كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الثقافة والمثقف والسلطة

الثقافة والمثقف والسلطة

تاريخ النشر: 2020-08-17 | 14:21

شريف حسني الشريف
شريف حسني الشريف

اعتبر سارتر الفيلسوف الوجودي الفرنسي في كتاباته، أن الانسان ليس له الخيار في أن يكون حراً أو لا يكون كذلك، بل هو محكوم بالحرية. ولكن باعتبار أن الثقافة هي نتاج إنساني تنبع من الانسان وتتركز حوله، بكل ما تشتمل عليه، وتتضمنه، يصبح الموضوع مختلفاً نوعاً ما. لا يولد الانسان مثقفا، بل عليه أن يسعى ليكون كذلك، وقد ينجح في مسعاه وقد يخفق، ففي إطار الفعل، يصبح لكل شخص الحرية المطلقة ضمن شرط النسبية، في أن يكون مثقفاً أو لا يكون، وكما قيل مع القوة تأتي المسؤولية، كذلك مع الثقافة يأتي الواجب. وإذا كانت الثقافة هي ما يجعل الإنسان مثقفا بالمعنى الاصطلاحي المعاصر، فإن المثقف هو من مهنته استهلاك الموارد الفكرية والمساهمة في نشرها وانتاجها، بحسب المفكر الراحل محمد عبد الجابري الذي عرف الخطاب باعتباره مقولة الكاتب، على أنه بناء من الأفكار إذا تعلق بوجهة نظر،  يعبر عنها استدلاليا، على شكل مقدمات ونتائج. والمثقف ليس منسلخاً عن الواقع، حيث يرى علي حرب أن للمثقف مهمة نضالية، تكمن في اهتمامه بالقضايا العامة، والدفاع عن الحريات، والانخراط المباشر في العمل، لتغيير الواقع الاجتماعي والسياسي، من خلال تبنيه لخيارات معينة.

كل مثقف إما يمتلك خطابا ً خاصا به، أو يكون في مجمل ما يقدم انعكاسا لخطاب آخر.  قد يوجد تشابه في الشروط والمعطيات والأسس والمبادئ مع الغرب، ولكن ليس بالضرورة أن يؤدي التشابه إلى النتائج ذاتها. ففي ضوء اختلاف التركيبة الاجتماعية، والظروف والعوامل الاقتصادية، والأنساق المعرفية، دائما ما يوجد اختلاف حاد.

يولد المثقف  هنا من رحم المعاناة، ليجد سوط الجلاد بانتظاره، كتوقيع مستعجل لشهادة الميلاد. فإما أن يقبض بيديه  العاريتين على السوط، ويتلقى بصدره الضربات، كي يسمع العالم أنين الآلاف في  صدى صرخته، أو أن  يستحيل إلى مواء ناعم لقط  أليف. حيث أن من جماليات الحياة، إفساح المجال للاختيار، ما بين التحليق في كإمكانيات لا متناهية يثريها العمق الانساني، أو أن نكون مجرد ظلالا تتلاشى. و على اعتبار أن المثقف من حيث هو كذلك، وبحكم الضرورة بحاجة إلى وسط يحتضنه، فهو لا ينشأ محلقاً في الفراغ خارج المنظومة المجتمعية، ولكن إليه يرجع اتخاذ القرار إما بالانكماش والتخافت، أو القيام بصياغة الذات على نحو لا يسعى للتماهي مع المجتمع، بل يعمل على تفتح إمكانياته بما يتيح لها  الاسهام  في نمو المجتمع، من خلال تلمس العوائق وازالتها، وازاحة كل ما يكرس الجمود،  ويعيق الإبداع.

العلاقة بين الثقافة والسلطة علاقة مركبة تتضمن بعدا ًجدليا، وصراعا بين نقيضين لا يمكن لهما التعايش معاً في إطار علاقة متوازنة، وفي أحيان كثيرة تكون الثقافة هي الطرف الاضعف، أو أن وجود أحدهما يقتضي إنتفاء الآخر. الواقع يظهر أن الثقافة بكل تجلياتها، لطالما عملت في خدمة السلطة، بأكثر مما عملت السلطة على خدمتها. إضافة إلى أن التجهيل والتغييب والتخدير، هي وسائل السلطة لإقصاء كل وعي مستنير أو في طور الاستنارة عن الواقع. وقد أوضحت التجربة، أن المثقف الذي يقارب السياسة في ظل السلطان، يسيس الثقافة ولا يثقف السياسة.

قيل  سابقاً بأن الثقافة هي أن تعرف شيئا عن كل شيء وأن تعرف كل شيء عن شيء بعينه. ما يجري على صعيد السلطة هو الادعاء المتعاظم بمعرفة كل شيء عن كل شيء، مع عدم معرفة أي شيء عن أي شيء. يقول غوبلز وزير الاعلام والدعاية الهتلري، عندما أسمع كلمة مثقف أضع يدي على مسدسي، وعلى ما يبدو في وقتنا الراهن، أنه لم يعد بحاجة للقيام بذلك. فالثقافة عند خضوعها للسلطة تصبح أيدلوجيا، يتم توظيفها لتحويل المجتمع الى كم متجانس، تسوده قيم الطاعة والخضوع. عندما يتصادم المثقف والواقع الذي تمثله السلطة كثيراً ما يكون الانتحار هو نهاية غير مرتقبة لهذا الصدام، انتحار يوكيو ميشيما الكاتب الياباني الحائز على نوبل مثال على ذلك. السلطة تنجب مثقفها الذي يدافع عنها، ويبرر كل أفعالها، لأنه يدافع في الوقت نفسه عن مصالحه فبمقدار ما تسخره السلطة كي يكون بوقا ًلها، كذلك يقوم بالمثل كي تكرسه وتحمي مصالحه، حيث ولى مفهوم المثقف الرسولي ربما إلى غير رجعة.
فيما سبق كان الشاعر يمتلك حساً يكاد يكون رؤيوياً، والشواهد على ذلك كثيرة، حيث البصيرة والحدس يلعبان دورا أساسيا في تشكيل القصيدة، وإبداع الخطاب الشعري. ولكن الإحاطة بالواقع وتشريح مفرداته يتطلبان ما هو أكثر، في إطار الرصد والتحليل واستخلاص المعطيات، بحاجة والمنهج والبصيرة. من المشروع الطموح الى وجود تكامل ما بين السلطة والثقافة، في ظل مركزية الانسان بالقلب منهما، وفي حيز إقصاء الأيديولوجيا الساعية إلى تدجين وتغييب الصوت الآخر، تفضي إلى التشاركية والتفتح والنمو في إطار جدلي، يسمح لكل الإمكانات بالتفتح بدلا ً من إلغاءها، وليس لصراع وجودي يبدأ بتهميش الآخر، ينتهي بتدميره.

الثقافة بعيدا عن هموم الناس ووجعهم، هي انعزال في برج عاجي، يطل من نافذة صماء، على فناء الذات، حيث الصمت الموحش هو ما يسود، وانعكاس يتكرر عبر المرايا، التي تكمن مهمتها في إشباع هاجس العظمة، وتضخم الذات.

ترتبط الثقافة بالتغيير والثورة على الواقع، وكسر القيود، والعمل على تجاوز كل ما يحول دون ارتقاء الانسان. ولا تقوم على تكريس وجود و مصالح فئة محددة، على حساب سائر مكونات المجتمع، متكئة على عدة مفاهيمية، وخطابية شعاراتية، عفى عليها الزمن. بأن ما هو قائم، يجسد أقصى ما يمكن الوصول إليه, وان العالم المتشكل يوافق مقولة الفيلسوف الألماني ليبنتز حول أفضل العوالم الممكنة.

لا يمكن الحديث عن الثقافة بدون التركيز على البعد المجتمعي من خلال الوظيفة المنوطة بها ، ولا عن المثقف خارج الإطار المجتمعي، والدور الموكل إليه. ليس للمثقف أن يكون لامنتمياً في الوقت الذي يعلن فيه أنه متجذر في المجتمع، وليس لنا أن نفرض الوصاية عليه، بل هو الوصي على نفسه، في دائرة الشعور بالمسؤولية النابعة من الذات. و للمثقف أن يكون متمرداً على التأطير والتخلف وتغييب الوعي، وأن يقول لا، حين يقال حذار من الذين لا يعرفون سوى أن يقولوا نعم. كما نه لا يختبئ وراء شهادات مزيفة، كي يصرخ كما يحلو له، متحصنا بقطعة من ورق، فهي لا تعد صك براءة يتيح له أن يتصرف كما يحلو له، بل ثمة ضوابط مهمتها إزالة الفوضى، ووضع النواظم التي تسهم في المسير نحو الرقي.

في حوار السيد والعبد البابلي الشهير، الذي يعود إلى فترة ثلاثة آلاف عام، يترك العبد سيده المتردد ما بين الفعل والاقدام، وما بين الفعل والإحجام، في صراع وجودي ما بين الرغبات والأمنيات، كي ينضم إلى المدن المنسية التي تكابد دفاعاً عن حقها في الوجود، والتخلص من السلبية والاكتفاء بالمشاهدة، والانخراط في صميم الفعل التحرري، كي يكون شاهداً على العصر. تاركاً المجال مفتوحاً لنا، عسى أن نفكر بالسير على خطاه. وبذلك ينال حريته ويتخلص من العبودية التي يخضع لها، من خلال الانغماس في الفعل، الذي يرفع عالياً صوت الحياة في وجه الطغاة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط