كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التربية على اللاعنف من لا عنف التربية

التربية على اللاعنف من لا عنف التربية

تاريخ النشر: 2018-04-19 | 12:10

ينظر للعنف على أنه نتاج خلل وتناقض كامن في البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ويتخذ صوراً عدة، منها: ضعف التكامل الوطني، وتنامي النزعات الانفصالية، وغياب العدالة الاجتماعية، وحرمان قوى اجتماعية من حقوقها السياسية، وعدم إشباع الحاجات الأساسية لقطاعات مهشمة، والسقوط في فخ التبعية لأجندات خارجية.

ولما كان اللاعنف والسلم الاجتماعي قائم على ضمان الحقوق والحريات، وكانت الحضارة قائمة أساساً على تقليص العنف، كان من الضروري تعظيم شأن ثقافة اللاعنف، وتربية الأطفال منذ نعومة أظفارهم على حقوق الإنسان والديمقراطية، وهذا ما يشترط في الأساس أن تستقي التربية نفسها من مبادئ اللاعنف وقواعده ومناهجه (تبدأ التربية من لاعنف التربية).

وعليه فإن مصطلح ينطوي تحت اللاعنف أو السلم الاجتماعي سيكون غرضه الاعتراف بالكرامة المتأصلة في أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة، ولعل هذا ما أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 1998واعتبرت على أساسه الفترة (2001-2010) عقداً دولياً لتشجيع ثقافة السلام واللاعنف لصالح أطفال العالم .

ولكن بالاطلاع على الأدب التربوي والسياسي المتعلق بثقافة التسامح واللاعنف والسلم الاجتماعي، يجد من التداخل ما يجد بين المصطلحات إلى الحد الذي يجزم فيه أنها جميعها متراكمة، فالتحول الديمقراطي على سبيل المثال في أي مجتمع رهن بنشر ثقافة اللاعنف وتعزيز حقوق الإنسان، وتحويلها إلى سلوك يحكم علاقات المواطنين ببعضهم من جهة، وعلاقتهم بالمؤسسات من جهة أخرى.

 ورغم أن المجتمع قد أوجد المؤسسات التربوية والاجتماعية بهدف تنمية الإنسان ونموه من جميع جوانبه، إلا أنه حالياً أول ما يمارس العنف إلى فيها من خلال سياسات التسلط، والحد من الحريات، وما كان العنف إلا تبريراً لواحد من التفسيرات التالية :-

التفسير النفسي/ حيث يتولد العنف أو عدم التسامح نتيجة الإحباط، فأي حاجز يحول دون تحقيق إشباع حاجات الطفل ينمي لديه الشعور بالإحباط، ويؤدي إلى سلوك عدواني يتسلط فيه على الآخرين وعلى الأشياء .

التفسير الاجتماعي/ حيث يرى العاملون في ميادين علم الاجتماع أن التراجع في السلوك اللاعنفي أو سيادة السلوك العنفي يأتي من خلال التعليم ليس على مستوى المؤسسة التربوية فقط، بل بما تعززه البيئة، فيقترن ضعف السلم الاجتماعي بالانحلال في نسيج العلاقات الاجتماعية.

وبعيداً عن النظريات المفسرة للعنف وانسحاب اللاعنف مثل النظرية البيولوجية أو نظريات الإحباط أو النظرية السيكولوجية أو نظرية الصراع، فإني أرى أن أهم مداخل  تحقيق ثقافة اللاعنف والسلم الاجتماعي، هما : التسامح والتربية على حقوق الإنسان .

فالتسامح يقوم على مجموعة من المبادئ والركائز، أهمها: أن البحث عن الحقيقة يكون لذاتها لا لهزيمة الآخرين، والاعتراف بأن الكل معرض للخطأ، وأن الإقرار بظاهرة التعددية أمراً طبيعياً وأن الاختلاف سنة كونية، وأن يكرم الإنسان لإنسانيته فقط بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى كالجنس أو العرق أو اللون أو المكانة أو...، وأن التسامح على المستوى الإنساني يتجلى في القدرة على قبول الآخر  المختلف  واحترامه.

ولا أعتقد أن كان هناك تجربة عبر التاريخ أنجح من التجربة الإسلامية الأولى في نبذ العنف وتعزيز التسامح من خلال مرحلتين :

 الأولى/ التخلية: من خلال تطهير التربية من كافة الأفكار والأيديولوجيات القائمة على التعصب والتميز، والإقصاء والتهميش والكراهية والنبذ والعنصرية والفئوية، وجميع الأفكار المناهضة لقيم التسامح .

الثانية/ التحلية: من خلال تعزيز قيم الحي والتضامن بين الأجيال وتوسيع مدركات الأطفال والشباب حول المردود الإيجابي لمبادئ الحب والحق والخير، والرفق واللين والسخاء والمشاركة والمواطنة الصالحة، والأخوة الإنسانية .

ولعل من التجارب الدولية المعاصرة الناجحة في تعزيز ثقافة اللاعنف والتسامح التجربة الألمانية، حيث قام (فريدرش ناومان) بأول تجربة للتثقيف المجتمعي والسياسي عام 1918م  من حيث التركيز على الأطفال، وعلى أساس ذلك أنشيء معهد (بون) ليكون المركز الرئيس للتثقيف المدني في ألمانيا، هدفه تأهيل قيادات الأحزاب السياسية والمجتمعية على مفاهيم التسامح والمشاركة وقبول الآخر، وتقديم المبادرات المجتمعية لمساعدة الأطفال على تعزيز ثقافة التسامح واللاعنف.

والتربية على حقوق الإنسان، رغم أنه من الواجب ألا يجتاح فيها الإنسان إلى تربية، إلا أن اللامبالاة المجتمعية والسياسية أفرزت سلوكيات مجتمعية انتهكت الحقوق وأدت إلى ظاهرة التسلط والتنكر للآخرين في عالم تشح فيه الفرص والعدالة .

وقد كشف التاريخ الإنساني وجهتين متناقضتين للعلاقات الإنسانية أحدها تعبر عن الحرية، وأخرى عن القهر والاستبداد الاجتماعي ومن أجل ذلك كان التاريخ الإنساني سلسة من الكفاح والنضال من أجل الحقوق. ولعل من أهم الأسباب والدوافع وراء ضرورة التربية على حقوق الإنسان كأساس للسلم الاجتماعي :

1-  الواقع الاجتماعي المتردي/ حيث يشير الواقع العام إلى تردي مستوى الوعي بالكثير من القضايا المرتبطة بالحقوق والواجبات، وانتشار ظاهرة الفساد والمحسوبية .

2-  تردي الأنساق الاجتماعية/ فمهما تظاهرت العلاقات في المجتمع وتجملت، فإن هناك أنماطاً متناقضة بين المفاهيم النظرية والواقع العملي .

ولهذا انتبهت العديد من الدول إلى ضرورة هذا الأمر للحفاظ على السلم الاجتماعي، وتحقيق الحد الأدنى من الأمن القومي، وأقرت تدريس حقوق الإنسان في الجامعات منذ نهاية الأربعينات كخطوة خجولة أمام مسؤولياتها ، لكن ما يثير القلق أن يتم انتهاك الحقوق داخل أروقتها .

 ولأننا أصحاب همة، ونسعى دائماً لتعزيز ثقافة اللاعنف والسلم الاجتماعي، يجب أن نتمسك بزمام المبادرات نحو ذلك، وعليه، أقترح بعض الأفكار التي يمكن العملي عليها، منها :-

1-   تأليف بعض السيناريوهات لاستكتشات مسرحية تعرض في المدارس الأساسية، تظهر المردود الإيجابي للتسامح والآثار الوخيمة للعنف .

2-   تصميم حقيبة تعليمية تهدف (تأصيل المفاهيم الصحيحة وربطها بحياة الطلبة)، والاعتماد عليها لتكون وسيلة لتعميق مبدأ المشاركة .

3-   تنظيم بعض المناظرات بين طلبة الجامعات بعد تدريب مكثف ينتهي بميثاق الشرف الإنساني.

4-   قيادة بعض المبادرات في الأحياء البسيطة من خلال تدريب الصغار على التسامح ونبذ العنف من خلال الألعاب وتقديم الحلوى الصغيرة، دون تخطيط مسبق (زيارات ميدانية مفاجئة).

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط