كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الثأر غابة العالم

الثأر غابة العالم

تاريخ النشر: 2018-11-20 | 18:49

الثأر هو غريزة دامية جامحة متوثبة تصدر عن النفس جهة قاتل أحد أقاربها فتقتله أو تقتل أحد أقاربه حال وفاة القاتل.
ولفظ الأقارب هنا لفظ شمولي يبدأ من الفرد ويمتد مروراً بالجماعة أو العائلة أو القبيلة أو الدولة ليقف عند أقصى مداه لمجموعة أحلاف كما حدث فى الحروب العالمية الأولى والثانية.

***
الثأر يختلف عن القصاص فى كل مرادفاته سواء معطياته أو نتائجه ، فهدْر دماء القاتل بالثأر هو الوجه المزيف للقصاص ، وهو فوضى دموية تحكمه تقاليد قبلية جماعية أو سجية فردية ، ولا تدخل معطياته فى إطار قبضة الدولة بل تتفاعل بعيداً عنها فى إطار دراماتيكى فوضوى.
لكن القصاص حياة ، و يكون فى قبضة الدولة لا قبضة الفرد أو الجماعة ، فالدولة تقتصّ بموجب القانون الذى لا يتواءم بتاتاً وتقاليد القبائل أو العشائر.
***
وعلى مر تاريخ الكائنات الحية كله سواء كان إنسان أو حيوان وحتى اللحظة التى أخطُّ فيها الأن تجد ظاهرة الثأر متجذرة فى تلك الكائنات وتمارسها فى لحظات التمكين، وقلما تتخلص منه إلا فى أضيق الحدود مثل تبنى عقيدة أو ثقافة تدفعه أو تكون غريزة مكتنفة داخل سياج الجبن فلا تنطلق بالنسبة للكائن المُكَلف.
وكلامنا سيكون مختصاً بظاهرة الثأر والإنتقام التى تخص الإنسان وليس الحيوان.
فى عهد الإنسان الأول وهو ءادم نجد مخلوقاً واحداً وهو إبليس ينتقم من ءادم فى بنيه كلهم لمجرد جُرْح كبريائه وهى تُمثل أول ظاهرة إنتقام خارج الأرض ، وإنْ كان لغوياً فى المعجم إن الثأر هو الدم بينما الإنتقام فالثأر مجال من مجالاته .
ومن العصور البارزة التى تجسد مرحلة هامة من مراحل الثأر نجدها فى عصور الجاهلية .
فانظر لحرب البسوس التى استمرتْ أربعين عاماً .وكذلك المعارك الداميه التى دارت بين الأوس والخزرج والتى بداتْ بحرب سمير وانتهتْ بحرب بُعاث.
وخروجاً عن الجنس العربي وولوجاً الى تاريخ أوروبا نجد أن المصادر التاريخيه الأوربيه التى وصلتنا من العصور الوسطى تدل على نشوب حروب ثأريه بين عائلات فى أنحاء أوروبا استمرتْ حوالى قرنين من الزمن.
وقد تتبلور ظاهرة الثأر خارج نطاق الفرد أو القبائل العربية أو العائلات الأوربية الى داخل نطاق الدولة أو فى مدىً أوسع نطاق أحلاف من عدة دول، كما أنها قد تحمل الماضى الغابر معها لعقود طوال وتلقى بظلالها فى حاضرها.
نجد ذلك مجسداً فى بللورة العداءات القديمه من العصور الوسطى الغابرة لتلقى بظلالها بنشوب الحرب العالميه الأولى والتى هُزِمتْ فيها ألمانيا وحلفاؤها وفُرضتْ عليها شروطاً مُجحفة.
وما تركت ألمانيا ثأرها ، فبعد حوالى 30 عاماً افرز الثأر الحرب العالميه الثانيه، تلك الحرب وقعت فيها أكبر مذبحه فى التاريخ الإنسانى ، فيها شنَّ هتلر ورجال دولته حرباً ثارية للتخلص من معاهده الذل والعار حسبما رءاها ذالك الحاكم الألمانى ورجال دولته..والتى هُزمت ايضا فيها إثر قيام الولايات المتحده الأمريكيه بالقصف النووى على هيروشيما وناجازاكى بسبب رفض اليابان الاستسلام الكامل دون شروط والتى كانت اليابان فيها مركز ثقل قوى للألمان.
ورغم مرور عقوداً طوال فلا أظن أن اليابانيين أو الألمان سينسون ثأرهم ، كل ما هنالك فقط أن الولايات المتحدة الأمريكية قوية بما يكفى لإخضاع هاتين الدولتين .
وفى القرن العشرين نجد هذه العمليات الثأرية التى شنتها أمريكا عقب أحداث الحادى من سبتمبر 2001ضد المسلمين الأمريكيين والعرب.
***
إن الثائر يطوقه من كل الجهات بركانٌ من النيران الملتهب ، هذا البركان عبارة عن حِمم يصدر من كيانه كأنها جِبلّة أو سجية طُبِعَ عليها ، ويردُ من محيط البيئة الجامحة التى تحوطه بقيد من الجحيم فتحصن هذه السجية وتقويها وتدفعها نحو المزيد من العزيمة والإقدام نحو الثأر فيصبح إهدار الدماء أفراح الغد.
هذه السيكولوجية لن يكبح جماحها الدواعى الأمنية الحكومية ولا ألف مدفع فوق رأسه ، المهم ان يظفر بضحيته فيقتلها.
ولن تسكن هذه النفس الثائرة ولو انتظرتْ الضحية ألف عام .وكما يرث الابناءُ الأباءَ فإن الثأر يورّثه السلفُ للخلف تِباعاً ويمتد لجيل بعد جيل.
لم تشاهد عين الثائر فى زخم المكان المكتظ بالناس إلا الضحية ، هذه الضحية أبصرها وكمه غيرها ، وما الإبصار والعمى فى هذه اللوحة ألا رسم منبثق من طموح ترعرع فى نفسه حول رؤية الدم السائل على الأرض.
تمتد اليد لتطلق ضربات قاتلة والتى تمثل للثائر لحظة الخلاص والتحرر من رق العار.
هى لحظه ينتحر فيها الضمير ويتذئب فيها ولى الدم ويهلع فيها الضحيه ولا يملك فيها إلا الهروب أو الاحتماء والتوارى خلف الاستار

***
أن من أشد العوامل لتفشى ظاهرة الثأر هى العصبية الجاهلية التى تبنتْ هذه الظاهرة وغذتها وحولتها لإرث يورّث للأبناء عند بلوغ سن الرشد.
ولا ننسى أيضاً دور الحكومات فى هذه الظاهرة..
فنشوب الصراعات السياسية فى أى بلد حول الحكم قد يؤدى إلى استفحال ظاهرة الثأر ، هذه الأنظمة تتخذ من هذه الظاهرة سِتاراً وعصابة لصرف الرأى العام حول قضايا الصراعات الدامية الفاضحة المتبادلة فيما بينها .أىْ أنها عصى موسي التى تصرف الجمهور عن جرائمهم التى استفحلتْ وتراءت للأعمى والبصير .
وهذه الأنظمة أحياناً تعمل على دمج إحدى العشائر معها فتتخذها حِلفاً لها لتساعدها للوصول الى الحكم أو بعض المناصب الحكومية المرموقة بطريقة غير مباشرة نظير نصرتها على عشيرة أخرى بينها وبين الأولى بعض النزاعات التى قد تمتد بعد ذلك الى سفك الدماء التى تتبادل فيما بينهم يوماً بعد يوم حتى تمتد لسنين وقد تطول إلى عدة عقود.

***
وعندما يسيل دم الضحية تنهار معه الأُسر والجماعات فتتفكك المجتمعات وتنهار الحضارات بمعاول انبجاس الدماء.
بل عند توسع دائرة الثأر ليشمل مجموعة من أحلاف دول تنهار الإنسانية كلها وتتذئب وتعوى فى ملايين الدماء.

***
قد تتدخل العقيدة السماوية التى يعتنقها الثائر فتتصارع مع العادة الثارية المتجذرة لدى القبيلة أو العائلة ، فَتغلِب أو تُغلَب ،
وستكون الغلبة فى هذا الصراع لمدى تمكن إحداها على الأخرى .وعلينا نحن أولو الألباب أن ندفع دائماً بالعامل الدينى ونؤصّله ونجعله الركيزة الأساسية فى إنهاء الصراع ، لأن الحافز الدينى يحرّم الثأر ويحل القصاص.
أمّا مسألة التوعية الثقافية فى هذه المجتمعات القبلية فرادعه ضعيف جداً إذ أنّ ظاهرة الثأر عندهم متجذرة فى قلوبهم كعقيدة تتبناها الرسل فى تبليغ رسالات الله.
وليست الدواعى الأمنية التى تتخذها الدول إزاء هذه المجتمعات القبلية أحسن حالاً من التوعية الثقافية فكلاهما فاشل فى معالجة هذه القضية الدموية لأنه كما قلت أن الثأر بالنسبة لهم عقيدة ورسالة إذا تركها أحد افرادهم يسمونه بالصابئ.
لقد أثبتتْ العقيدة نجاعها فى القضاء على ظاهرة الثأر ، فالأوس والخزرج مثلاً أنتهت حروبهم تحت مظلة العقيدة الأسلامية.
إن أكثر الدول إيلاماً وتجذراً لظاهرة الثأر هما قبائل اليمن وصعيد مصر.
إن ظاهرة الثأر المتفشية فيهما قديمة جداً بل متوارثة من جيل إلى جيل ولن يقف حمام نزيف هذه الدماء بالقوانين والدساتير الموضوعة لدى هاتين الدولتين .
لابد من إصدار قوانين خاصة لظاهرة الثأر من أكبر الهيئات القضائية فى هاتين الدولتين ، وأن كانت تختلف كلياً وجزئياً عن قوانين القتل العادية .
هو باب فى الجنايات يدرج تحت مسمى "ظاهرة الثأر والأحكام المتعلقة به " إشارة من الهيئة القضائية أن الأحكام المتعلقة بظاهرة الثأر من عقوبات تحتلف فى محتواها ومضامينها عن تلك الموجودة فى جرائم القتل العادية .
ولكى نحقق العدل فجرائم القتل فى الدستور منها ما يستوجب الإعدام ومنها ما يستوجب الاشغال الشاقة المؤبدة ومنها فى حالات قليلة جداً ياخذ الجانى فيها حكم مخفف بالسجن لبضع سنوات ثم يعفو عنه وخاصة لو كان حسن السير والسلوك .
وقضيتنا هنا مع الحالة الثانية والثالثة لإنها لم تمثل بالنسبة للثائر زوال عاره وبالتالى يأتى القانون الجديد الخاص بأحكام ظاهرة الثأر ليمنع إهدار الدماء.
عندما تكون العقوبة أشغال شاقة مؤبدة فإنى أرى قيام الدولة بإصدار حكم من القضاء بالإعدام تجنباً لحدوث عقوبتين له واحدة عادلة باسم الدولة والأخرى جائرة باسم الثائر.
أما الحالة الثالثة فأرى يتم فيها احتجاز القاتل بعد قضاء العقوبة وتوفير ملاذ أمن له ولو اقتضى الأمر بترحيله خارج البلاد.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط