كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التراجع الأمريكي وتوجهات التغيير في التوازن الدول

التراجع الأمريكي وتوجهات التغيير في التوازن الدول

تاريخ النشر: 2018-11-18 | 14:21

لعلها المرة الأولى في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية، أن تحدث مثل تلك المتغيرات التي صاحبت توجهات دونالد ترامب السياسية، منذ وصوله إلى البيت الأبيض، وهي متغيرات متسارعة، لافتة للنظر وتثير التأمل، في آن، من منظور مدى الانسحاب الحاصل من كثير من الاتفاقات والالتزامات الأمريكية دولياً، بداية من الانسحاب من منظمة التربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، وصولاً إلى التلويح بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية. ولعل الأهم، هو التراجع إلى الحدود الجغرافية الأمريكية، إلى الدرجة التي تم فيها إغلاق الحدود شمالاً مع كندا، وإقامة جدار عازل جنوباً مع المكسيك، ليس هذا فقط، بل ما تواكب مع شعار «أمريكا أولاً»، الذي طرحه ترامب في حملته الانتخابية، منذ عامين، من منع تصاريح المرور إلى الداخل الأمريكي عن مواطني «سبع» دول إسلامية، ناهيك عن علاقة الإدارة الأمريكية بحلفائها التاريخيين، خصوصاً في أوروبا، فضلاً عن منافسيها التقليديين، روسيا والصين. فهل يؤشر هذا إلى ارتباك في طبيعة التعامل السياسي مع دول العالم، ومن بينها القوى الكبرى بشكل خاص، أم يُعبّر عن التعامل الأمريكي مع هذه القوى وتلك الدول بشكل انتقائي، بحسب إمكانية التأثير الأمريكي ومداه، أم يدل على ازدواجية، ساهمت فيها سياسات ترامب وإدارته، بين «وطنية» تُعبّر عن نفسها بالانكفاء عن الآخر، وعنصرية تسعى إلى تكييف الآخر قسراً مع مصالحها.

هذه التساؤلات، وغيرها، وإن كانت تثير إشكاليات بخصوص طبيعة التوازن في النظام الدولي، فهي، في الوقت نفسه، تدفع إلى القول بوجود أزمة حقيقية تتعلق بعدم قدرة الإدارة الأمريكية على بلورة رؤية استراتيجية متماسكة، أو حتى واضحة، للنظام العالمي، وهي الأزمة التي تتأكد إذا لاحظنا المفارقة التي تطبع السلوك الأمريكي، على المستوى الدولي، نعني «القدرة على الفعل، وعدم القدرة على التأثير في تطوير هذا الفعل في اتجاه مرغوب». ولعل السبب في هذه المفارقة يعود، فيما يعود إليه، قدرة الولايات المتحدة ـ بمفردها ـ على تحمّل تكلفة دور القيادة العالمية، إذ رغم أنها ما زالت القوة العسكرية الأولى في العالم دون منازع، فإن إمكاناتها الاقتصادية تتقلص بشكل نسبي، طوال الخمسة والعشرين عاماً الماضية، فمنذ حرب الخليج الثانية، عام 1991، اندفعت إلى طلب مشاركة حلفائها في أوروبا، والمنطقة العربية، في «تحمّل الأعباء»، وقد أصبح ذلك نمطاً متكرراً في السياسة الأمريكية منذ ذلك الحين. هذا، فضلاً عن ظهور قوى دولية أخرى، مثلت تحدياً مباشراً لواشنطن، أهمها الصين على المستوى الاقتصادي، وروسيا على المستوى السياسي. يعني هذا، فيما يعنيه، أن ثمة تحدياً سياسياً رئيساً يواجه الولايات المتحدة إنه ذلك الذي يتمثل في مدى مصداقية القوة العسكرية الأمريكية في خدمة القرار السياسي لها. بعبارة أخرى، ما لم تخدم القوة العسكرية الولايات المتحدة في المحافظة على وضع القمة الدولية، فإنها تصبح قوة غير قابلة للتصديق، وفي الأمد المنظور، فإن الولايات المتحدة ليست في خصومة شديدة مع أية دولة أخرى ذات مصداقية عسكرية مهمة، خاصة على مستوى القوي العسكرية النووية. ومن ثم، فإن تفوقها العسكري لا يدخل بالضرورة في توازنات القوة بين القوى الدولية الكبرى، وهو الأمر الذي يجعل من بلدان «الجنوب» مجالاً لها (العراق وأفغانستان وسوريا، مجرد أمثلة)، وليس في هذا ما يدل أو حتى يشير إلى تأكيد التفوق. ومن ثم، فإن هذا التحدي، أو بالأحرى القيد، تعرفه تلك القوى، وحيث يوجد الإدراك بهذا تتعامل القوى (الكبرى) على أساس أن المرحلة الراهنة، مرحلة انتقالية أو موقتة، يمكن استنفاذها إلى نهايتها لتحقيق المزيد من القوة العسكرية، وكذا الاستعداد لبناء النفوذ السياسي والاقتصادي، دون خشية من الولايات المتحدة.
ولعل هذا ما يفسر «التصارع» القائم حالياً، بين توجهين تتضمنهما ساحة التفاعلات الدولية التوجه الأول: الذي تصبو الولايات المتحدة إلى تنميته وتطويره، أي الحفاظ على المكانة الأمريكية الراهنة في النظام الدولي، وهي المكانة التي ـ ربما ـ كان التوصيف الأقرب إلى واقعها هو «القيادة» ولكن بسمات تجمع بين سمات «إمبراطورية»، ونظام «القطب الأوحد» في نظام دول ذات سيادة، وسمات «القطب الأعظم» أو القابض على التوازن في نظام توازن قوي دولي «تحت التكوين». أما التوجه الآخر فهو: ذلك الذي تصبو إليه قوي كبرى أخرى غير الولايات المتحدة. إنه التوجه الذي لا يوجد في إطاره مكان لقطب أعظم قائد، ولكن يمكن أن يكون هذا القطب ـ على أقصى تقدير ـ الأكثر امتيازاً بين أقطاب كلها متساوية، وهو التوجه الذي يبدو أن الصين وروسيا، غير رافضتين له، وكذلك فرنسا، في حين يبدو أن بريطانيا وألمانيا، وربما اليابان، مترددة في الموافقة عليه. وهكذا، فإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى الإبقاء على بنية النظام الدولي وأنماط تفاعلاته ومؤسساته، تلك التي تضمن لها مكانة متميزة، إلا أن التغيرات في خريطة العالم السياسية والاقتصادية، أدت إلى ظهور قوي أخرى تجد مصالحها في تغيير بنية النظام السائد وأنماط تفاعلاته ومؤسساته، خاصة أن لديها الإمكانات اللازمة، والمطلوبة، لإحداث هذا التغيير.
وتكفي الملاحظة المجردة لبيان أهمية القوى الدافعة إلى التغيير، إذا أدخلنا في الحسبان إنشاء تجمع «دول بريكس»، الذي يضم الصين وروسيا والهند وجنوب إفريقيا والبرازيل، وأيضاً، إذا وضعنا في الاعتبار التململ الألماني من السلوك الأمريكي تجاه أوروبا، والدعوة الفرنسية الأخيرة إلى إنشاء «جيش أوروبي موحد» لمواجهة التحديات التي تأتي أوروبا من خارجها. إلا أن ما نود الإشارة إليه، هنا، أن الولايات المتحدة، رغم تراجع وتآكل بعض عناصر القوة ـ بل «القدرة» ـ الأمريكية، فإنها مازالت تمتلك أكبر رصيد من عناصر القوة الشاملة، ومازالت تحظي بأكبر قدر من القوة الناعمة المتمثلة في نمط الحياة ونموذج المعيشة وغيرها. رغم ذلك، فإن احتمال الانكفاء الأمريكي إلى الداخل، وأن تتحول «الدولة ـ القارة» إلى دولة حبيسة حدودها، السياسية على الأقل، هو احتمال وارد، خصوصاً، في سياق توجهات إدارة دونالد ترامب الخارجية، وفي إطار النتائج التي أدت إليها من انقسام أمريكي، ليس فقط داخل الكونغرس، كما ظهر بوضوح خلال انتخابات التجديد النصفي، ولكن كذلك بين أنصار «أمريكا أولًا»، وبين الداعين إلى الإمبراطورية الأمريكية. وما يعنينا، هنا، هو التأكيد على أن المرحلة الراهنة من تطور النظام الدولي تتسم بالسيولة، وأحياناً تتخللها حالة من الانفلات والفوضي، واتساع مساحة عدم اليقين، وأن هذه الوضعية تؤدي بالدول إلى فك وإعادة تركيب تحالفاتها الدولية والإقليمية، بحيث تصبح تلك التحالفات أكثر مرونة، وبحيث تقتصر على بعض المجالات دون غيرها، مع إمكانية أن تختلف درجة التحالف من مجال إلى آخر، ولعل هذا، نفسه، ما يفتح مجالاً واسعاً للقوى العربية لأجل انتزاع مكان لها، عبر فك وإعادة تركيب تحالفاتها، الدولية والإقليمية بما يضمن مصالحها.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط