كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التهريب آفة..تنخر الاقتصاد التونسي..وتفاقم الأزمة الإقتصادية..!

التهريب آفة..تنخر الاقتصاد التونسي..وتفاقم الأزمة الإقتصادية..!

تاريخ النشر: 2025-09-20 | 12:01

أصبحت ظاهرة التهريب واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي،حيث تحولت إلى اقتصاد موازٍ ينخر أسس الدولة ويُفقدها موارد مالية حيوية.وعلى الرغم من تعاقب الحكومات والتغييرات السياسية منذ ثورة 2011،ألا أن أياً منها لم ينجح في معالجة هذه الآفة التي توسعت بشكل غير مسبيق،خاصة مع تصاعد المخاطر الأمنية والجيوسياسية في الدول المجاورة .

تبنى الإقتصادات على تراكم الثروة داخل البلاد مما يستخرج من باطن الأرض أو مما يضيفه العاملون في الدولة لإقتصاد بلدهم من ناتج عملهم.وكلما كان هذا التراكم كبيرا،وكلما كان المواطنون والمقيمون يعملون بأقصى وأكفأ إنتاجية،كان ذلك مؤشرا على قوة بنيان الإقتصاد وقدرته على توليد الثروة وتراكمها لصالح الأجيال القادمة.

ولكن يشترط لتفعيل وظهور هذه القوة في بنيان الاقتصاد،أن تسد كل منافذ التهريب للثروة الوطنية من الداخل إلى الخارج،بعيدا عن أعين الرقابة الساهرة على حماية وتأمين الاقتصاد الوطني.فالتهريب له مخاطره على أي اقتصاد مهما كان قويا وكبيرا،فهو بمثابة استنزاف لثروات الوطن لصالح المهربين فقط،وحرمان لكل أبناء المجتمع من ثمرة الثروة المولدة أو المستخرجة في الوطن.

لا يخلو مجتمع من أفراد يعيشون من مخالفتهم المقصودة للقوانين،ويسعون إلى مختلف الوسائل الملتوية،من أجل الإثراء على حساب بقية المواطنين واستقرار الدولة.

وإذا كانت ظاهرة الإقتصاد الموازي قد اخترقت كل المجتمعات تقريباً،ومنها الرأسمالية الكبرى،إلا أنها في تونس أضحت تهدد استمرارية الدولة،بعد أن أصبحت تمنع الاقتصاد الوطني من الإنتعاش،وتحقيق نسق تصاعدي من النمو الضروري جداً لإخراج البلد من الدوامة المقيتة.

لقد وصلت نسبة الإقتصاد الموازي في تونس،اليوم،إلى حدود 54%،وتقدّر نسبة التجارة الموازية بـ30%.وتحوّل نظام التهريب في تونس إلى واقع مفزع تؤكده الأرقام وتثبته الوقائع اليومية،خاصة بعد أن دخل تجار التهريب أيضاً منظومة الحراك الاحتجاجي الثوري،شأنهم شأن أي موظف عادي.. !فقد شهدت مدينة بنقردان،معقل المهربين،في 29 تشرين الاول/أكتوبر 2014،احتجاجات من قبل رجال التهريب،حيث جرى إغلاق الطريق المؤدي للمدخل الجنوبي للمدينة نتيجة لإشعال الإطارات المطاطية،وذلك احتجاجاً على ما وصفوه بالاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها تجار المحروقات المهربة عبر الحدود التونسيةـ الليبية،من طرف الوحدات العسكرية الموجودة عند الشريط الحدودي.

في هذا السياق يقول المحلل الإقتصادي ووزير المالية الأسبق،حسين الديماسي،بأنّ القضاء على ظاهرة التهريب قد أصبح حلماً صعب المنال في تونس بعد الثورة.ويؤكد الديماسي بأنّه من الضروري البحث عن آليات أخرى لمحاولة الحد من الظاهرة،وتطويعها قدر الإمكان لخدمة الاقتصاد الوطني إيجاباً،ولو نسبياً.

وتشير إحصائيات،نشرتها وزارة التجارة التونسية،إلى أنَّ التهريب يكبّد تونس سنوياً خسائر تقدّر بـ3.6 مليار دولار.

هذا،وتشهد الحدود التونسية الليبية ومنذ اندلاع الثورة في البلدين حالة من الإنفلات الأمني بسبب اعتماد عدد كبير من المهربين على كسب الأموال بطرق غير مشروعة من المدّخرات الوطنية التي تولد عنها انهاك الإقتصاد وجيب المواطن البسيط ذي الدخل الضعيف والذي أصبح يجد نفسه عاجزا عن توفير ما تتطلبه الحياة اليومية بسبب ارتفاع الأسعار.

وكانت المواد المهرّبة متأتية من عدة مناطق من التراب التونسي لتكون نقطة العبور إلى التراب الليبي إما عبر معبر"راس جدير" أو منطقة "الجمال"أو "المقاسمة"

وتشمل عمليات التهريب الخضر والغلال واللحوم والدجاج والبيض وحتى رؤوس الأبقار والإبل والأغنام والماعز..

وقدّرت دراسة صادرة في السنوات القليلة الماضية عن البنك الدولي قيمة المواد المهربة على الحدود التونسية البرية بنحو 2 مليار دينار تونسي (1.2مليار دولار) سنويا.

وقال لطفي العيادي،وهو مستشار لدى البنك الدولي في تونس*،ان الدراسة التي قام بها البنك الدولي تعد بمثابة تقييم تقريبي لقيمة وكمية المواد المهربة على الحدود التونسية البرية.

وأضاف أن أهم المواد التي يتم تهريبها هي المحروقات (الوقود) والملابس الجاهزة والغلال والأجهزة المنزلية.

وبحسب واضعي الدراسة فإن تهريب المحروقات،على خلاف بقية المواد الاُخرى التي يتم تهريبها عبر الحدود،لا يكبد الدولة التونسية مباشرة أي خسائر،بينما يتضرر التجار الذين يحترمون القواعد القانونية في تجارة المحروقات من التهريب.

وأضافت الدراسة أن الأسباب التي تؤدي إلى تفاقم ظاهرة التهريب في تونس متعددة وأهمها إرتفاع الرسوم الضريبية،التي تصل في بعض الأحيان إلى 100%

إنّ المواطن التونسي-اليوم-مكبّل بلهيب أسعار حاجياته اليوميّة،أسعار تفرضها سماسرة-القوت-  وتتحكّم فيها المسالك السوداء لأباطرة التهريب.هذا في الوقت الذي تحدثت فيه جميع الحكومات التي تعاقبت بعد الثورة في تونس عن مخاطر التجارة الموازية،ورفعت شعار محاربة التهريب.لكن،لا أحد نجح في وضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة.

أقول هذا،وأنا على يقين بأنّ هناك أبعادا اقتصادية واجتماعية لمسألة التهريب،لا يجوز التغافل عنها، حيث ليس من السر أن عائلات أو حتى مناطق بأكملها تعيش من التهريب،أدى انحلال الدولة وتفكك أدوات وأجهزة الإدارة والتسيب الشامل والوضع على الحدود خاصة الليبية إلى نسج نوع من الربط العضوي بين التهريب والإرهاب،دون أن يكون ذلك منفصلا عن الفساد بارتباط ببعض الأجهزة الإدارية حتى وإن كانت أقلية.و بالتالي فإن المعالجة لهذا التشابك تنطلق من الإقرار بهذا الواقع لمواجهته على عدة أصعدة،عن طريق التنمية والتشغيل والتخفيض من الأداءات الجمركية حتى يتدنى تأثيرها التحفيزي على التهريب،و"تنظيم التجارة الموازية"فيما يخص أولا إلتزام العاملين بها بالقطع مع كل ما يتصل بالإرهاب وثانيا شفافية المعاملات ومراقبة قائمة المواد والأسعار وثالثا استعمال جزء من العائدات للتنمية والتشغيل.

ويظل السؤال مطروحا حول كيفية معالجة هذه الآفة التي تنخر البلاد والعباد خصوصا وأنّ اقتصادنا أشرف على هوة الإفلاس وغدا منها على الشفير.. !

على سبيل الخاتمة :

ظاهرة التهريب في تونس ليست مجرد قضية أمنية أو اقتصادية،بل هي معضلة متعددة الأبعاد تتعلق بالتنمية المتوازنة بين الجهات،والعدالة الاجتماعية،والحوكمة الرشيدة،والاستقرار الإقليمي.ولا يمكن معالجة هذه الآفة بإجراءات أمنية فقط،بل تتطلب،معالجة أسباب التهميش في المناطق الحدودية عبر برامج تنموية حقيقية،

مراجعة سياسة الدعم والضرائب لتقليل الفجوة السعرية مع دول الجوار،تعزيز الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد الذي يغذي شبكات التهريب، تعزيز التنسيق الإقليمي مع الجزائر وليبيا لمعالجة الأبعاد العابرة للحدود.،إيجاد بدائل اقتصادية للشباب في المناطق الحدودية لتقليل اعتمادهم على اقتصاد التهريب.

بدون معالجة هذه الجذور،ستستمر آفة التهريب في نخر الاقتصاد التونسي وتقويض جهود التنمية واستقرار الدولة.

*أكّد السيد لطفي العيادي المستشار لدى البنك الدولي في تصريح إذاعي في السنوات القليلة الماضية أنّ قيمة التجارة الموازية والتهريب على الحدود البريّة تقدّر بنحو 1800 مليون دينار وهو ما يكبّد الدولة خسائر جبائيّة بقيمة 1200 مليون دينار.

وقال لطفي العيادي خلال اليوم المفتوح للتجارة والتهريب الذي نظمّه اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية إن 3000 شاحنة تعمل في مجال التهريب على الحدود الجزائريّة-التونسيّة

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط