كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التطبيع الإماراتي مع النظام السوري: خلفياته وأهدافه

التطبيع الإماراتي مع النظام السوري: خلفياته وأهدافه

تاريخ النشر: 2021-11-16 | 11:43

وحدة الدراسات السياسية: قام وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، يوم 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، بزيارة إلى دمشق هي الأولى منذ عشر سنوات، التقى خلالها رئيس النظام السوري بشار الأسد، ووجه إليه دعوة لزيارة الجناح السوري في معرض "إكسبو دبي 2020". وتأتي هذه الزيارة في سياق سلسلة خطوات بدأتها الإمارات العربية المتحدة عام 2018؛ بهدف إعادة تأهيل النظام السوري وتطبيع العلاقات معه، في إطار جهود تُشارِك فيها أيضًا، لأسباب مختلفة، كل من الأردن والجزائر ودول عربية أخرى.

تطور الموقف الإماراتي من الثورة السورية

رأت الإمارات، مع انطلاق الثورة السورية مطلع عام 2011، مثل دول خليجية أخرى، في حراك الشعب السوري فرصةً لاحتواء النفوذ الإيراني وتطويقه في المنطقة؛ فانضمت إلى جهود عزل النظام السوري داخل جامعة الدول العربية، وأدّت دورًا مهمًا في دعم المعارضة السورية، وخصوصًا في إطار مجموعة أصدقاء الشعب السوري، التي جرى تشكيلها مطلع عام 2012 لحل الأزمة السورية خارج إطار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتجنّب الموقفين الروسي والصيني المؤيدين للنظام. لكنّ الموقف الإماراتي لم يستمر طويلًا؛ إذ بدأت أبوظبي - التي تحولت إلى خصم إقليمي بارز ومعلَن لثورات الشعوب العربية بدايةً من عام 2013 - تتخذ موقفًا غامضًا من الثورة السورية، وصارت تقدم مساعدات للنظام السوري في إطار تحول نظرتها إلى الصراع في سورية، من كونه فرصةً لاحتواء إيران إلى كونه جزءًا من الحرب على الإرهاب. ففي عام 2014، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عن إدراج شركة النفط الإماراتية "بانغيتس العالمية" Pangates International Corporation Limited ضمن القائمة السوداء للكيانات الخاضعة للعقوبات. وذلك نتيجة خرقها العقوبات المفروضة على النظام السوري، وقيامها بتزويد سلاح الجو التابع له بوقود الطائرات. وكانت أبوظبي تحولت قبل ذلك إلى ملجأ لرؤوس الأموال والأصول المالية التابعة للنظام السوري والشخصيات المقربة منه، الهاربة من العقوبات الغربية، وذلك على الرغم من انقطاع العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين البلدين منذ مطلع عام 2012.

وكانت الإمارات أول دولة عربية تشارك في قصف مواقع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" في سورية، مع انطلاق الحملة الجوية لقوات التحالف الدولي الذي أنشأته واشنطن في أيلول/ سبتمبر 2014. ولم يكن في ذلك مشكلة، فقد مثّل التنظيم خطرًا على الثورة السورية والشعبين السوري والعراقي، ولكن الفرق أن أبوظبي كانت تنسق في ذلك مع النظام السوري. وبحسب تقارير غربية كان يجري إطفاء بطاريات صواريخ أرض-جو السورية، وقت تحليق الطائرات الإماراتية في سماء سورية لاستهداف التنظيم، في أوضح مؤشر دالّ على قوة التنسيق بين الطرفين. وبعكس مواقف دول الخليج الأخرى، امتنعت أبوظبي عن انتقاد التدخل العسكري الروسي في سورية في عام 2015. وبعد شهرين، تحول الموقف الإماراتي من الصمت إلى الترحيب بالتدخل الروسي؛ إذ صرح وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، أن روسيا تستهدف في سورية عدوًا مشتركًا بينها وبين الإمارات. وفي عام 2016، أعلنت الإمارات أنها تشارك روسيا رؤيتها للحل في سورية؛ ما يعني ضمنًا أنها لا تعارض استمرار نظام الأسد.

وكانت الإمارات أول دولة عربية تعيد فتح سفارتها في دمشق، في كانون الأول/ ديسمبر 2018. وفي مطلع عام 2020، جرى أول اتصال هاتفي علني بين ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، ورئيس النظام السوري، منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2012. وعلى الأثر، بدأت أبوظبي بإرسال مساعدات طبية إلى النظام السوري لمواجهة تفشي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). وقامت أيضًا بتمويل عملية إعادة بناء بعض المباني العامة، ومحطات الطاقة الحرارية، وشبكات المياه في دمشق. ونشرت وسائل إعلام غربية تفاصيل حصول تعاون بين الإمارات ونظام الأسد لمواجهة تركيا في كل من سورية وليبيا، بما في ذلك دعم أبوظبي محاولات النظام السوري إشغال تركيا في إدلب أواخر عام 2019 ومطلع عام 2020؛ بما يمكّن اللواء المتقاعد خليفة حفتر من الإجهاز على طرابلس. ويربط كثيرون قرار معسكر شرق ليبيا بإعادة فتح السفارة الليبية، في دمشق في آذار/ مارس 2020، بجهود الإمارات لتعويم النظام في دمشق ورفع مستوى التعاون بين الأسد وحفتر. وفي 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، بلغ التطبيع بين الجانبين ذروته، حينما أجرى رئيس النظام السوري اتصالًا هاتفيًا مع الشيخ محمد بن زايد، جرى خلاله الاتفاق على إيفاد وزير الخارجية، عبد الله بن زايد، إلى دمشق. وقد سبق ذلك قيام وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية في حكومة النظام السوري، محمد سامر خليل، بزيارة إلى دبي تلبية لدعوة للمشاركة في "إكسبو دبي 2020".

أسباب اندفاع الإمارات إلى التطبيع مع النظام السوري

يمثل التطبيع الإماراتي مع النظام السوري جزءًا من استراتيجية علنية اتضحت ملامحها منذ سنوات، وتشمل إضافة إلى إعادة تأهيل النظام السوري، تسهيل وصول نظم عسكرية إلى السلطة في العالم العربي، وإدماج إسرائيل في النظام الإقليمي العربي بعد أن قامت أبوظبي بتوقيع اتفاقية سلام وتطبيع العلاقات معها بداية من أيلول/ سبتمبر 2020. ويمكن تحديد جملة أسباب تقف وراء تسريع خطوات التطبيع مع النظام السوري والعمل على إعادة تأهيله عربيًا وإقليميًا، أهمها أن أبوظبي تسعى لطي صفحة الربيع العربي، ولا شك في أن إعادة تعويم حتى أكثر النظم العربية إجرامًا ووحشية من شأنه أن يغلق الدائرة ويطوي معها هذه الصفحة من تاريخ الشعوب العربية من منظور هذه الاستراتيجية. وتضع هذه الاستراتيجية الإمارات في موقع أقرب إلى الموقفين الروسي والصيني (وكذلك الإسرائيلي الأقرب إلى روسيا والإمارات في الموقف من الانتقال الديمقراطي عربيًا) منها إلى الموقف الأميركي، والغربي عمومًا. وفي وقت تروّج أبوظبي بأن هدفها من إعادة العلاقات مع النظام السوري هو تعزيز الحضور العربي في سورية في مواجهة نفوذ إيران، يبدو عسيرًا على الفهم إمكانية تحقق ذلك من خلال دعم الأسد، حليف إيران. فتاريخيًا لم يؤد دعم دول الخليج لنظام الأسد من السبعينيات حتى عام 2005 إلى إبعاد سورية عن إيران، بل وازاه تعزيز مثابر للتحالف بين دمشق وطهران. وتنظر أبوظبي باهتمام أيضًا إلى أي فرص اقتصادية تتصل بإعادة الإعمار في سورية أو بخريطة الطاقة وخطوط نقلها في المنطقة.

ويبدو أن الإمارات تستغل ضعف الموقف الأميركي في موضوع التطبيع مع النظام السوري، للاندفاع أكثر في هذا الاتجاه؛ إذ يأتي الانفتاح المتزايد لأبوظبي على النظام في دمشق بعد موافقة واشنطن على تزويد لبنان بالغاز والكهرباء من مصر (وإسرائيل) والأردن عبر الأراضي السورية، ومن خلال دعم تمويل البنك الدولي للاتفاق الرباعي المصري – الأردني – السوري - اللبناني بهذا الشأن، بما في ذلك إصلاح خطوط نقل الغاز والكهرباء في الأراضي السورية. يضاف إلى ذلك أن واشنطن لا تبدي موقفًا حازمًا في معارضة خطوات التطبيع التي تتخذها دول عربية مع النظام السوري؛ إذ اقتصرت المواقف الأميركية خلال الفترة الأخيرة على توضيح أن الولايات المتحدة "لا تدعم جهود التطبيع مع نظام الأسد". كما كان موقف وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، باهتًا بهذا الخصوص؛ إذ قال خلال مؤتمر صحافي بعد لقائه نظيرَيه الإسرائيلي والإماراتي، في تشرين الأول/ أكتوبر 2021: "ما لم نفعله ولا ننوي فعله هو التعبير عن أي دعم للجهود الرامية إلى تطبيع العلاقات" مع نظام الأسد.

توجه عربي إلى التطبيع مع النظام

يُعدّ التوجه الإماراتي إلى التطبيع مع النظام السوري جزءًا من توجه إلى إعادة النظام السوري إلى المنظومة الرسمية العربية، تقوده إلى جانب الإمارات كل من الأردن والجزائر، التي تفعل ذلك لأسباب مختلفة؛ إذ لا تتفق الجزائر مع الإمارات في مسألة التطبيع مع إسرائيل. وقد جاءت ردود فعل البلدين تجاه الخطوة الإماراتية منسجمة مع هذا التوجه. فقد بارك وزير خارجية الجزائر، رمطان لعمامرة، زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق، مؤكدًا أنه "يأمل في أن تسهم في تذليل العقبات بين سورية ودول عربية أخرى"، وجدد دعوة بلاده لعودة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية. أما وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، فقد برر التقارب العربي مع نظام الأسد بأنه يأتي نتيجة غياب أي "استراتيجية فعالة لحل الصراع السوري". وفي حين تبدي مصر والمملكة العربية السعودية بعض التحفظات على هذا التوجه، على الرغم من حصول لقاءات سياسية وأمنية بين مسؤولين في النظام السوري وكل من رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، ووزير الخارجية المصري، سامح شكري، ومع رئيس المخابرات السعودية، خالد الحميدان، كذلك، فإنه باستثناء قطر، لا توجد معارضة فعلية عربية للتطبيع مع النظام السوري. ومن المعلوم أن كل أسباب عزل النظام السوري عربيًا لا تزال قائمة، وكل شروط عودته إلى جامعة الدول العربية غير محققة، بما فيها استمرار النظام في سياساته القمعية ورفض أي مقاربة سياسية للحل. وكانت الجامعة قد اتخذت، في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، قرارًا بتعليق عضوية النظام السوري فيها، وطالبت بسحب السفراء العرب من دمشق مع إبقاء الطلب "قرارًا سياديًا لكل دولة". وصدر هذا القرار بموافقة 18 دولة، واعتراض 3 دول هي سورية ولبنان واليمن، وامتناع العراق عن التصويت.

خاتمة

على الرغم من وجود توجه عربي إلى التطبيع مع النظام السوري وإعادة تأهيله، فإن الإمارات تُعدّ حتى الآن الأكثر حماسة في هذا الاتجاه، مع أنها الأقل تضررًا بالأزمة السورية. والحقيقة أن بعض الدول العربية قاطعت نظام الأسد، ليس لما يقترفه من جرائم ضد شعبه، بل لعلاقاته مع إيران، مستغلةً ارتكابه هذه الجرائم، إلا أنها عادت وأبدت استعدادًا للتطبيع معه، على الرغم من استمرار تحالفه من طهران وتعزيزه. وفي حين تتمحور أسباب الأردن، مثلًا، في التطبيع مع النظام السوري، حول مصالحه الاقتصادية والأمنية ومحاولته إيجاد حل لوجود نحو مليون لاجئ سوري على أراضيه، فإن دوافع أبوظبي تكاد تكون مرتبطة كليًا بموقف "أيديولوجي"، تعبر عنه بمناهضة أي تغيير ديمقراطي، وتمسك باستقرار الأنظمة السلطوية في الجمهوريات العربية، في مقابل تحالف يتطور بسرعة مع إسرائيل بما في ذلك عسكريًا وأمنيًا، كما دلت عليه المناورات المشتركة الأخيرة التي جرت في البحر الأحمر.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط