايات التي يسردها الآباء والأجداد على مسامع الأطفال، هي في غالبيّتها حكايات جنسيّة، ويتمّ الحديث فيها عن الجنس بشكل صريح وواضح.

ونظرا لهذه القسوة غير المبرّرة بحق الأنثى، فإنّ النّساء وعبر أجيال قد ارتضين الدّونيّة، ولتخليص فلذات أكبادهنّ من الاضطهاد ومن المصير الذي ينتظر الأنثى، فإنّهن لا يحببن انجاب البنات هنّ أيضا، ويربّين أبناءهنّ تربية ذكوريّة أيضا، ويغرسن في أذهانهم أفضليّة الذّكر على الأنثى بدءا من طفولتهم المبكّرة، تماما مثلما يغرسن من جهة أخرى الدّونيّة في أذهان بناتهنّ، ومن السّهل على المرء أن يرى طفلا أو رجلا ذكرا يأمر أخته التي تكبره عمرا، وقد يكون عمرها أضعاف عمره أن تقدّم له خدمة مهما كانت بسيطة، في حين لا يحصل العكس.

وبناء على التّربية المجتمعيّة الذّكوريّة، فإنّ المرأة تفاخر بانجابها طفلا ذكرا، وتواصل افتخارها بعضوه الذّكريّ حتّى وهو في المهد، ومن أغاني الهدهدة التي تغنيها الأمّهات لأبنائهنّ الذّكور:

"والزّبرة زبرة عطــــــــــا نايمة تحت الغطـــــا

 ولا تحسدي يا حاســـــــده وهذا ربّي اللي عطـى

 والزّبرة زباريــــــــــــــها والرّحمن امباريهـــــا

 والدّار اللي هي فيهــــــــا بتطبّ البركه فيهـــــــا

وتواصل فخرها بابنها الذّكر وتهدهده فرحة مسرورة في حين تعيب على البنت أنّها أنثى:

والزّبرة زبرة قنفد بتخزق الحيط وبتنفد

ويا جاره ظبّي بنتك

هذا ربّي اللي عطا

والزّنبور لا شاف سرور

بطلع صاغ وبرجع مقعور

ويلاحظ أنّ الأمّهات يكنّ في غايات السّعادة عندما ترى الواحدة منهنّ عضو طفلها أو حفيدها منتصبا لامتلاء مثانته بالبول، وكأنّها بهذا اطمأنّت على فحولته المستقبليّة.

ونظرة فاحصة لأغاني هدهدة كهذه، فإنّها تعتبر نوعا من التّحرّش الجنسيّ بطفل بريء، مع التّأكيد أنّ هذا التّحرّش بريء هو أيضا، وإن كانت تكمن خلفه رغبات جنسيّة غير مقصودة.

وما يهمّنا هنا أنّ هكذا "ثقافة شعبيّة" يتبعها مسلكيّات لافتة، ومنها أنّ الابن الذّكر لا عيب عليه، حتّى لو مشى عاريا، في حين أنّ الطّفلة كتلة من العيب متنقّلة، فلا يسمح لها أن تتصرف بطفولتها البريئة كما يسمح لشقيقها الذّكر، وحتّى الملابس، فإنّ ملابس الطفلة يجب أن تكون "ساترة". حسب ما يرتئيه الكبار.

وهذه التّربية تأخذ أبعادا أخرى، فمثلا "الذّكر رجل أينما ذهب وارتحل، ولا عيب عليه" حتّى لو اغتصب امرأة في مرحلة عمريّة مهما كانت امرأة فلا شيء يعيبه، بينما العيب على المرأة المغتصبة! وهكذا "ثقافة" تشجّع بصورة وأخرى ظاهرة التّحرّش بالنّساء، والتي قد تصل إلى الاعتداء على الجسد وقد تصل درجة الاغتصاب.

ومع كلّ ذلك وبناء على هذه التّربية، ورغم نظرة المجتمع "الدّونيّة" للمرأة فإنّ الرّجل العربيّ يفهم "الشّرف" من خلال ما بين فخذي المرأة، ومن هنا تحصل جرائم ما يسمّى "الدّفاع عن شرف العائلة" والذي تذهب ضحايا له أرواح بريئة، وكثير من هذه الجرائم قد تكون بسبب إشاعة كاذبة، وقد ثبت بتشريح جثث بعض الضّحايا أنّهن قتلن وهنّ عذارى، والنّظرة الدّونيّة للأنثى هي المسؤولة أيضا عن قضايا سفاح القربى، والمرأة هي الضّحيّة دائما، ومن البشاعة بمكان أنّ هناك من يقتلن تحت شعار "شرف العائلة" بعد تعرّضهنّ للاغتصاب، في حين أنّ المجرم "المغتصب" ينجو من القتل". ومن جهة أخرى فإنّ القاتل قد ينجو من العقاب، أو يعاقب بالسّجن لأشهر قليلة، لأنّ القوانين المعمول بها تحميه، ويجري اسقاط تهمة القتل عنه بتنازل وليّ أمر القتيلة عن حقّه، وهذا بحدّ ذاته تشجيع على هكذا جرائم.

 ومن ناحية أخرى فإنّ " ثقافة" ربط الشّرف بما بين فخذي المرأة، تحصر "مفهوم "الشّرف" بالمرأة دون الرّجل! فأين شرف الرّجال؟ وهل ارتكاب الموبقات كخيانة الوطن، السّرقة، الكذب، تعاطي المخدّرات....إلخ خارج نطاق الشّرف؟

إنّ اختلال العلاقة بين الذّكر والأنثى نتيجة للثّقافة المجتمعيّة، وما يصاحب ذلك من كبت جنسيّ، والبعد عن التّثقيف الجنسيّ العلميّ  والدّينيّ في المدارس وحتّى الجامعات هي أساس في عمليّة التّحرش الجنسيّ، الذي هو ليس حكرا على الذّكور فقط، بل يتعدّاه إلى الإناث أيضا، وإن كان بشكل أقلّ بسبب التّربية الذّكوريّة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط