كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التعايش في سوريا: حقيقة يفرضها التاريخ والواقع

التعايش في سوريا: حقيقة يفرضها التاريخ والواقع

تاريخ النشر: 2025-05-03 | 19:38

ليس التعايش في سوريا أمنية حالمة، بل هو حقيقة فرضها التاريخ وكرّستها الجغرافيا واللغة والدين والمصير المشترك. فسوريا ليست بلدًا جديدًا على التعدد، بل هي أرض تلاقت فيها الشعوب السامية منذ قرون، وامتزجت فيها الهويات دون أن تذوب. فغالبية السوريين من أصل سامي، ويتحدثون اللغة العربية التي تنحدر من الجذر اللغوي ذاته مع السريانية، بل إن بعض المفردات والتراكيب لا تزال حاضرة في لهجات الناس اليومية.

وإذا كان الأصل واللغة يجمعاننا، فإن الدين يزيد هذا القرب رسوخًا. فالعرب والأكراد، ورغم ما يُصوَّر من خلاف، يجمعهم الإسلام، والدروز والعلويون ينحدرون من قبائل عربية عريقة، لا يختلفون في الجذر عن سائر أبناء هذه البلاد. لقد عاش السوريون قرونًا دون أن تقسمهم هذه الانتماءات، فما الذي تغير اليوم؟

الغريب أن السوري حين يهاجر إلى مجتمع غربي، يبذل كل ما في وسعه ليحصل على المواطنة، ويحترم قوانين البلد الذي لجأ إليه، بل يُظهر حرصًا شديدًا على الاندماج. فلماذا، في بلادنا، نرمي بالمواطنة ونستحضر العرق والطائفة؟ هل هناك دستور في العالم يضع مجموعة دينية أو قومية فوق الدولة؟ وهل يمكن لدولة أن تُبنى على مبدأ المحاصصة الطائفية وتستقر؟

إن من المؤسف أن البعض يطالب اليوم بإعادة إنتاج النظام الطائفي الذي أسسه حافظ الأسد، أو استيراد فكر عنصري تفكيكي نادى به عبد الله أوجلان. وكأن قدر السوريين أن يتأرجحوا بين طائفية السلطة وانفصالية المعارضة. وهذا وهم. فقد أثبت التاريخ أن السوريين عاشوا متحابين، متعاونين، يتشاركون الهمّ والفرح، ولم تحمِهم طائفة أو حزب، بل حمتهم روابط الانتماء والاحترام المتبادل.

العصر الذي نعيشه يفرض علينا أن نكون عقلاء. لا حماية لنا إلا بدولة مواطنة، يكون فيها الجميع متساوين أمام القانون. لا مجال بعد اليوم لدولة الطوائف أو الأعراق. فالدول الحديثة تُسمّى غالبًا بلغة الأغلبية وثقافتها، دون أن يعني ذلك قمعًا للآخر. فرنسا ليست كلها فرنسيين، وألمانيا ليست كلّها ألمانًا. ولكن الجميع فيها يحترم القانون، ويتحدث لغة الدولة، ويمارس حريته الدينية والثقافية دون خوف أو وصاية.

المفارقة أن المسلمين، الذين أصبحوا أقلية في كثير من دول الغرب، تُحترم عباداتهم هناك، وتُبنى لهم المساجد، وتُقر لهم الحقوق، بينما في بلادهم الأصلية، يُطلب منهم خفض صوتهم، وتُفرض عليهم هوية مائعة باسم "العلمنة". فهل أصبح الإسلام اليوم هدفًا للشيطنة في قلب دياره أكثر مما هو في بلاد المهجر؟

أنا ضد أن يُحدّد دستور الدولة دين أو عرق رئيسها، أو أي منصب فيها. مثل هذه الأمور تُترك لإرادة الشعب، يحددها عبر صناديق الاقتراع. لا يحق لأي مجموعة أن تفرض قوانين فوق دستورية لتحقيق مكاسبها الخاصة، ولا أن تحوّل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات العقائدية.

سوريا اليوم بلد منهك، تتكالب عليه الأطماع من كل حدب وصوب، ولا يجوز أن نتيح الفرصة لأعدائنا عبر صراعات داخلية لا تخدم إلا المصالح الضيقة. الإعلان الدستوري اليوم ليس أكثر من مرحلة انتقالية، أما الدستور الدائم، فيجب أن يكون عقدًا اجتماعيًا ناضجًا، يُصاغ بإرادة الشعب وحده، ليحدد شكل الدولة، اسمها، علمها، نشيدها، ونظام حكمها.

لا يحق لأحد أن يحتكر الحديث باسم الشعب بينما يرفض خياراته. لا يحق لمن يطالب بدولة علمانية أن يسير خلف رجل دين ويمنحه العصمة، ولا لمن يدّعي الديمقراطية أن يفرض تصوراته على الأغلبية. وإذا لم تتحقق رغباته، يطالب بالانفصال في بقعة لا توافقه الرأي أصلاً.

نحن لا نحتاج إلى تمزيق جديد، بل إلى وعي وطني جامع. إلى دولة يسودها القانون، لا الولاء للطائفة. دولة تحتضن الجميع، وتمنح لكل فرد حقه الكامل، لا أن تُبنى على هويات ضيقة تختزل الوطن في لون واحد.

-------

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط