كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التعليم العالي في قطاع غزة ومعركة البقاء

لم تعد أزمة التعليم العالي في قطاع غزة مرتبطة فقط بتوقف المحاضرات أو تضرر بعض المباني الجامعية، بل أصبحت تمس قدرة المجتمع على الحفاظ على رأس ماله البشري ومستقبله التنموي. فالحرب لم تستهدف الحجر الجامعي وحده، وإنما أصابت البيئة الكاملة التي تجعل من الجامعة فضاءً لإنتاج المعرفة، وتدريب الكفاءات، وإعداد الأجيال القادرة على إعادة بناء المجتمع. وتكشف الأرقام حجم الكارثة التي تعرض لها قطاع التعليم العالي. فوفق التقييم الشامل للأضرار واحتياجات التعافي الذي أعدته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، شمل التقييم 21 مؤسسة للتعليم العالي في غزة عبر 38 حرماً جامعياً، وتبين أن 95% من الأحرم الجامعية تعرضت للضرر؛ إذ دمّر 22 حرماً جامعياً بالكامل، فيما تعرضت 14 حرماً أخرى لأضرار متفاوتة. هذه الأرقام لا تعني فقط خسارة مبانٍ إسمنتية، بل تعني فقدان بيئة تعليمية متكاملة تضم القاعات الدراسية، والمختبرات، والمكتبات، والورش، ومراكز البحث، والبنية التقنية التي تحتاجها الجامعة الحديثة. كما أن آثار هذا الدمار تطال نحو 88 ألف طالب وطالبة في مؤسسات التعليم العالي في غزة، وهم جيل كان يفترض أن يكون في مرحلة بناء المعرفة والمهارات، فإذا به يواجه معركة الحفاظ على حقه الأساسي في التعليم. تدمير المختبرات وخسارة تتجاوز الجدران تظهر خطورة استهداف الجامعات بصورة أكبر عند الحديث عن التخصصات التي تعتمد على التدريب العملي. فالتعليم الجامعي لا يقوم على الكتب والمحاضرات فقط، وإنما يحتاج إلى بيئة تطبيقية تمكن الطالب من تحويل المعرفة النظرية إلى مهارات مهنية. فطالب الطب يحتاج إلى المختبرات والتدريب السريري، وطالب الهندسة يحتاج إلى الورش والمختبرات الهندسية، وطالب العلوم الطبية يحتاج إلى الأجهزة المخبرية، وطالب تكنولوجيا المعلومات يحتاج إلى بيئة تقنية حديثة، وطالب الإعلام يحتاج إلى استوديوهات ومعدات تدريبية تحاكي سوق العمل. إن فقدان هذه البيئة لا يؤدي فقط إلى تأخير التخرج، بل يهدد جودة المخرجات التعليمية نفسها. فقد يتخرج الطالب حاملاً شهادة جامعية، لكنه لم يحصل على القدر الكافي من التدريب العملي الذي يؤهله لممارسة مهنته بكفاءة. وهنا تكمن خطورة الأزمة؛ لأن آثار تدمير المختبرات لن تظهر فقط خلال فترة الحرب، بل ستنعكس على مستوى الكفاءات المهنية في السنوات المقبلة. وتشير اليونسكو إلى أن أضرار التعليم العالي في غزة لم تقتصر على البنية المادية، بل امتدت إلى قدرة المؤسسات على تقديم تعليم مستمر، الأمر الذي دفع إلى البحث عن بدائل رقمية ومساحات تعليمية مؤقتة لاستمرار العملية الأكاديمية. عندما يصبح الحاسوب جزءاً من الحق في التعليم في التعليم الجامعي المعاصر، لم يعد الحاسوب المحمول أو الجهاز اللوحي أداة رفاهية، بل أصبح جزءاً أساسياً من العملية التعليمية، خصوصاً في تخصصات مثل هندسة الحاسوب، والذكاء الاصطناعي، والبرمجة، والتصميم، والهندسات المختلفة، والتخصصات الرقمية. وقد زادت أهمية هذه الأجهزة بعد الحرب، مع اعتماد الجامعات على التعليم الإلكتروني والتعليم المدمج كوسيلة للحفاظ على استمرار الدراسة في ظل تدمير العديد من المقرات الجامعية. وتشير اليونسكو إلى أن مبادرات التعليم الافتراضي استهدفت دعم آلاف الطلبة الجامعيين في غزة في ظل صعوبة العودة الكاملة إلى الحرم الجامعي. لكن المشكلة أن الطالب الذي فقد جامعته، قد يفقد أيضاً جهازه أو لا يستطيع شراء جهاز بديل، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية القاسية. وهكذا تتشكل فجوة جديدة: فهناك طالب يملك المعرفة والرغبة في التعلم، لكنه لا يمتلك الأداة التقنية التي تمكنه من الوصول إلى المحاضرات، أو تشغيل البرامج المتخصصة، أو إنجاز المشاريع المطلوبة. ولا تقتصر القضية على توفر الأجهزة فقط، بل تشمل توفر الإنترنت، والكهرباء، ووسائل شحن الأجهزة، وهي عناصر أصبحت جزءاً من تكلفة التعليم الجامعي اليومية. لذلك فإن القيود على التكنولوجيا التعليمية لا تعني فقط نقص معدات، بل تعني إضعاف قدرة الطالب على مواكبة التحولات الحديثة في التعليم وسوق العمل. الطالب بين الفقر والنزوح وكلفة استمرار التعليم لا يمكن فهم أزمة التعليم العالي في غزة من خلال حجم الدمار الذي أصاب الجامعات فقط، فالمشكلة الأعمق تتمثل في قدرة الطالب نفسه على الوصول إلى التعليم والاستمرار فيه. فحتى عندما تتوفر قاعة دراسية بديلة أو منصة إلكترونية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمتلك الطالب القدرة الاقتصادية والتقنية والجغرافية التي تمكنه من مواصلة رحلته الجامعية؟ لقد أنتجت الحرب واقعاً اقتصادياً بالغ القسوة على الأسر الفلسطينية في قطاع غزة. فقد أدت الخسائر الكبيرة في القطاعات الاقتصادية، وتوقف آلاف الأعمال، وتعطل مصادر الدخل، إلى تراجع قدرة الأسر على الوفاء بالالتزامات الأساسية. وفي ظل الأولويات الإنسانية الطارئة المرتبطة بالغذاء والمأوى والعلاج، أصبحت الرسوم الجامعية بالنسبة لكثير من الأسر عبئاً يفوق قدرتها المالية. وتكمن خطورة هذه الأزمة في أن تكلفة التعليم الجامعي لم تعد تقتصر على الرسوم الدراسية أو سعر الساعة الأكاديمية، بل أصبحت منظومة كاملة من النفقات المتراكمة؛ تشمل المواصلات، والاتصال بالإنترنت، وتوفير جهاز حاسوب، ومستلزمات الدراسة، والطاقة اللازمة لتشغيل الأجهزة في ظل أزمة الكهرباء. وهذا يعني أن الطالب لا يدفع فقط ثمن المقعد الجامعي، بل يدفع أيضاً ثمن الظروف المحيطة بالتعليم. وتواجه الجامعات نفسها تحديات مالية كبيرة نتيجة تراجع قدرة الطلبة على دفع الرسوم، وارتفاع تكاليف التشغيل، والحاجة إلى إصلاح الأضرار وإعادة تجهيز المرافق. وهذا يضع مؤسسات التعليم العالي أمام معادلة صعبة: المحافظة على استمرار العملية التعليمية من جهة، وتوفير الموارد اللازمة لذلك من جهة أخرى. النزوح يضيف حاجزاً جديداً أمام الطالب الجامعي أحد الآثار الأقل تناولاً في الحديث عن التعليم العالي خلال الحرب هو أثر النزوح على إمكانية الوصول إلى الجامعة. فقد تغيرت الخريطة السكانية في قطاع غزة بصورة كبيرة، حيث انتقل مئات آلاف المواطنين من مناطق شمال القطاع ومدينة غزة إلى مناطق الوسط والجنوب، وطلبة رفح إلى خان يونس والوسطى، بينما تتركز غالبية الجامعات الكبرى تاريخياً في مدينة غزة. هذا التغير الجغرافي خلق عبئاً جديداً على الطلبة؛ فالوصول إلى الجامعة لم يعد مسألة روتينية، بل أصبح رحلة يومية مكلفة ومعقدة. فالطالب الذي كان يحتاج دقائق أو مسافة قصيرة للوصول إلى جامعته قبل الحرب، قد يحتاج اليوم إلى قطع مسافات أطول، ودفع أجرة نقل أعلى، في ظل ارتفاع أسعار الوقود، وتضرر شبكة الطرق، ومحدودية وسائل المواصلات. وهنا تظهر ما يمكن تسميته "الكلفة الخفية للتعليم"؛ وهي تكاليف لا تظهر في فاتورة الجامعة، لكنها تؤثر مباشرة في قدرة الطالب على الاستمرار. فزيادة أجرة المواصلات، وطول زمن التنقل، وصعوبة الوصول المنتظم، كلها عوامل قد تدفع بعض الطلبة إلى تقليل عدد المساقات المسجلة، أو تأجيل الدراسة، أو الانقطاع عنها مؤقتاً. وتزداد خطورة هذا الواقع على طلبة التخصصات العملية، الذين يحتاجون إلى حضور منتظم للمختبرات والتدريب التطبيقي. فغياب الطالب عن الجامعة بسبب صعوبة الوصول لا يعني فقط فقدان محاضرة نظرية، بل قد يعني فقدان تدريب عملي يصعب تعويضه من أزمة المباني إلى أزمة الإنسان إن الخطر الأكبر الذي يواجه التعليم العالي في غزة لا يكمن فقط في إعادة بناء الجدران، بل في الحفاظ على الإنسان الذي سيستخدم هذه الجدران لاحقاً. فالجامعة قد تعاد إعمارها، والمختبر قد يجهز من جديد، لكن خسارة أعداد من الطلبة أو تأخرهم عن مسارهم الأكاديمي لسنوات يمثل خسارة طويلة الأمد للمجتمع. وتشير تجارب الأزمات العالمية إلى أن انقطاع الطلبة عن التعليم العالي لفترات طويلة يؤدي غالباً إلى آثار تتجاوز الجانب الأكاديمي، لتشمل سوق العمل، ومستويات الدخل المستقبلية، والقدرة على التنمية. وفي حالة غزة، فإن هذه القضية تكتسب أهمية مضاعفة، لأن القطاع يحتاج بعد الحرب إلى آلاف الكفاءات في مجالات الصحة والهندسة والتعليم والإدارة والتكنولوجيا لإعادة بناء ما دمرته الحرب. ومن هنا فإن دعم التعليم العالي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره استجابة إنسانية مؤقتة، بل باعتباره استثماراً استراتيجياً في مستقبل المجتمع. فكل طالب يتمكن من العودة إلى مقعده الجامعي هو إضافة إلى قدرة غزة على التعافي، وكل طالب يحرم من إكمال تعليمه يمثل خسارة في رأس المال البشري. من إعادة الإعمار إلى إعادة التمكين إن مواجهة أزمة التعليم العالي في غزة تحتاج إلى خطة تتجاوز إعادة ترميم المباني. المطلوب هو برنامج متكامل لإعادة تمكين الطلبة والجامعات معاً. ويشمل ذلك إنشاء صناديق دعم عاجلة لتغطية الرسوم الجامعية للطلبة الأكثر تضرراً، وتوفير منح خاصة للطلبة الذين فقدوا مصادر دخل أسرهم، وتأمين أجهزة الحاسوب والوسائل التقنية اللازمة للتعلم، ودعم تكاليف الإنترنت والطاقة، إضافة إلى إعادة تأهيل المختبرات والورش باعتبارها أولوية تعليمية وليست مجرد مرافق إضافية. كما تحتاج الجامعات إلى شراكات واسعة مع الجامعات العربية والدولية لتوفير بدائل تعليمية مؤقتة، وبرامج تدريبية، ودعم أكاديمي وتقني يساعدها على استعادة دورها. إن إعادة بناء الجامعة في غزة يجب أن تبدأ من فهم حقيقة أساسية: الجامعة ليست حجراً وإسمنتاً فقط، بل هي طالب وأستاذ ومختبر وكتاب وجهاز وفرصة. وإذا كان تدمير المباني يمكن تعويضه بتمويل دولي وإعادة إعمار، فإن فقدان جيل من الطلبة أو تراجع كفاءتهم سيكون خسارة يصعب تعويضها. لقد كشفت الحرب أن استهداف التعليم العالي لا يحدث فقط عندما تُدمر الجامعة، بل يحدث أيضاً عندما يُحرم الطالب من الوصول إليها، أو من امتلاك أدوات التعلم، أو من القدرة على دفع تكاليفها. ولذلك فإن حماية التعليم العالي في غزة هي حماية لمستقبل المجتمع نفسه. فإعادة إعمار غزة لن تبدأ من الخرسانة وحدها، بل من الإنسان الذي سيمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على تحويل الركام إلى حياة جديدة.
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط