كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التعذيب: ألم مزمن يدوم طويلاً ويتكرر دائماً

التعذيب: ألم مزمن يدوم طويلاً ويتكرر دائماً

تاريخ النشر: 2023-06-26 | 06:08

شاركت، يوم أمس الأحد، في ورشة عمل نظمها برنامج غزة للصحة النفسية، بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة التعذيب ومساندة ضحاياه، واستمعت بإنصات شديد لما قدمه المتداخلون، حول التعذيب والخدمات المقدمة لضحاياه. كان الكلام مهماً وحمل أيضاً أموراً في غاية الأهمية، كما وأضافت لي الأوراق المقدمة الكثير من المعلومات القيمة، لكنّي أحسست بألم شديد، هو ذاك الألم المزمن الذي يتكرر دائماً وتبقى آثاره زمناً طويلاً ولا يزول بفعل الزمن.

لقد مررّت شخصياً على غرف التحقيق ومكثت فيهاً شهوراً، وعشت تجارب مريرة في أروقة الموت، قبل ثلاثين عاماً وما يزيد، وعانيت السجن وتأثيره لسنوات طويلة، واستمعت لشهادات مؤثرة وأليمة روت بشاعة التعذيب، وقرأت تجارب لا يمكن تصورها أو مجرد تخيل حدوثها، تلك التي وثقتها ألسن النساء والفتيات والأطفال والشيوخ والجرحى والمصابين الذين مرّوا على السجون الإسرائيلية التي ما زالت ممتلئة بالآلاف من أمثالهم. وكلما تجددت الذكرى وكتبت شيئاً عن التعذيب، أو استمعت لروايات وشهادات جديدة، وجدتني مضطراً لأن أستحضر تجربتي الشخصية وما تعرضت له من تعذيب؛ تلك التجربة التي تتشابك وتتقاطع مع التجربة الجماعية لأكثر من مليون حالة اعتقال سُجلت منذ العام 1967.

وما من فلسطيني مَرّ بتجربة الاعتقال، إلا وقد تعرض التعذيب، الجسدي أو النفسي والإيذاء المعنوي والمعاملة القاسية. لكن ليس كل من تعرض للتعذيب من الفلسطينيين نجا من الموت ليصف لنا تجربته، كما أنه ليس كل من نجا منهم امتلك جرأة الحديث ليروي لنا ما تعرض له. فيما هناك الكثيرين، مِمَن مرّوا بالتجربة وتعرضوا للتعذيب، امتلكوا الجرأة وتحدثوا عن فظاعة التعذيب الذي مُورس ضدهم خلال فترات سجنهم. كان حديثهم يفيض بالألم والمرارة، بعضهم أجهش بالبكاء وهو يروي حكايته.

قد يُخيلُ للبعض أن وصفنا للتعذيب في سجون الاحتلال الإسرائيلي مبالغ فيه، وربما يعود ذلك إلى غياب الصورة واقتصار دلائل الإثبات على الروايات والشهادات التي يُقدمها من مرّوا بتجربة الاعتقال وعانوا السجن وتأثيره، في ظل إصرار دولة الاحتلال على إبقاء أبواب سجونها موصدة في وجه اللجان الدولية ووسائل الإعلام المختلفة ومؤسسات حقوق الإنسان.

 إن التعذيب في سجون الاحتلال الإسرائيلي، لا يهدف  -كما هو معلن - إلى انتزاع اعترافات فقط، بل يهدف أيضاً إلى هدم الذات الفلسطينية والوطنية، وتدمير الإنسان جسداً وروحاً، وتحطيم شخصيته، وتغيير سلوكه ونمط تفكيره وحياته، ومعتقداته السياسية، والتأثير سلباً عليه وعلى المجتمع الفلسطيني بأسره. كما ومن الخطأ الاعتقاد أن ممارسة التعذيب تُقتصر على فترة التحقيق، أو أن التعذيب يُمارس بحق فئة عمرية أو شريحة اجتماعية دون غيرها، إذ أن الحقيقة المرة تُفيد: أن التعذيب يُمارس منذ لحظة الاعتقال الأولى ولغاية الإفراج، وفي كل الأوقات والأمكنة، وبحق كل من يتعرض للاعتقال، ذكورا وإناثاً، صغاراً وكباراً، وفقاً لما جاء في اتفاقية مناهضة التعذيب. كما وأن التعذيب لا يقتصر على المعتقلين فقط، بل يُطال عائلاتهم أيضا.

وقد أودى التعذيب، الجسدي والنفسي، في أقبية التحقيق، بحياة (73) أسيراً فلسطينياً، من مجموع (237) أسيراً استشهدوا منذ العام 1967، ولعل أشهر حوادث التعذيب التي أفضت إلى الموت داخل أقبية التحقيق، هي على سبيل المثال لا الحصر: قاسم أبو عكر، إبراهيم الراعي، مصطفى عكاوي، عطية الزعانين، خالد الشيخ علي، خضر الترزي، عبد الصمد حريزات، وغيرهم. بالإضافة إلى عشرات آخرين توفوا بعد خروجهم من السجن متأثرين بما تعرضوا له من تعذيب خلال فترة اعتقالهم، هذا ويُضاف إليهم إصابة عدد كبير لم يتم إحصاؤهم من الأسرى الذين خرجوا من السجون والمعتقلات بعاهات مستديمة. 

إن تأملاً متمعنا في ممارسات محققي جهاز المخابرات الإسرائيلي (الشاباك)، يجعلك توشك أن تظن بأنهم ليسوا بشراً، لأن هذا الحجم الهائل من القسوة، التي تظهر على وجوههم، وبشاعة تصرفاتهم، حين يتلذذون بتعذيبنا ويستمتعون وهم يرون ضحيتهم يتألم، يجعلك تعتقد ذلك.

وتعد دولة الاحتلال الإسرائيلي حالة فريدة وشاذة، فهي الوحيدة في العالم التي شرّعت التعذيب قانوناً في سجونها ومعتقلاتها، وكانت توصيات لجنة لنداوي عام 1987 هي أول من وضعت الأساس لشرعنته، ومنحت مقترفيه الحصانة الداخلية، وفي مرات عدة تم مكافأة المحققين، مما فتح الباب على مصراعيه لاقتراف مزيد من جرائم التعذيب بحق المعتقلين الفلسطينيين والعرب، فأضحى التعذيب نهجاً أساسياً وممارسةً مؤسسيةً وجزءاً ثابتاً في المعاملة اليومية للمعتقلين في إطار سياسة رسمية.

إن التعذيب يُعتبر انتهاكاً أساسياً وخطيراً لحقوق الإنسان، وجرم فظيع وبشع يرتكب بحق الإنسانية، وأن استمراره  يعتبر بمثابة وصمة قبيحة تدنس ضمير الإنسانية، ووصمة عار على جبين الحضارة العصرية والديمقراطية المنشودة والسلام المأمول، فيما لا يزال الشعب الفلسطيني ينتظر من ينتصر للمُعَذَبين ويُنصف الضحايا ويُقدم لهم الخدمات والاحتياجات اللازمة، ويُناهض التعذيب في "أروقة الموت" وبين جدران سجون الاحتلال الإسرائيلي.

  يذكر أن الجمعية العمومية للأمم المتحدة كانت قد أقرت في 12 كانون أول/ديسمبر من عام 1997، يوم 26حزيران/ يونيو من كل عام، يوماً لمناهضة التعذيب ومساندة ضحاياه، باعتباره يوما لتفعيل اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي بدأت بالتنفيذ الفعلي بتاريخ 26 حزيران عام 1987م.

عن المؤلف: 

عبد الناصر فروانة: أسير محرَّر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة شؤون الأسرى والمحررين في قطاع غزة. ولديه موقع شخصي اسمه: فلسطين خلف القضبان.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط