كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التنفّذ الإسرائيلي في الأردن ودوره في سجن عماد العدوان وقمع الأصوات الوطنية

التنفّذ الإسرائيلي في الأردن ودوره في سجن عماد العدوان وقمع الأصوات الوطنية

تاريخ النشر: 2024-12-04 | 16:09

تعتبر قضية سجن النائب الأردني عماد العدوان واحدة من أبرز القضايا التي تُسلّط الضوء على الواقع السياسي في الأردن، وكذلك على تأثير العلاقات الثنائية مع إسرائيل على الحياة السياسية الأردنية. هذه القضية تقدم مثالا حيا على التحديات التي يواجهها الشعب الأردني في تعبيره عن مواقفه الوطنية، لا سيما تلك التي تتعلّق بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. وإنّ تناول هذه القضية لا يمكن أن يكتمل دون الإشارة إلى النفوذ الإسرائيلي الذي يُمارس داخل الأردن، وكيف أن هذا النفوذ يُساهم بشكل صريح في قمع الأصوات الوطنية، وهو ما يتجلّى في سجن عماد العدوان.

إسرائيل في المُخيّل الشعبي الأردني: العدو الأزلي

في المُخيّل الشعبي الأردني، تظل إسرائيل عدوا استراتيجيا وأزليا، فالأردنيون، بجميع شرائحهم، يرون في إسرائيل تهديدا مباشرا لأمنهم القومي، وخصما رئيسيا لقضية فلسطين. هذه النظرة لم تتغيّر مع مرور الوقت، بل على العكس، ازدادت حدتها في ظل تصاعد الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، خاصّة في غزّة والقدس والضفة الغربية.

في هذا السياق، يُعبّر الأردنيون عن رفضهم التام لأية علاقات دبلوماسية أو اقتصادية مع إسرائيل، معتبرين أن هذه العلاقات تشكّل خيانة للقضية الفلسطينية، والتي تعتبر القضية المركزية بالنسبة لهم.

ورغم هذه الرؤية الشعبية الواضحة، نجد أن الممارسات الرسمية للأردن تتناقض مع هذا التصور الشعبي، فالأردن، منذ توقيع اتفاقية وادي عربة في عام 1994، استمر في علاقاته الرسمية مع إسرائيل، حيث تم فتح قنوات دبلوماسية وتجارية، وهو ما يثير استياء كبيرا في الشارع الأردني. وبالرغم من الغضب الشعبي المتزايد، لم تتخذ الحكومة الأردنية أي خطوة جادّة نحو قطع هذه العلاقات، مما يفتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة قد اتخذت هذه السياسات بسبب الضغوط الإقليمية والدولية أم بسبب مصالح اقتصادية تستفيد منها المملكة.

التعاون مع إسرائيل: ضرورة دبلوماسية أم خيانة وطنية؟

العلاقات بين الأردن وإسرائيل لطالما كانت مصدرا للجدل داخل المجتمع الأردني، في حين يُعبّر الشعب الأردني عن رفضه القاطع لهذه العلاقات، لا سيما في ظل الممارسات الإسرائيلية المستمرّة ضد الشعب الفلسطيني، تتبنّى الحكومة سياسة دبلوماسية تقتضي التعاون مع إسرائيل في مجالات عدّة، أبرزها ملف المياه. فقد أدى نقص الموارد المائية في الأردن إلى اعتماد المملكة بشكل كبير على اتفاقيات المياه الموقّعة مع إسرائيل، خاصّة فيما يتعلّق بنهر الأردن ونهر اليرموك.

هذه الاتفاقيات، رغم أنها يجب أن تضمن للأردن حصّته في هذه الموارد الحيوية، إلّا أنّ الحكومة تُقدّم تنازلات للاحتلال غير مبرّرة.

إلى جانب ملف المياه، هناك ملفات أخرى تتعلّق بالتنسيق الأمني بين الأردن وإسرائيل، وهو ما يثير الكثير من الانتقادات من قبل الشارع الأردني. ففي الوقت الذي يتبنّى فيه الأردنيون مواقف قومية رافضة للاحتلال الإسرائيلي، لا يجدون أي دعم ملموس من حكومتهم في مواجهة ممارسات الاحتلال، بل على العكس، تتعزّز العلاقات الأمنية والتجارية بين الحكومتين في وقت تتزايد فيه الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين، حتى أنها ارتقت الآن في قطاع غزّة إلى إبادة جماعية.

حصانة النواب الأردنيين: التناقض بين الشعب والحكومة

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل التناقض الكبير بين موقف الشعب الأردني والحكومة الأردنية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، ففي حين يطالب الشعب بالابتعاد عن إسرائيل والتوقّف عن التعاون معها، تتبنّى الحكومة سياسة مغايرة تماما.

هذا التناقض يظهر جليا في تعامل الحكومة مع النواب الذين يرفعون أصواتهم اعتراضا على هذه العلاقات؛ النائب عماد العدوان، على سبيل المثال، هو نموذج حي لهذا التناقض، فقد أصدرت محكمة أمن الدولة الأردنية التي انعقدت يوم الأربعاء 20 نوفمبر/تشرين الثاني حكمها في حقه؛ بتهمة تصدير أسلحة نارية بشكل غير قانوني، وقد قضت المحكمة بتوقيع عقوبة الأشغال المؤقّتة لمدّة 10 سنوات على النائب العدوان.

تُهم مُفصّلة على مقاس الرغبة الإسرائيلية؛ لم تكن إلا غطاء لاضطهاده بسبب مواقفه الوطنية المعارضة للتعاون مع إسرائيل.

عماد العدوان، الذي كان دائما يدافع عن القضية الفلسطينية ويعارض أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، أصبح رمزا للأصوات التي تُقمع في الأردن بطريقة فظّة غليظة. وقد أظهرت هذه القضية بشكل قاطع كيف أن الحكومة الأردنية، رغم تأكيدها على أنها تدافع عن مصالح الشعب، تقوم بتقويض هذه المصالح عندما يتعلّق الأمر بإسرائيل، بل وتعمل على سحق أي معارضة لهذه العلاقات.

أمثلة مؤلمة على التناقض في التعامل مع الجرائم والاعتداءات الإسرائيلية في الأردن

لم تكن قضية عماد العدوان الوحيدة التي تكشف عن هذا التناقض الكبير، فهناك العديد من الأمثلة المؤلمة الأخرى التي تؤكّد عدم استجابة الحكومة الأردنية تجاه الجرائم الإسرائيلية.

أحد أبرز هذه الأمثلة هو حادث قتل موظّف الأمن الإسرائيلي في السفارة الإسرائيلية في عمّان عام 2017، حيث أقدم الموظّف الإسرائيلي على قتل أردنيين اثنين في قلب عمّان. ورغم الجريمة البشعة، إلا أن القاتل الإسرائيلي أُخرج من الأردن في مشهد استفزازي، وسط غضب عارم من الشعب الأردني.

ما فاقم الاستفزاز هو أن القاتل الإسرائيلي خرج من مطار عمّان برفقة سفيرة إسرائيل آنذاك لدى الأردن، وعاد إلى إسرائيل في حفاوة، فقد استقبله بنيامين نتنياهو شخصيا وبرفقة صديقته، بينما شعر الأردنيون بأنّ العدالة في بلادهم سلعة مفقودة.

هذا الحادث يعكس مدى تأثير النفوذ الإسرائيلي في الأردن، حيث يتم توفير الحماية لقتلة إسرائيليين في وقت لا يحصل فيه الأردنيون على نفس الحقوق أو الحماية في مواجهة القمع الداخلي.

التنفّذ الإسرائيلي في الأردن: سيف مُسلّط على رقاب الأردنيين

إن التأثير الإسرائيلي على السياسة الداخلية الأردنية لا يتوقّف عند حد التعاون الأمني أو التنسيق في ملف المياه، بل يمتدّ ليشمل الهيمنة السياسية والاقتصادية. إسرائيل، باستخدام قوتها السياسية والاقتصادية، تعمل على ضمان سيطرتها على العديد من الملفات المُهمّة في الأردن، مما يساهم في تعزيز نفوذها داخل المملكة. من خلال هذا النفوذ، تحاول إسرائيل فرض أجندتها، ليس فقط في المسائل السياسية، ولكن أيضا في قمع أي صوت يرفض هذه العلاقات أو ينتقد ممارساتها ضد الفلسطينيين.

لقد أصبح النفوذ الإسرائيلي بمثابة سيف مُسلّط على رقاب الأردنيين، حيث يُخشى من أي محاولة لرفع الصوت ضد الاحتلال أو للمطالبة بحقوق الفلسطينيين، وبذلك، فإنّ أي محاولة للاحتجاج أو المعارضة تُقابل بعقوبات قاسية، سواء عبر الاعتقالات الإدارية أو الحبس أو التضييق.

خلاصة الكلام

إن قضية سجن النائب عماد العدوان، وما تعرّض له من ظلم، ليست سوى جزء من صورة أوسع للظلم الذي يعانيه العديد من الأردنيين الذين يجرؤون على التعبير عن مواقفهم الوطنية. في الوقت الذي يُعامل فيه الإسرائيليون بشكل خاص ومميّز، يظل الأردنيون عرضة للعقوبات والملاحقات بسبب مواقفهم المعارضة للسياسات الحكومية والتعاون مع إسرائيل.

وفي النهاية، يظل النفوذ الإسرائيلي في الأردن حقيقة واقعة، تؤثّر على الحياة السياسية والاجتماعية.

إن سيطرة هذا النفوذ على مفاصل الحكم في الأردن جعلت من السجون أداة لقمع الأصوات الحُرّة، وأصبح النضال الوطني في مواجهة الاحتلال يتحوّل إلى تهمة، وبعض هذه الممارسات، يتجلّى بوضوح كيف أن العدالة أصبحت مُغيبة أو مُسيّسة، وكلاهما قبيح، والحقوق تُنتهك، في الوقت الذي يتم فيه توفير الحماية لجرائم الاحتلال الإسرائيلي.

وفي الختام، تبقى قضية النائب عماد العدوان مثالا صارخا جاثما على ضمائر الأمة وعلى التدخلات الإسرائيلية في الشؤون الأردنية، مما يفرض على الشعب الأردني التمسّك بحقوقه ومواصلة الدفاع عن حُرّيته الوطنية.

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط