كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الترحيل القسري وإجماع صهيوني على تكريس الاستيطان وتعميقه

الترحيل القسري وإجماع صهيوني على تكريس الاستيطان وتعميقه

تاريخ النشر: 2026-08-15 | 08:36

مصطفى إبراهيم
مصطفى إبراهيم

في خضم التحضير للانتخابات الإسرائيلية واستمرار حرب الإبادة في قطاع غزة، يتشكل في إسرائيل إجماع قومي صهيوني واسع على استمرار الحرب والاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، بالتوازي مع تغول المستوطنين واتساع نطاق اعتداءاتهم على الفلسطينيين. وباستثناء أصوات محدودة داخل دولة الاحتلال تدين ممارسات المستوطنين وإرهابهم، لا يظهر موقف إسرائيلي جدي يطالب بإخلاء المستوطنات من الأراضي الفلسطينية المحتلة أو بوقف المشروع الاستيطاني.

وفي هذا السياق، أوعز وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى الأجهزة الأمنية بالعمل على نقل صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية بدلاً من الجيش، في خطوة تحمل تبعات سياسية وقانونية خطيرة، وتأتي في إطار ترسيخ الاستيطان وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة، في انتهاك للقانون الدولي الذي يحظر الاستيطان ويعدّه انتهاكًا خطيرًا قد يرقى إلى جريمة حرب.

وقد يكون إعلان كاتس، في جانب منه، محاولة لامتصاص احتجاجات المستوطنين ضد قوات الجيش التي تعمل أحياناً على إخلائهم من مناطق يعتدون فيها على الفلسطينيين. لكن السؤال الأهم هو: هل نحن أمام تغيير حقيقي في منظومة إنفاذ القانون، أم أمام خطوة سياسية تهدف إلى إرضاء المستوطنين وتجنب مواجهتهم؟

في هذا السياق، فإن القول إن "هذه حكومة مستوطنين، وهذه دولة المستوطنين" ليس مجرد شعار سياسي، بل تعبير عن واقع أعمق يتعلق بطبيعة المشروع الصهيوني ودولة إسرائيل التي قامت منذ نشأتها على الهجرة والاستيطان والسيطرة على الأرض.

وما يبدو عجزاً من جانب الجيش الإسرائيلي أمام عنف المستوطنين لكنه تعبيراً عن تسامح مؤسسي يرسخ واقعاً يخدم مشروع الاستيطان والتهجير. وما يحدث في الضفة الغربية لا يبدو حادثة استثنائية أو فشلاً موضعياً، وإنما نمطًا متكررًا. فقد وصل الوضع إلى مرحلة يستطيع فيها مستوطن، حتى لو كان فتى، أن يقرر أين "يتجول" أو أين يرعى قطعانه، مستفيداً من حماية فعلية يوفرها له الجيش والشرطة، فيما يستطيع آخرون الاستيلاء على أراضٍ فلسطينية خاصة أو محاصرة منازل فلسطينية.

وهنا يبرز السؤال: هل يواجه الجيش الإسرائيلي فعلًا صعوبة في التعامل مع المستوطنين، حتى عندما يقيمون بؤراً استيطانية أو يحاصرون منازل فلسطينية خاصة؟ أم أن هذا الوضع أصبح مريحاً له، لأنه يسمح بإظهار صعوبة فرض النظام، بينما يؤدي عمليًا إلى تكريس الواقع القائم وتغيير ميزان السيطرة على الأرض؟

ما يجري اليوم ليس جديداً. فطرد وتهجير سكان التجمعات الفلسطينية لم يكن نتيجة ظروف عابرة، وإنما نتيجة سياسة تعمل على جعل حياة الفلسطينيين، ولا سيما سكان التجمعات الرعوية والزراعية، بائسة ومريرة، بهدف دفعهم إلى مغادرة أماكن سكنهم والاستيلاء على أراضيهم. وتنفذ هذه السياسة عبر مسارين متوازيين: الأوامر العسكرية والإجراءات القانونية والمؤسسات الرسمية من جهة، وعنف المستوطنين من جهة أخرى، في كثير من الحالات بحماية الجيش والشرطة أو في ظل تقاعسهم عن منع الاعتداءات ومحاسبة مرتكبيها.

وقد أدى ذلك إلى تهجير تجمعات فلسطينية قسراً، بينما تعيش تجمعات أخرى تحت تهديد دائم من عنف المستوطنين والجيش. وفي شمال الضفة الغربية وحده، أصبح نحو 40 ألف فلسطيني نازحين بعد تدمير مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، في سياسة تستهدف اقتلاع اللاجئين الفلسطينيين من مخيماتهم وبيئتهم السكانية.

وفي الوقت نفسه، تتواصل عمليات الاستيلاء على الأراضي وبناء المستوطنات وتوسيعها. وقد ازدادت هذه السياسة حدة في ظل حكومة اليمين المتطرف الحالية، التي تضم وزراء وقادة سياسيين يتبنون صراحة مشاريع الضم وتعزيز الاستيطان وفرض واقع جديد في الضفة الغربية. وتتوافق هذه السياسات، بدرجات مختلفة، مع ما طرحه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تحت عنوان «خطة الحسم»، والتي تقوم على إخضاع الفلسطينيين ودفعهم إلى الاستسلام للمشروع الإسرائيلي أو مغادرة البلاد، إلى جانب سياسات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير تجاه الفلسطينيين والأسرى.

وهناك شبه إجماع إسرائيلي على استمرار هذه السياسات، من الحكومة الحالية إلى حكومات سابقة، ولا يبدو أن هناك تأثيراً سياسياً حقيقياً قادراً على إعاقة الخطط المتسارعة لضم الضفة الغربية وفرض الفوقية والسيادة اليهودية عليها. وتستمر دولة الاحتلال في تهجير الفلسطينيين وطردهم من أراضيهم، واستكمال نهب الأراضي وبناء المزيد من المستوطنات، ليس في الضفة الغربية فقط، بل أيضاً في النقب والجليل ضمن سياسات تهدف إلى تهويدهما، بدعم وتسهيل من الائتلاف اليميني المتطرف.

لكن المشكلة لا تتوقف عند الحكومة الحالية. فحتى المعارضة الإسرائيلية لا تضع إنهاء الاحتلال أو تفكيك المستوطنات في مقدمة أجندتها. وهذا يكشف حدود الخلاف الداخلي الإسرائيلي: قد يكون الصراع حادًا حول شكل النظام السياسي وصلاحيات المحكمة العليا، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى خلاف حول جوهر السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومن هنا يمكن فهم استمرار الاستيطان باعتباره أحد المجالات التي تتجاوز الحدود الحزبية الإسرائيلية. وتتركز هذه السياسة بصورة خاصة في المنطقة «ج»، التي تشكل نحو 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية، ويعيش فيها مئات آلاف الفلسطينيين، بينهم تجمعات بدوية ورعوية وزراعية تعتمد في معيشتها على الأرض وتربية المواشي. ومن خلال التصنيفات والإجراءات القانونية والعسكرية، تُفرض قيود واسعة على البناء والتوسع الفلسطيني، بينما تتوسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية وتحصل على أشكال مختلفة من الحماية والتسهيلات.

وبذلك لا يحتاج التهجير دائماً إلى قرار مباشر بإخلاء السكان، إذ يكفي خلق بيئة تجعل الحياة مستحيلة: منع البناء، مصادرة الأراضي، إغلاق الطرق، تقييد الوصول إلى المياه والمراعي، والاعتداءات المتكررة من المستوطنين، مع غياب الحماية والمحاسبة. فالترحيل القسري قد يتم تدريجياً، عبر تحويل حياة السكان إلى واقع لا يمكن احتماله ودفعهم إلى مغادرة أماكن سكنهم. ومن منظور القانون الدولي، فإن نقل سكان الأراضي المحتلة قسرًا أو دون مبررات قانونية محددة يمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، فيما لم تنجح آليات المحاسبة الدولية والإسرائيلية حتى الآن في وقف هذه السياسة.

وتبرز هنا مفارقة أساسية: فبينما تنشغل المعارضة الإسرائيلية بالقلق على مكانة المحكمة العليا والتغييرات التي أحدثتها حكومة اليمين في المؤسستين القضائية والأمنية، يبقى الاحتلال والاستيطان والحقوق الفلسطينية خارج حدود الإجماع الإسرائيلي تقريبًا.

إذا كان الجيش قادرًا على فرض الإغلاق واستدعاء قوات كبيرة عندما يريد، وقادرًا على الوصول إلى المنازل الفلسطينية المحاصرة، فإن استمرار المستوطنين في المكان رغم وجود هذه القوات يطرح احتمالًا أخطر من مجرد «العجز».

إن وجود تسامح مؤسسي مع عنف المستوطنين، باعتباره أداة تساعد في تغيير الواقع على الأرض، يجعل الحدود بين «عنف المستوطنين» و«سياسة الدولة» متداخلة. وعندما يصبح المستوطن قادرًا على اقتحام أرض فلسطينية، أو منع صاحبها من الوصول إليها، أو محاصرة منزله، ثم لا يواجه عقابًا حقيقيًا، فإن العنف يتحول من سلوك فردي إلى أداة من أدوات تغيير الواقع.

لهذا، فإن عبارة "هذه حكومة مستوطنين، وهذه دولة المستوطنين" ليست مجرد توصيف سياسي غاضب، بل تعبير عن واقع تتداخل فيه الحكومة والجيش والشرطة والاستيطان، وتعمل فيه أدوات مختلفة لتحقيق نتيجة واحدة: توسيع السيطرة على الأرض وتقليص مساحة الوجود الفلسطيني، بما يدفع تدريجياً نحو الترحيل القسري وتكريس المستوطنات باعتبارها أمراً واقعاً غير قابل للتراجع.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط