كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التشهير الرقمي في فلسطين... معركة الحقيقة في مواجهة الاغتيال المعنوي

لم تعد الكلمة في العصر الرقمي مجرد وسيلة للتعبير أو نقل المعرفة، بل أصبحت، في كثير من الأحيان، أداة قادرة على صناعة الوعي أو تدميره، وعلى حماية السمعة أو اغتيالها. ومع الانفجار الهائل في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد التشهير مجرد تجاوز أخلاقي أو مخالفة قانونية، بل تحول إلى ظاهرة مجتمعية عابرة للحدود، تهدد الثقة العامة، وتستهدف الأفراد والمؤسسات، وتضع الإعلام أمام اختبار غير مسبوق لمسؤوليته المهنية والأخلاقية.

وتكتسب هذه الظاهرة في فلسطين أبعادًا أكثر تعقيدًا، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وحرب الإبادة التي تستهدف قطاع غزة، وما يرافقها من استقطاب سياسي واجتماعي وحروب إعلامية متواصلة. ففي مثل هذا الواقع، تصبح الكلمة جزءًا من معركة الوعي، ويغدو نشر المعلومات مسؤولية وطنية قبل أن يكون ممارسة إعلامية، بينما يتحول التشهير إلى وسيلة لتقويض الثقة، وتشويه السمعة، وإضعاف الجبهة الداخلية.

لقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي لكل فرد أن يكون ناشرًا للمعلومات، وهو تطور عزز حرية التعبير ووسع مساحة المشاركة المجتمعية، لكنه في الوقت ذاته ألغى الكثير من الحواجز المهنية التي كانت تضبط عملية النشر. وأصبح من السهل توجيه الاتهامات، واجتزاء التصريحات، وتداول الصور خارج سياقها، وإطلاق حملات منظمة تستهدف أشخاصًا أو مؤسسات دون دليل أو تحقق أو احترام لحق الرد، لتتحول منصات التواصل إلى ساحات لمحاكمات جماهيرية تُصدر أحكامها قبل أن تظهر الحقائق أو يقول القضاء كلمته.

ولم يعد الأمر مقتصرًا على الشائعات أو المعلومات المضللة، بل دخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي على خط المواجهة، لتضيف تحديًا جديدًا أكثر خطورة. فبواسطة تقنيات التزييف العميق (Deepfake) أصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية تبدو حقيقية إلى حد بعيد، بينما هي في الواقع مواد مزيفة صُممت للإساءة أو التضليل أو تشويه السمعة. ومع الانتشار السريع لهذا المحتوى، يصبح تكذيب الرواية المزيفة أكثر صعوبة من إنتاجها، ويتحول الكذب إلى مادة واسعة الانتشار، بينما تلهث الحقيقة خلفه في محاولة لاستعادة مكانتها.

وفي الحالة الفلسطينية، لا تقتصر مخاطر هذه الظاهرة على الأفراد، بل تمتد إلى الصحفيين والنشطاء والمؤسسات الإعلامية، الذين يواجهون، إلى جانب انتهاكات الاحتلال من قتل واعتقال واستهداف مباشر، حملات رقمية تستهدف مهنيتهم ووطنيتهم ومصداقيتهم، في محاولة لإسكات الأصوات الحرة أو التشكيك في الرواية الفلسطينية. وفي كثير من الأحيان، تتجاوز هذه الحملات حدود النقد المشروع لتتحول إلى إساءة شخصية، وتحريض، وانتهاك للخصوصية، ونشر معلومات غير موثقة، بما يترك آثارًا نفسية ومهنية واجتماعية قد تستمر لسنوات.

ولا خلاف على أن النقد حق أصيل، بل هو ركيزة من ركائز الإعلام الحر، غير أن النقد المهني يختلف جذريًا عن التشهير. فالأول يستند إلى الوقائع والأدلة ويهدف إلى التصويب والإصلاح، بينما يقوم الثاني على الاتهام والإساءة والتجريح بهدف الإقصاء أو التشويه أو الانتقام. ومن هنا، فإن الدفاع عن حرية التعبير لا يمكن أن يكون مبررًا لانتهاك كرامة الإنسان أو اغتيال سمعته.

وفي مواجهة هذا الواقع، تستعيد أخلاقيات مهنة الإعلام مكانتها بوصفها خط الدفاع الأول عن الحقيقة. فالصحافة ليست سباقًا نحو تحقيق أعلى نسب للمشاهدة أو التفاعل، وإنما رسالة تقوم على الدقة، والتحقق، والإنصاف، واحترام الخصوصية، وإتاحة حق الرد، والفصل الواضح بين الخبر والرأي، والامتناع عن نشر كل ما يحرض على الكراهية أو التشهير أو التضليل. فكلما التزم الإعلام بهذه المبادئ، ازدادت ثقة الجمهور به، وتعزز دوره في حماية المجتمع من الفوضى المعلوماتية.

وفي هذا الإطار، يبرز الدور الوطني والمهني لنقابة الصحفيين الفلسطينيين، التي لا تقتصر مسؤوليتها على الدفاع عن الصحفيين في مواجهة انتهاكات الاحتلال وحماية حقوقهم، بل تمتد إلى ترسيخ ثقافة الالتزام بميثاق الشرف الصحفي، ونشر الوعي بأخلاقيات المهنة، ومواكبة التحديات التي فرضها العصر الرقمي. فالمطلوب اليوم ليس فقط حماية الصحفي من الاستهداف، وإنما أيضًا تمكينه من الأدوات المهنية والتقنية التي تساعده على التحقق من المحتوى الرقمي، وكشف المواد المزيفة التي تنتجها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز قدرته على التصدي لحملات التضليل المنظمة.

كما تقع على عاتق النقابة، بالتعاون مع الجامعات والمؤسسات الإعلامية ومراكز التدريب، مسؤولية تطوير برامج متخصصة في التربية الإعلامية والرقمية، وإعداد أدلة مهنية حديثة للتعامل مع المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، وتحديث مدونة السلوك الصحفي بما يواكب التحولات التقنية المتسارعة، ويحافظ في الوقت ذاته على الثوابت المهنية التي تقوم عليها الصحافة.

ولا تقل مسؤولية المؤسسات الإعلامية أهمية عن ذلك، فهي مطالبة بعدم الانجرار وراء منطق الإثارة أو اقتصاد النقرات، والاستثمار في وحدات متخصصة للتحقق من المعلومات، وتدريب الصحفيين على استخدام أدوات كشف المحتوى المزيف، لأن المصداقية ستبقى رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية، ولن تعوضها ملايين المشاهدات إذا فقدت ثقة جمهورها.

أما الجمهور، فلم يعد مجرد متلقٍ للمحتوى، بل أصبح شريكًا في إنتاجه وتداوله. ولذلك، فإن إعادة نشر معلومة غير موثقة، أو مشاركة محتوى يتضمن إساءة أو تشهيرًا، تعني المشاركة في صناعة الضرر. ومن هنا، فإن نشر ثقافة التحقق، وتعزيز التفكير النقدي، واحترام الخصوصية، بات ضرورة وطنية ومجتمعية لا تقل أهمية عن تطوير التشريعات أو تحديث مواثيق الشرف الإعلامية.

إن المجتمع الفلسطيني، الذي يخوض معركة يومية دفاعًا عن وجوده وروايته الوطنية، أحوج ما يكون إلى إعلام يحمي الحقيقة ولا يساوم عليها، ويوحد المجتمع ولا يزرع الانقسام، ويجعل من الكلمة جسرًا للوعي لا أداة للاغتيال المعنوي. فالحقيقة ليست الضحية الوحيدة للتشهير؛ بل إن الثقة المجتمعية، وسمعة المؤسسات، ومستقبل المهنة الصحفية، جميعها تدفع ثمن الفوضى الرقمية إذا تُركت بلا ضوابط.

إن مواجهة الاغتيال المعنوي في الفضاء الرقمي لم تعد مسؤولية الصحفيين وحدهم، بل أصبحت مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة، تبدأ بالالتزام الصارم بأخلاقيات المهنة، وتعزيز دور نقابة الصحفيين الفلسطينيين في التوعية والتدريب والمساءلة المهنية، وتمر بالمؤسسات الإعلامية والتعليمية، ولا تنتهي عند كل مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي. ففي زمن الذكاء الاصطناعي، تبقى الحقيقة هي القيمة الأكثر استحقاقًا للدفاع، وتبقى الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حقًا، وأمانة قبل أن تكون وسيلة للنشر.

×
أخبار
نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط