كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التقيّة السياسية: النفق الإجباري لإنهاء حرب الشرق الأوسط

التقيّة السياسية: النفق الإجباري لإنهاء حرب الشرق الأوسط

تاريخ النشر: 2026-03-09 | 12:41

يحيلنا البحث عن مخارج للحرب الدائرة في الشرق اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى إلى مقولة قديمة عادة ما تتردد كلما اشتعلت الصراعات: "إن الحقيقة هي أولى ضحايا الحروب". إلا أن المفارقة التي يمكننا ملاحظتها في هذه الحرب وتخص الحقيقة، هي ما وردت في تصريحين لافتين جاء أولهما على لسان الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق وهو يصف الحرب بأنها "حرب نتنياهو" قائلاً: "هذه الحرب ليست حربنا، بل حرب نتنياهو الذي اقنع ترامب ببدئها بعد سبع زيارات إلى واشنطن".

أما التصريح الثاني فكان لحمد بن جاسم رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها الاسبق حينما غرد قائلاً: " إنه يجب على دول مجلس التعاون ألا تُجَرَّ إلى مواجهة مباشرة مع إيران". منوها إلى أن "هناك قوى تريد أن تشتبك دول المجلس مباشرة مع إيران، وهي تعلم أن الاشتباك الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى سينتهي، ولكن الاشتباك المباشر بين دول المجلس وإيران إن وقع سيستنزف موارد الطرفين وسيتيح الفرصة لقوى كثيرة للتحكم بنا بحجة مساعدتنا للخروج من الأزمة ووقف الاستنزاف".

هذان التصريحان يشيران بقوة إلى أن تورط دول الخليج في هذه المعركة، ليس قراراً محسوماً، وأن العقل السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي، ما يزال يقرأ المشهد بحذر شديد، على الرغم من وجود تباين في الآراء، غير أن القناعة الأوسع تؤكد أن هذه الحرب في أساسها ليست دفاعاً عن دول الخليج، وإنما ينظر إليها بوصفها مغامرة إسرائيلية – أمريكية غير محسوبة العواقب.

هذه الخلاصة التي يكشفها مسار الصراع الحالي، لا يمكنها أن تخفي الوقائع تحت ركام الدعاية، وإنما تقدم لإعادة تشكيلها لتخدم سرديات النصر والهزيمة، ولكي تتحول اللغة السياسية إلى أداة لإدارة المعركة بقدر ما هي أداة لوصفها، على الرغم من كون الحقيقة عادة ما تبقى رهينةً حتى في اللحظة التي تبدأ فيها الحروب بالانتهاء. فحين تصل الصراعات إلى نقطة يستحيل فيها الحسم العسكري، يصبح إنهاؤها مرهونًا بقدرة الأطراف على بناء سرديات تسمح لها بالتراجع من دون الاعتراف بالهزيمة. وهنا تحديدًا يظهر ما يمكن تسميته بـ التقيّة السياسية. وهي التسمية التي كثيراً ما التصقت بالخطاب السياسي الإيراني، سواء كان خطاباً ايجابياً في مفرداته ورسائله حول العلاقة مع الجوار، أو كان راديكالياً متشدداً حول ذات العلاقة.

إلا أن المقصود بالتقيّة هنا، لا يكمن في معناها الفقهي التقليدي المرتبط بإخفاء الاعتقاد تحت الإكراه، بل بمعناها السياسي الأوسع: لغة براغماتية تسمح للأطراف المتصارعة بإخفاء حجم التنازلات التي تقدمها، مقابل إعلان خطاب داخلي يوحي بالثبات أو حتى بالانتصار. ففي تاريخ العلاقات الدولية، كان هذا التوجه في كثير من الأحيان الآلية الوحيدة الممكنة لإنهاء الحروب التي وصلت إلى طريق مسدود.

فالحروب الكبرى لا تنتهي دائمًا بانتصار واضح لطرف على آخر، فعندما تصل الأطراف المتحاربة إلى لحظة توازن سلبي، تتساوى فيها القدرة على الإيذاء مع استحالة تحقيق الحسم. عند تلك النقطة، لا يعود السؤال من سينتصر، وإنما كيف يمكن للجميع الخروج من الحرب بأقل قدر ممكن من الخسائر السياسية والمعنوية. وهنا تصبح اللغة السياسية نفسها جزءًا من الحل، إذ تسمح لكل طرف بأن يروي القصة التي يحتاجها جمهوره الداخلي، بينما تتحقق التسوية الفعلية في مستوى آخر بعيداً عن الإعلام وتصريحاته النارية.

ينطبق هذا المنطق اليوم على المشهد المتوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فالتصعيد المتبادل خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر المواجهات غير المباشرة أو الضربات المحدودة أو الحروب بالوكالة، كشف حدود القوة لدى الجميع. فلا إيران قادرة على خوض حرب تقليدية مفتوحة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، ولا هاتان الدولتان قادرتان على فرض هزيمة استراتيجية شاملة على إيران من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة تتجاوز كلفتها كل الحسابات.

هذا التوازن المعقّد خلق ما يمكن تسميته بحالة الردع المتبادل غير المستقر؛ وهو وضع يدرك فيه كل طرف أنه قادر على إلحاق أذى كبير بخصمه، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن الثمن الذي سيدفعه سيكون باهظًا إلى حد يمنع المغامرة بالحرب الشاملة. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون التسوية نتيجة اتفاق تاريخي واضح، وإنما نتيجة سلسلة من الخطوات التكتيكية التي تسمح بخفض التصعيد تدريجيًا من دون إعلان ذلك صراحة.

عند هذه النقطة يظهر ما يمكن تسميته بالتقيّة السياسية بوصفها النفق الضيق الذي تضطر القوى المتحاربة إلى المرور عبره عندما يصبح الحسم العسكري مستحيلاً؛ فإيران بعد اغتيال مرشدها، تحتاج إلى خطاب يؤكد أنها فرضت معادلة ردع جديدة في مواجهة إسرائيل، وأنها لم تتراجع تحت الضغط الأميركي - وهي قد نجحت في ذلك نسبياً بالفعل، على الرغم من عدم انتهاء الحرب حتى لحظة كتابة هذا المقال - وفي المقابل، تحتاج إسرائيل إلى إقناع جمهورها بأنها تمكنت من احتواء التهديد الإيراني ومنع تحوله إلى خطر استراتيجي مباشر – وهو الأمر الذي لا يمكن تأكيده على الأقل من الجانب الاستراتيجي.

أما الولايات المتحدة، فهي معنية قبل كل شيء بعدم التورط في حرب استنزاف طويلة الأمد، تذكر شعبها بتجارب فيتنام، والعراق، وأفغانستان، وما حملتها من كلفة سياسية واقتصادية باهظة، خاصة وأن الاستراتيجية التي اعيد انتخاب الرئيس ترامب على أساسها، تؤكد على عدم تكرار أخطاء الماضي بالتورط في حروب تشغلها عن أولوياتها الداخلية المشار إليها في شعار "أمريكا أولا" ولا عن منافسة القوى الكبرى في النظام الدولي. وهو ما يعني أن الجميع بحاجة إلى قصة انتصار، حتى ولو كانت النتيجة الفعلية مجرد إدارة ناجحة لتجنب الاستمرار في الحرب.

في المحصلة، قد تبدو هذه الآلية غير مريحة لمن يبحث عن نهاية واضحة للصراعات الوجودية أو الدينية على وجه التحديد، ولكنها في كثير من الأحيان تكون الخيار الواقعي الوحيد. فالتاريخ لا يكتب دائما بحد سيف القوة، وكذلك العالم لا يتحرك دائمًا من منطق النصر والهزيمة، ولكن هذا وذاك يكتب ويتحرك وفق قدرة الدول على إدارة التوازنات الدقيقة بين القوة والهيبة والمصلحة. وفي الشرق الأوسط، حيث تتشابك الأزمات السياسية مع الأبعاد الدينية، كما تتقاطع الرهانات الإقليمية مع التحولات الدولية، قد لا تنتهي الحروب بانتصار واضح، وإنما بقدرة الجميع على عبور النفق البراغماتي المشترك غير المعلن، نفق التقيّة السياسية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط