كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الثقافة والتربية العربية بين الشيطنة و التأليه

    هذه ليست ظاهرة جديدة في الحياة الثقافية والتربية العربية، بل نعيشها منذ عصور طويلة حيث لا وسطية أو موضوعية في الأحكام. فمن نحبه شخصا نقدّسه وصولا لمرحلة التأليه، ومن نكرههه نعاديه وصولا لمرحلة الشيطنة، وبالتالي الشخص في ثقافتنا إما إلها أو شيطانا. أي لا توجد لدينا وسطية تورد ايجابيات الشخص و سلبياته او سلبياته فقط إن لم تكن له ايجابيات ولكن بإسلوب علمي موضوعي يعتمد على الحقائق التي تدحض حقائق مغايرة. وأفضل مثال قديم على أسلوب الشيطنة والتأليه هو:

الشاعر أبو الطيب المتنبي،

الذي ولد في مدينة الكوفة العراقية عام 915 م ، ومن صغره عاش حياة الشعور النرجسي المتضخم ، إلى درجة أنّه وصف و مدح نفسه قائلا:

سيعلم الجمع ممن ضمّ مجلسنا بأنّني خير من تسعى به قدم

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم

هذا الشعور الذي يضع نفسه فوق كل البشرية ( من تسعى به قدم ) ، قاده ليظلّ طامعا في سيادة أو ولاية ما وبأي ثمن كان، لذلك تنقل في فكره بين الشيعة والزيدية وفي مدن أخرى إدّعى انّه علوي كي يلتحق به المريدون، فسجنه لؤلؤة أمير حمص وأودعه السجن لمدة سنتين، ثم التحق ب "سيف الدولة الحمداني " طامعا في ولاية ما وظلّ يمدحه تسع سنوات متتالية، فلمّا خذله سيف الدولة سافر إلى مصر حيث كان حاكمها "كافور الأخشيدي" الذي عرف نفسية المتنبي فقاده ذكاؤه لإستغلال هذا الإنتهازي فوعده بولاية ما، فبدأ هذا الشاعر في تدبيج قصائد مديح في كافور الأخشيدي لمدة أربع سنوات كاملة، قال فيه المرة الأولى:

أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقا إليه ، وذا اليوم الذي كنت راجيا

إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية فجودك يكسوني وشغلك يسلب

ويغالي في مديحه الإنتهازي قائلا في كافور:

ولكن بالفسطاط بحرا أزرته حياتي ونصحي والهوى والقوافيا

ثم يفصح علانية عن رغبته و أمنيته من كافور الأخشيدي:

وغير كثير أن يزورك راجل فيرجع ملكا للعراقيين واليا

وعندما اقتربت سنته الرابعة في مصر وهو يمدح كافور ويهين نفسه أمامه دون ولاية أو وعد بها، قال بإذلال لا مثيل له مخاطبا كافور:

مولاي هل في الكأس فضل أناله فإنّي أغني منذ حين و تشرب

ولما بلغ به اليأس منتهاه وأدرك أنّ كافور يستغله كي ينال مديحا أكثر، ترك مصر وبدأ ينظم عكس مديحه تماما، هاجيا كافور بأقذع الصفات واللعنات، وتكفي الأبيات التي سمعها و حفظها الكثيرون خاصة النزعة العنصرية فيها كون كافور الأخشيدي أسود اللون:

العبد ليس لحر صالح بأخ لو أنّه في ثياب الحر مولود

لا تشتر العبد إلا والعصا معه إنّ العبيد لأنجاس مناكيد

ثم يقول في كافور بعنصرية كريهة:

و تعجبني رجلاك في النعل أنّني رأيتك ذا نعل ولو كنت حافيا

وأنّك لا تدري ألونك أسود من الجهل أم قد صار أبيض صافيا

 

ويواصل المتنبي فاضحا عنصريته المقيتة فيقول في كافور:

 

لا يقبض الموت نفسا من نفوسهم إلا وفي يده من نتنها عود

من علم الأسود المخصي مكرمة أقومه البيض أم آباؤه السود

أم أذنه في يد النخاس دامية أم قدره وهو بالفلسين مردود

 

فهل هناك انتهازية أكثر من هذا تتأرجح بين التأليه والشيطنة والعنصرية التي لو قالها وأفصح عنها شخص ما اليوم لتمّ تقديمه للمحاكمة؟ ورغم ذلك يعتبر كثيرون أبو الطيب المتنبي شاعر العروبة والعرب..

وشفيق الكمالي مثالا معاصرا

إذ تكفي هذه الأبيات التي قالها في صدام حسين:

تبارك وجهك الوضاء فينا كوجه الله ينضح بالجلال

عليهم قد دخلنا ديزفال هزمنا الفرس ضربا بالنعال

ثم واصل انتهازيته وتأليهه لصدام محتقرا كل الشعب العراقي قائلا:

( لولاك ما طلع القمر، لولاك ما هطل المطر، لولاك لما أخضر الشجر، لولاك أيضا ما رأى أحد ولا عرف النظر، لولاك ما كان العراقيون معدودين في البشر، بل لم يكونوا في الخلائق، أو لكانوا بدون سمع أو بصر، إنا لنحمد حظنا، إذ كنت حصتنا وجاء بك القدر).

ويواصل كذبه لدرجة الكفر إذ رأى في عيني صدام الله تعالى والعرب أجمع:

أخي صدام لا زلفى ولكن بعض ما وجبا فما أنت الذي يزهو بمدح قيل أو كتبا

ولست بشاعر يرجو نوالا منك أو نسبا ولكنني رأيت الله في عينيك والعربا

ثم يقوم صدام بقتله هو وابنه يعرب!!!

وامثلة معاصرة من التأليه والشيطنة:

مرسي و السيسي

بعد أن قام الفريق عبد الفتاح السيسي بعزل الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، انقسم الشارع المصري والعربي ايضا ضمن توزيعة التأليه و الشيطنة، فأنصار كل من مرسي والسيسي جعلوا منهما إلها واجب الإحترام والتقديس. وكمثال فقط فقد قال أحد شيوخ الأزهر لا داعي لذكر اسمه عن السيسي : " إنّه بمثابة الرسول الذي أرسله الله لمصر لينقذ شعبها " . وضمن نفس مسيرة التأليه قال لواء سابق بالجيش المصري: " السيسي ابن سيدنا الحسين وأرسله الله لينقذ مصر من الإخوان المسلمين ". وفي المقابل يرفض أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي أية انتقادات له حتى لو نقدته في توجيهه خطابا رسميا لرئيس الكيان الصهيوني شيمعون بيريز يخاطبه فيه ب " صديقي العزيز "، او أن تسأل لماذا لم يفكّر الرئيس مرسي طوال عام من حكمه في الغاء اتفاقية كامب ديفيد التي يطالب أنصار عودة الشرعية الآن بضرورة الغائها. وللحقيقة فقد بالغ الرئيس مرسي وانصاره في تضخيم انجازاته خلال سنة واحدة من حكمه بإصدار كتيب عن انجازات الرئيس من 56 صفحة يتحدث بمبالغة لم يعشها الشعب المصري عن انجاوات الرئيس "السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسة الخارجية والعسكرية والتعليم والصحة والنقل والعمال ومكافحة الفساد وشهداء ومصابى الثورة والحريات العامة والحياد الشخصى". وكذلك أنصار الفريق السيسي الذين يشيكنون كل من يخالفه أو ينتقده.

واخيرا تأليه أردوغان وشيطنة خصومه

كان أردوغان رئيس وزراء تركيا من مارس 2003 إلى أغسطس 2014 ، وهو رئيس تركيا منذ العاشر من أغسطس 2014 بعد نجاحه في الإنتخابات الرئاسية التركية. وقبل هذه الانتخابات توجه شيخ أزهري مشهور للغاية للشعب التركي داعيا إياه أن ينتخب أردوغان لأنّه " الرجل القوي الأمين، الحفيظ العليم، المخلص لبلده ودينه وأمته..أردوغان سينجح لأنّ الله معه و جبريل و صالح المؤمنين". وضمن نفس التيار حقيقة يرفض أنصار أردوغان اية انتقادات له حتى ولو كانت:

_ فضّه لإعتصام ألاف من الشعب التركي في ساحة تقسيم بمدينة استانبول بالقوة ووقوع قتلى وجرحى.

_ استمرار رفضه وكافة حكام تركيا من قبله الاعتراف بالمجازر الجماعية التي تعرض لها الشعب الأرمني في سنوات الحرب العالمية الأولى وراح ضحيتها ما يزيد على مليون مواطن أرمني.

_ استمراره وكافة حكام تركيا من قبله في احتلال لواء الإسكندرونة السوري العربي منذ عام 1936 .

_ استمراره وكافة حكام تركيا من قبله في مصادرة غالبية حقوق الومية الكردية داخل تركيا التي تزيد عن 11 مليون نسمة بما فيها حقهم في استعمال لغتهم القومية الكردية.

_ استمراره في الاعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي وقيام كافة العلاقات معها من دبلوماسية و عسكرية واقتصادية وسياحية..هذا الاعتراف منذ عام 1950 حلال على أردوغان وحكام تركيا المسلمين وحرام على الحكام العرب.

وهكذا تكفي هذه الأمثلة القديمة والحديثة للتدليل على نزعة الشيطنة والتأليه في ثقافتنا العربية حيث لا ثالث لهما، وبالتالي فغالبيتنا إما أنت معي وأفكاري أو انت شيطان يستحق الرجم، بدليل الصراخ والضرب بالأحذية وطفايات السجاير وإطلاق الرصاص علانية في بعض البرامج التلفزيونية والبرلمانات العربية..ولا نستغرب شيوع هذه الممارسات عندما يكون من أشهر الأمثلة العربية المتداولة منذ مئات السنين : " خذوهم بالصوت العالي قبل أن يغلبوكم" و " أنا وأخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب "..وقول الشاعر عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الآخرينا

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط