كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التدافع السياسي قبل الهدنة في قطاع غزة

التدافع السياسي قبل الهدنة في قطاع غزة

تاريخ النشر: 2024-02-17 | 08:41

يظهر أنّ الاحتلال الإسرائيلي وحلفاءه الأمريكان يسعون إلى الحصول من خلال اللعبة السياسية على ما فشلوا في تحصيله من المقاومة في قطاع غزة بالقوة والعدوان. وهم يحاولون أن يوجدوا بيئة سياسية وإعلامية ضاغطة على المقاومة تتعامل معها وكأنها الطرف الخاسر الذي عليه الاستجابة لشروطهم؛ مع أنّ الوقائع على الأرض وأداء المقاومة يشهد بمدى معاناة وخسائر الاحتلال الإسرائيلي بعد أكثر من 130 يوماً من العدوان، واضطرار الاحتلال للتفاوض مع حماس (عبر وسطاء) وتقديم عروض، وانتظاره ومعه حلفاؤه من القوى الكبرى ردها.

أهداف إسرائيلية غير قابلة للتحقيق:
الأهداف الإسرائيلية المعلنة تتمثل في سحق حماس، وتحرير المحتجزين لديها، وتوفير الأمن لغلاف غزة، وفرض الرؤية الصهيونية على مستقبل القطاع. اما الاستراتيجية التي يعتمد عليها الاحتلال في تحقيق أهدافه فهي قائمة من ناحية أولى على فكرة إمكانية استنزاف وإنهاك المقاومة، واستهلاك أسلحتها وذخائرها بمرور الوقت، ومن ناحية ثانية، على مضاعفة معاناة المدنيين والحاضنة الشعبية، عبر المجازر والمذابح والدمار، وحرمانها من الحد الأدنى لمقومات الحياة، لإجبارها للضغط على المقاومة للنزول بدرجة أو بأخرى على شروط الاحتلال. ويستفيد الاحتلال في ذلك من بيئة الخذلان والحصار الرسمي العربي، ومن الغطاء الأمريكي والتواطؤ الدولي الغربي. غير أنّ الأداء المذهل للمقاومة على الأرض، وبقاء ورقة الأسرى الصهاينة بيدها، واستمرار التفاف الحاضنة الشعبية حولها، وتصاعد الآراء لقادة سياسيين وعسكريين إسرائيليين، وللحلفاء الغربيين باستحالة تحقيق الأهداف الإسرائيلية، مع تزايد البيئات الدولية المتعاطفة مع الشعب الفلسطيني، والمطالبة بوقف العدوان، بالإضافة إلى إجراءات كشف وحشيته وتجريمه في المحاكم الدولية…. تجعل قدرة الحكومة الإسرائيلية على الاستمرار في الاستراتيجية نفسها لأمد بعيد أمراً صعباً وذا أثمان عالية متصاعدة.

ولذلك، فإن حالة التدافع السياسي في هذه الأيام تحاول من جهة الطرف الإسرائيلي الوصول إلى تسوية أو ترتيبات تحلُّ مشكلة "إسرائيل" الأمنية مع حماس والمقاومة في قطاع غزة، وجعل الكيان في وضعٍ "مريح"، بما يُمكنه من متابعة احتلاله وإخضاعه للشعب الفلسطيني ومصادرة أرضه ومقدساته.

أما المقاومة فلن ترضى بأقل من الوقف الكامل للعدوان، وانسحاب القوات الإسرائيلية خارج القطاع، وتحقيق صفقة تبادل أسرى تبيّض السجون الإسرائيلية خصوصاّ من ذوي الأحكام المرتفعة، وفك الحصار وفتح المعابر وإعادة الإعمار.

غير أن نتنياهو ما زال يتحدث عن أن غزة يجب أن تكون منزوعة السلاح، وأن تخضع لسيطرة أمنية كاملة؛ في الوقت الذي أغلق فيه أي أفق لمسار تسوية سلمية ينتهي بدولة فلسطينية مستقلة تراهن عليه قيادة منظمة التحرير وفتح والأنظمة العربية، حيث قال "لن أساوم على بسط السيطرة الأمنية الكاملة على كل الأراضي التي تقع غرب نهر الأردن". أما وزير الحرب الإسرائيلي يؤاف جالانت فقال بشكل صريح "إذا لم نفكِّك قدرات حماس بشكل كامل فلن نتمكن من العيش في إسرائيل"، مؤكداً السعي لإسقاط حكمها في غزة.

ويصعب على القيادة الإسرائيلية الحالية النزول عن الشجرة، لأنها تدرك، وخصوصاً نتنياهو، أن عملية طوفان الأقصى ضربت النظرية الأمنية التي يقوم عليها الكيان، وأنها نقلت درجة الاشتباك، إلى حالة تهديد وجودي للكيان بضربها لفكرة الملاذ الآمن للكتلة اليهودية الاستيطانية في فلسطين المحتلة؛ وأن مجرد الهدنة وتبادل الأسرى لا يكفي لإرجاع الشعور بالأمان والاستقرار لدى المجتمع الصهيوني. وأن مجرد نهاية الحرب دون "تأمين" الجبهة الجنوبية (غلاف غزة)، سيصبُّ في النهاية السياسية لنتنياهو، وسقوط التحالف الحاكم، وتعزيز خط المقاومة الفلسطينية، وإيجاد بيئة طاردة في الكيان، مع إفشال أو إضعاف مسارات التطبيع، وإنهاء دور الكيان كشرطي للمنطقة.

ولذلك، لم تبتعد خطة إسرائيلية، نّشرت في الأيام الماضية، وصاغها مجموعة رجال أعمال إسرائيليين لليوم التالي في قطاع غزة، عن روح السيطرة والهيمنة، وزعت إلى ترتيبات من ثلاث مراحل تكون أولاها إدارة إسرائيلية عسكرية كاملة لقطاع غزة، وفي مرحلتها الثانية ينشأ تحالف دولي لإدارة القطاع تشارك فيه دول عربية مثل مصر والأردن والإمارات والسعودية والمغرب، وتبدأ مرحلتها الثالثة بعد استقرار الأوضاع في القطاع، ونجاح السلطة الفلسطينية "الجديدة" في إدارة الضفة والقطاع وفق المعايير الإسرائيلية.

وهكذا، فالطرح الإسرائيلي ما زال في إطار التفكير الفوقي الرغائبي المأزوم، غير القادر على رؤية الوقائع والحقائق على الأرض.

الطرح الأمريكي الأوروبي:
ما زال الطرح الأمريكي والأوروبي أسير عقلية "هندسة" الواقع الفلسطيني بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية، وبالرغم من كثرة حديث الأوروبيين والأمريكان في الأيام الأخيرة عن حلّ الدولتين، وعن إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، وعن عدم التعرّض للمدنيين، وعن إعادة الإعمار. إلا أن كل الطروحات تتميز بأمرين:

الأول: لا يوجد في كل هذه المبادرات والتصريحات أي التزام جديّ بدولة فلسطينية كاملة السيادة على الضفة والقطاع، ولا أي التزام بممارسة أي ضغوط حقيقية تؤدي لانسحاب إسرائيلي من الضفة والقطاع. وهي اللغة نفسها التي لم تؤدِ إلاّ إلى نتائج كارثية طوال أكثر من 30 عاماً.

الثاني: ثمة رغبة واضحة في الوصاية على الفلسطينيين، وتقرير من يُمثلهم أو يقودهم، وهناك اتجاه عام لاستبعاد حماس عن قيادة الشعب الفلسطيني أو الشراكة في قيادته، حتى لو فازت بانتخابات حرة نزيهة.

فالولايات المتحدة بحسب جون كيربي منسق مجلس الأمن القومي الأمريكي، ترفض أي دور لحماس وقادتها بأي شكل من أشكال الحكم في غزة بعد الحرب.

وصوّت البرلمان الأوروبي في كانون الثاني/ يناير 2024 بالأغلبية على مشروع قرار لوقف إطلاق النار، واستئناف مسار سياسي وصولاً لحلّ الدولتين، لكن القرار نفسه يدعو إلى "تفكيك حماس". كما قام السلك الديبلوماسي للاتحاد الأوروبي بإرسال ورقة مناقشة إلى الدول الأعضاء في الشهر نفسه، تقترح خطة من 12 نقطه للوصول إلى تسوية تؤدي إلى حلّ الدولتين، لكنه في خطته أشار إلى الحاجة "لبديل عن حماس"!!

وكذلك، اقترحت الحكومة البريطانية أواخر كانون الثاني/ يناير خطة من خمس نقاط نشرتها صحيفة الفايننشال تايمز لإنهاء الحرب، وأثارتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية… تتضمن تحديد أفق سياسي لدولة فلسطينية، وتشكيل حكومة كفاءات في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنها تطالب بمغادرة قيادات حماس الكبار، بمن فيهم السنوار، لقطاع غزة. وفي الوقت نفسه، أيد ديفيد كاميرون وزير الخارجية البريطاني رغبة "إسرائيل" بألا تدير حماس قطاع غزة بعد الحرب، موضحاً أن لدى "إسرائيل" الحق في ذلك!!

وبشكل عام فإن العقلية الغربية في لعبة التدافع السياسي معنية بتأمين الاحتلال الإسرائيلي واستمراره واستقراره، واستبعاد خط المقاومة، وهو الخطأ نفسه، الذي وقعت فيه سنة 2006 عندما فازت حماس، والذي تابعت تكراره من خلال شروط الرباعية الدولية.

وهي عقلية لا ترى الاحتلال ولا ترى العدوان ولا ترى المجازر والحصار، فالمطلوب دائماً من "الضحية" أن يقدم أوراق "حسن السلوك"، وأن يسترضي الاحتلال والعدوان!! أما بالنسبة للاحتلال، في ظلّ حالة الغرور والعجرفة الإسرائيلية، فإن الحدّ الأقصى الذي يقدّمه الاحتلال الإسرائيلي في المفاوضات لا يصل إلى الحد الأدنى الذي تقبله المقاومة، ولذلك فإن حالة التدافع والضغط العسكري المتبادل ستستمر في الوقت الراهن، فالكيان خارج عن دائرة المحاسبة والمسؤولية، وهو فوق القانون، بالرغم من أن الأقرب للمنطق وللقانون الدولي هو فرض تغيير القيادة الإسرائيلية، ومحاكمة قادتها كمجرمي حرب، ونزع أسلحة الكيان نظراً لاحتلاله ووحشيّته، ومعاقبة الكيان ومحاصرته حتى يُجبر على الانسحاب وتلبية المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني.

ومشكلة هكذا تصوّرات أنها لا تتعلم من حركة التاريخ ولا سنن الله في الكون والحياة، وتحتقر إرادة الشعوب في الحرية والعدل والتحرير، وتسير عكس حقوق الإنسان الطبيعية والقانون الدولي، وحتى مئات القرارات من الأمم المتحدة. وهي عقلية ستجد نفسها أمام ثورات متجددة ومستمرة لا تنتهي عادةً إلا بالتحرير وإنهاء الاحتلال.

وعلى هذا، فلا خيار أمام المقاومة بعد كل هذه التضحيات، سوى الاستمرار وتحشيد عناصر القوة والفعالية، وحسن استخدام أوراق قوتها لتحقيق أهدافها.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط