كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التطبيع مع إسرائيل مقابل وقف الحرب على إيران ... صفقة أمريكية معلنة أم ابتزاز سياسي مكشوف ؟

التطبيع مع إسرائيل مقابل وقف الحرب على إيران ... صفقة أمريكية معلنة أم ابتزاز سياسي مكشوف ؟

تاريخ النشر: 2026-06-05 | 11:43

لم يكن حديث الرئيس الامريكي دونالد ترامب عن ربط وقف الحرب مع إيران بمسار التطبيع مع إسرائيل لم يكن مجرد تصريح سياسي عابر بل بدا وكأنه إعلان واضح عن طبيعة المشروع الأمريكي الإسرائيلي الجديد في الشرق الأوسط وان واشنطن التي دخلت المواجهة مع طهران بمطالب اسرائيلية في مقدمتها إسقاط النظام والنفوذ الإيراني وإعادة رسم خارطة المنطقة بالقوة اكتشفت بعد شهور من التصعيد أن الحرب لم تحقق أهدافها الكبرى لا عسكريا ولا سياسيا ولذلك بدأ البيت الأبيض يبحث عن مخرج مختلف يحول التعثر العسكري إلى إنجاز سياسي يمكن تسويقه داخليا وخارجيا وهنا عاد ترامب إلى الورقة التي يعتبرها أهم إنجازاته في المنطقة وهي اتفاقيات أبراهام سيئة السمعة والذكر

اللافت في الامر أن ترامب لم يطرح التطبيع هذه المرة باعتباره خيارا سياديا للدول العربية أو نتيجة لمسار سلام متوازن بل قدمه بصورة أقرب إلى المقايضة السياسية المباشرة من حيث وقف الحرب مع ايران مقابل التطبيع مع اسرائيل وكأن أمن المنطقة واستقرارها وتحقيق التهدئة بات مشروطا بفتح أبواب الاعتراف الكامل بإسرائيل دون أن تقدم الأخيرة أي تنازل حقيقي للفلسطينيين أو توقف سياساتها التوسعية والاستيطانية أو حتى تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره و إقامة دولته المستقلة

مجمل المعادلة المتناقضة تكشف بوضوح أن الحرب على إيران لم تكن منفصلة عن مشروع إعادة تشكيل المنطقة سياسيا ومنذ سنوات تعمل واشنطن وتل أبيب على بناء تحالف إقليمي جديد تكون إسرائيل فيه القوة المركزية سياسيا وأمنيا واقتصاديا بينما يتم دفع الدول العربية والإسلامية إلى الانخراط داخل هذا المشروع تحت عناوين مواجهة إيران أو حماية الاستقرار أو ضمان المصالح الاقتصادية ولهذا فإن الربط الذي أعلنه ترامب بين إنهاء الحرب وتوسيع اتفاقيات أبراهام يعكس قناعة أمريكية إسرائيلية بأن الضغوط العسكرية والاقتصادية يمكن أن تتحول إلى أداة قوية لإجبار المنطقة على القبول بالوقائع الجديدة

الحرب نفسها كشفت حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية معا وإيران رغم الضربات بقيت قادرة على تهديد الملاحة الدولية وفرض معادلات ردع معقدة كما أن دول الخليج اكتشفت أن أي مواجهة واسعة مع طهران ستضع اقتصادها ومنشآتها النفطية ومدنها الكبرى تحت خطر مباشر ولهذا بدأت عواصم الخليج تنظر إلى التهدئة باعتبارها ضرورة استراتيجية تتعلق ببقائها واستقرارها وليس مجرد خيار سياسي مؤقت مضطرة للقبول به

ترامب حاول استثمار هذا القلق الخليجي بأقصى درجة ممكنة وهو يدرك أن دول المنطقة تريد إنهاء الحرب وتجنب الانفجار الإقليمي ولذلك قام بتحويل حاجتها إلى الأمن والاستقرار إلى ورقة ضغط سياسية تدفعها نحو التطبيع مع إسرائيل دون شروط حقيقية ولهذا جاءت تصريحاته الأخيرة وكأنها رسالة واضحة مفادها أن الطريق إلى وقف الحرب يمر عبر بوابة تل أبيب حصرا

في العمق تبدو حسابات ترامب مرتبطة أيضا بأزمته السياسية الداخلية خاصة وان الرجل الذي وعد الأمريكيين بحسم سريع وإخضاع إيران وجد نفسه أمام حرب طويلة ومكلفة لم تنتج نصرا واضحا ولذلك أصبح بحاجة إلى إنجاز سياسي كبير يعوض تعثر الخيار العسكري ويعيد تقديمه أمام جمهوره باعتباره صانع سلام ومهندس شرق أوسط جديد ولهذا يسابق الزمن قبل نهاية ولايته لتحقيق أكبر قدر ممكن من الاختراقات التطبيعية حتى يكتب اسمه باعتباره الرئيس الذي دمج إسرائيل بالكامل داخل المنطقة العربية والإسلامية

فوق كل ذلك لا زال ترامب  يواجه ضغوطا قوية من التيار الجمهوري المتشدد ومن اللوبيات الداعمة لإسرائيل التي تخشى أن يبدو أي اتفاق مع إيران وكأنه تراجع أمريكي أو اعتراف بفشل سياسة الضغط القصوى ولذلك يحاول تغليف أي تهدئة مع طهران بإطار سياسي أوسع يقوم على توسيع التحالفات مع إسرائيل حتى لا يظهر وكأنه خرج من الحرب بلا مكاسب استراتيجية

العقبة الكبرى أمام هذا المشروع تكمن في التحولات العميقة التي شهدها الرأي العام العربي والإسلامي بعد حرب غزة وما رافقها من مشاهد الدمار والقتل والتجويع والشارع العربي لم يعد ينظر إلى إسرائيل باعتبارها شريكا طبيعيا بل بات يراها مصدر تهديد دائم وعدم استقرار ولهذا فإن أي محاولة لفرض التطبيع بالقوة السياسية أو الاقتصادية ستصطدم بحالة رفض شعبي واسعة قد تضع الحكومات العربية نفسها أمام أزمات داخلية معقدة

السعودية التي تمثل الجائزة الكبرى في مشروع التطبيع الأمريكي المأمول تبدو حتى الآن أكثر حذرا من الانجرار الكامل خلف الضغوط الأمريكية والرياض تدرك أن مكانتها الإسلامية والسياسية تجعل أي تطبيع مجاني مع إسرائيل مكلفا للغاية ولذلك ما زالت تربط أي اتفاق بوجود مسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة وهو شرط يبدو بعيدا جدا في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية

أما قطر فترى أن الحفاظ على دورها كوسيط إقليمي يتطلب بقاء مسافة سياسية بينها وبين إسرائيل بينما تبدو باكستان أكثر وضوحا في رفضها لأي انضمام إلى اتفاقيات أبراهام بسبب طبيعة المزاج الشعبي والديني داخلها وحتى تركيا رغم علاقاتها القديمة مع إسرائيل تجد نفسها أمام معادلة صعبة تجعل العودة إلى التطبيع الكامل أمرا بالغ التعقيد  خصوصا بعد الحرب على غزة

مشروع ترامب يواجه اليوم بيئة إقليمية مختلفة تماما عن تلك التي ولدت فيها اتفاقيات أبراهام عام 2020 ففي تلك المرحلة كانت واشنطن تبدو القوة المهيمنة بلا منازع بينما كانت المنطقة تعيش حالة إنهاك وانقسام أما اليوم فإن الحرب مع إيران كشفت حدود القوة الأمريكية وأظهرت أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة من التوازنات المعقدة التي لم تعد تسمح بفرض المشاريع الكبرى بسهولة

السيناريو الأول المحتمل في هذا الاطار يتمثل في نجاح واشنطن بتحقيق اختراقات محدودة مع بعض الدول عبر مزيج من الضغوط والإغراءات الاقتصادية والأمنية لكن هذا النجاح إن تحقق سيبقى هشا بسبب غياب القبول الشعبي الحقيقي

أما السيناريو الثاني فهو استمرار المراوحة السياسية بحيث تبقى الاتصالات والمفاوضات قائمة دون الوصول إلى اتفاقات كبرى خصوصا إذا استمرت إسرائيل في رفض أي تسوية حقيقية للقضية الفلسطينية وهذا السيناريو يبدو الأقرب في المدى المنظور

يبقى السيناريو الأخطر مرتبطا بإمكانية عودة التصعيد العسكري إذا فشلت المفاوضات مع إيران أو إذا حاولت واشنطن وتل أبيب فرض ترتيبات جديدة بالقوة وعندها قد تدخل المنطقة في دورة جديدة من الحروب والفوضى قد تكون أشد خطورة واتساعا مما كل ما سبق

على جانب اخر اكد مسؤولون أمريكيون وعرب حاليون وسابقون أن إدخال ترامب ملف اتفاقيات أبراهام في صلب المحادثات مع إيران يعكس محاولة أمريكية مكشوفة لصرف الأنظار عن فشل الحرب في تحقيق أهدافها الأساسية وفي مقدمتها كسر إيران أو تدمير قدراتها العسكرية وأن ما يفعله ترامب يبدو وكانه حيلة نموذجية تهدف إلى تسويق أي اتفاق مع إيران باعتباره إنجازاً استراتيجياً عبر جرّ دول عربية جديدة إلى التحالف الإسرائيلي الأمريكي وفق انطباع خاطئ بأن الدول الخليجية التي زجّ بها في الحرب باتت مطالبة برد الجميل عبر التطبيع مع الاحتلال الإسرائيل

الاعجب ان ترامب بات يتصرف باعتباره بابا حروب الإبادة ورسول الحلف الإبراهامي وأسقف العقوبات حيث لم يعد يطرح التطبيع باعتباره خياراً سياسياً أو تفاوضياً بل أمر إلزامي تفرضه واشنطن بالقوة العسكرية والعقوبات والابتزاز الأمني وأن المنطقة انتقلت من مرحلة الدعوة إلى التطبيع إلى مرحلة الأمر بالتطبيع والنهي عن المقاومة ليس بالكلام فقط بل عبر العصا والهراوة والردع العسكري والاقتصاد وأنه على جميع دول المنطقة التوقيع على اتفاقيات أبراهام قبل أن يزيد ترامب وقاحة بقوله إن السعودية وقطر يجب أن توقّعا وإلا فلن تكونا جزءاً من الاتفاق مع إيران ( سلام لإسرائيل لا سلام للمنطقة )

 

الخلاصة : يبدو أن ترامب لا يتحرك فقط بدافع صناعة السلام كما يحاول أن يظهر بل بدافع إعادة إنتاج النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة عبر بوابة التطبيع غير أن المشكلة الكبرى التي تواجه هذا المشروع أن الشرق الأوسط بعد حرب إيران وغزة لم يعد يشبه الشرق الأوسط الذي عرفته واشنطن قبل سنوات سيما وان التوازنات قد تغيرت وصورة إسرائيل تضررت والشكوك تجاه الولايات المتحدة تعمقت كما أن الشعوب العربية والإسلامية باتت أكثر حساسية تجاه أي محاولة لتجاوز القضية الفلسطينية أو فرض وقائع جديدة بالقوة

ما يجب فهمه اخيرا ان تحويل وقف الحرب مع إيران إلى ثمن سياسي يدفع لإسرائيل قد تبدو في ظاهرها صفقة دبلوماسية كبرى لكنها في العمق تكشف حجم المأزق الأمريكي نفسه بان القوة التي عجزت عن فرض الحسم العسكري الكامل تحاول اليوم تعويض ذلك بفرض ترتيبات سياسية سريعة قبل أن يتغير ميزان القوى أكثر لكن التاريخ أثبت مرارا أن المشاريع التي تبنى على الضغوط والابتزاز وتجاهل حقوق الشعوب قد تحقق مكاسب مؤقتة لكنها نادرا ما تصنع سلاما حقيقيا أو استقرارا دائما

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط