كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

التوجيهي الفلسطيني... عندما يصبح الامتحان مرآة لأزمة التعليم

لم يعد امتحان الثانوية العامة في فلسطين مجرد محطة أكاديمية تحدد مستقبل الطالب، بل أصبح هذا العام اختبارًا حقيقيًا لقدرة منظومة التعليم الفلسطينية على الصمود في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخها.

فبين خيام النزوح في قطاع غزة، ومراكز الإيواء، والظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة في الضفة الغربية، وقاعات الامتحانات في عشرات الدول التي يقيم فيها الطلبة الفلسطينيون، وحتى داخل السجون الإسرائيلية، يتقدم آلاف الطلبة إلى الامتحان ذاته، لكنهم يخوضونه في ظروف متباينة يجمعها عنوان واحد: التعليم تحت الضغط.

السؤال الأهم هذا العام لا يتعلق بنسبة النجاح بقدر ما يتعلق بمدى قدرة نتائج الامتحانات على قياس المستوى العلمي الحقيقي للطلبة.

فالطالب الذي عاش شهورًا من النزوح، أو الانقطاع عن الدراسة، أو التعلم غير المنتظم، لا يدخل قاعة الامتحان بالظروف نفسها التي عرفتها الأجيال السابقة. ومن ثم، قد تعكس النتائج حجم الأزمات التي عاشها أكثر مما تعكس قدراته الأكاديمية الفعلية.

وإذا كانت الحرب قد أصابت البنية التعليمية في قطاع غزة بأضرار هائلة، فإن الضفة الغربية تواجه أزمة مختلفة، يغلب عليها الطابع المالي والإداري.

فالأزمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية، إلى جانب استمرار اقتطاعات أموال المقاصة، أثرت في قدرة الحكومة على تمويل القطاعات الأساسية، وعلى رأسها التعليم. كما ساهمت أزمة رواتب المعلمين والخلافات النقابية في اضطراب انتظام الدراسة، وشهدت بعض المدارس الحكومية تقليصًا في أيام الدوام، الأمر الذي أثار مخاوف حقيقية بشأن مستوى التحصيل العلمي.

غزة... انهيار شبه كامل للعملية التعليمية

في المقابل، تجاوزت الأزمة في قطاع غزة حدود تراجع جودة التعليم إلى انهيار جزء كبير من بنيته الأساسية.

فالمدارس والجامعات تعرضت لدمار واسع، وتحول العديد منها إلى مراكز لإيواء النازحين، بينما اضطر آلاف الطلبة إلى مواصلة تعليمهم في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الدراسة.

ومع ذلك، حملت صور الطلبة الذين تقدموا للامتحانات بين أنقاض منازلهم، أو داخل مراكز النزوح، وكذلك الجرحى ومبتوري الأطراف الذين أصروا على أداء الامتحانات، رسالة تتجاوز الجانب التعليمي، لتؤكد أن الإرادة الإنسانية قادرة على مقاومة ظروف الحرب.

ورغم اختلاف طبيعة الأزمة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن القاسم المشترك يتمثل في أن الطالب الفلسطيني لم يعد يواجه تحديًا أكاديميًا فحسب، بل سلسلة متراكمة من الضغوط الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

ففي ظل تراجع الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، اضطر عدد من الطلبة إلى دخول سوق العمل لمساندة أسرهم أو توفير احتياجاتهم الأساسية، وهو ما انعكس على الوقت المخصص للدراسة وعلى مستوى التحصيل العلمي، ليصبح النجاح بالنسبة لبعضهم معركة يومية بين لقمة العيش والكتاب المدرسي.

لقد أعادت أزمة التعليم إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتجدد مع كل أزمة مالية: كيف ينبغي ترتيب أولويات الإنفاق العام عندما تصبح الموارد محدودة؟

من وجهة نظري، لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق تعافيًا حقيقيًا إذا تراجع الاستثمار في التعليم، حتى في أصعب الظروف المالية. فالتعليم ليس قطاعًا خدميًا عاديًا يمكن تأجيل تمويله، بل هو الاستثمار الذي تتوقف عليه قدرة المجتمع على النهوض مستقبلًا.

ولا يعني ذلك تجاهل الالتزامات الحكومية الأخرى، أو التقليل من أهميتها، لكن المرحلة الحالية تستدعي مراجعة مستمرة لأولويات الإنفاق بما يضمن حماية القطاعات الأساسية، وفي مقدمتها التعليم والصحة، لأن كلفة تراجع التعليم اليوم قد تكون أكبر بكثير من أي وفر مالي يتحقق على المدى القصير.

وقد فرضت الأزمة المالية بالفعل على صانع القرار الفلسطيني اتخاذ خيارات صعبة وإعادة النظر في عدد من بنود الإنفاق، وهو ما يؤكد أن النقاش حول الأولويات سيظل حاضرًا، خاصة في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتزايد احتياجات القطاع التعليمي.

و بعيدًا عن الجدل السياسي، يبقى التعليم أحد أهم الاستثمارات التي تمتلكها أي دولة أو مجتمع.

فكل تراجع في جودة التعليم لا ينعكس على نتائج امتحان واحد فحسب، بل يمتد أثره إلى سوق العمل، والإنتاجية، والبحث العلمي، والقدرة على بناء مؤسسات قادرة على مواجهة الأزمات.

وفي الحالة الفلسطينية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا لتسريع التحول الرقمي في التعليم، وبناء منظومة أكثر مرونة تستطيع الاستمرار خلال الحروب والطوارئ، بما يضمن عدم انقطاع الطلبة عن حقهم في التعلم مهما كانت الظروف.

قد تعلن نتائج "التوجيهي" خلال أسابيع، لكن النتيجة الأهم ستظل مرتبطة بمستقبل التعليم الفلسطيني نفسه.

فالطلبة أثبتوا مرة أخرى أن الإرادة قادرة على تجاوز الحرب والنزوح والأزمة الاقتصادية، لكن مسؤولية المؤسسات لا تقل أهمية عن صمود الطلبة. فالتحدي الحقيقي يكمن في بناء منظومة تعليمية قادرة على حماية حق الأجيال المقبلة في تعليم منتظم وعالي الجودة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط