كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الثمن

الثمن

تاريخ النشر: 2025-09-12 | 11:06

لم يبخل محمود على رؤسائه بأية معلومة من شانها ان تفيدهم، كان يشرح الامور بالتفصيل الممل وقد اتاح له موقعه الاطلاع على كل الفعاليات والبرامج، لقد اظهر حماسا منقطع النظير فاستطاع ان يدخل كل الاطر، الا انه كان يدرك جيدا بأن لكل شيء نهاية ولا بد من ان يأتي يومٌ ينكشف فيه امره، ولكن الى ذلك الحين (يخلق الله ما لا تعلمون) كانت الاغراءات قوية.. فالصفقة واضحة:

"إذا ما انكشف امرك، تنتقل فورا للعيش داخل اسرائيل.. سوف تمنح لك سيارة مع راتب شهري يقدر بألفي دولار مدى الحياة اضافة الى شقة، ذلك شريطة الا ترتكب اية مخالفة جنائية، والا فقدت الجلد والسَقط كما يقولون.."

 لم يكن الجهاز يكتف بالمعلومات الشفوية التي يطلعهم عليها محمود، اذ قاموا بتزويده في احدى المرات بآلات تصوير دقيقة للغاية ليزرعها في اماكن محددة كما زودوه أكثر من مرة بمادة سرية يقوم بدلقها فوق سيارات المطلوبين من القيادات فتعطي تلك المادة انعكاسا خاصا لأجهزة طائرات الاستطلاع والقنص، ليوجه الطيار صاروخه بدقة ليدمر السيارة بمن فيها. وكم كان محمود حزينا عندما تطايرت اجساد ابن عمه وزوجته وابنهما الرضيع اشلاءً عندما وجهت الاباتشي صاروخها على سيارته؟! انتابته لفترة حالة من عذاب الضمير، وتزايدت عمليات ملاحقة القيادات ميدانيا، فقررت تلك القيادات رصد تحركات بعضها البعض لمعرفة الوشاة. وعندما أحس محمود انه بات موضعا للشك لاذ بالفرار غير آبه للشك الذي تأكد في نفوس ذويه.

 استقبله مسؤول المخابرات "حاييم" بالترحاب، شاكرا له جهوده، وقدم له استمارة ليقوم بتقديمها الى احدى وكالات السيارات الحديثة، لاستلام سيارة منها، اما بالنسبة للشقة فقد أخبره بأن هناك بعض الترتيبات الضرورية لا بد من اجرائها قبل ان تسلم له، ويمكنه حتى ذلك الحين ان يقيم في الفندق الذي يحلو له، وانهم سوف يتولون دفع الفاتورة عنه حتى يتسلم الشقة، اما بالنسبة للمعاش فهو سار منذ تلك اللحظة، وبعد صمت اضاف حاييم:

"سنكون لك سندا مدى الحياة، فقد تم بفضل جهودك، افشال الكثير من العمليات التخريبية. اننا نقدر اصدقاءنا، ونتمنى لك الصحة والنجاح في حياتك الجديدة المريحة ولكن تذكر جيدا بأن راحتك مرهونة بعدم قيامك بأي مخالفات جنائية لأنك عندها ستخسر كل شيء فالقانون عندنا هو القانون.

ثم غادر محمود وبه شيء من القلق لا يدري مصدره، توجه الى مكتب وكالة السيارات لاستلام السيارة، وهناك وجد المسؤول في انتظاره، استقبله بترحاب وقام بواجب ضيافته، وبعد ان قام بأعداد وتوقيع كافة المستندات اللازمة، قاده الى المرآب واشار بأصبعه وابتسامة عريضة تشيع في وجهه وهو يقول:

"هذه سيارتك مبروك...

اقترب محمود من السيارة، واخذ يمرر فوقها كفه بحنان والمسؤول يشرح ويوضح له مميزات هذا النوع بالذات، وهو يستمع اليه دون ان يستوعب مما يقوله شيئا، لأنه كان يحلق في عالم آخر امتلأ بالبهجة والنشوة والبشر... "اخيرا نلت اجرا حقيقيا عن عملي... ياه.. حقا انهم صادقون بوعودهم.." حدث محمود نفسه بذلك وهو يجلس خلف مقود السيارة، وراح يلامسه في زهو وانبهار... ادار المحرك، ثم انطلق وهو يلوح للمسؤول بيديه. اخذ يصول ويجول في شوارع تل ابيب وهو يدندن سعيدا (عش كما تهوي.. قريبا او بعيدا) وكان قد قرر ان لا ينزع غطاء النايلون عن الكراسي حتى يلفت انتباه المارة بأنه يقود سيارة خارجة لتوها من المستودعات.. وعندما توقف عند ممر للمشاة في انتظار الضوء الاخضر من الاشارة الضوئية، سحرته ابتسامة فتاة شقية.. ولكن سرعان ما فتح الخط، فعاد يصول ويجول وهو يحدث نفسه: "يبدو ان الصبايا هنا هن اللواتي يتحرشن بالشباب.. ايوه.. بكفينا ما كنا نعاني منهن"... وبعد أكثر من ساعة، فكر: "ان النهار ما زال طويلا، فكيف سأمضي وقتي".. ولكن فرحه وسروره في السيارة لم يجعلاه يشعر بالملل. وامام احدى دور السينما التي كان قد دخلها في السابق أكثر من مرة، توقف.. القى نظرة على اعلانات الفيلم المعروض.. هتف: "آه.. الحظ اليوم من السماء... سكس"... فركن سيارته في الموقف، ودخل الى السينما ليعيش ساعتين متواصلتين وهو في حالة من الشبق اثاره حتى بدأ يلهث.. في تلك اللحظة، كان "حاييم" يعرض على "بنينه" فيلما، يبين صور عدد من العملاء. و"بنينة" احدى الفتيات صاعقات الجمال، ممن اخترن خصيصا لأداء بعض المهام الخاصة.

خرج محمود من السينما شبقا، وعاد يصول ويجول، وقبل المغيب استعرض منطقة الفنادق، وقرر ان ينزل في احد الفنادق المطلة مباشرة على الشاطئ، دخل الى بهو الفندق الذي اختاره بالصدفة، وتوجه الى زاوية الاستقبال، شرح للموظفة التي استقبلته بابتسامة خدّرت اوصاله، أبرز بطاقة مدون فيها بالخط العريض ثلاثة أحرف (أ- ح- م) وتعني بالعربية رجل مهم جدا، وهي بطاقة تمنح في العادة للعملاء لكي يتم تسهيل امورهم على (الحواجز)، بهتت الابتسامة بين شفتي الموظفة وهي تطلب منه "بطاقة الاعتماد" التي لم تكن بحوزته فاضطرت الى استدعاء مدير الفندق، الذي اتصل بدوره مع "حاييم" وكإجراء احترازي طلب المدير ارسال وثيقة تعهد بواسطة الفاكس ثم توجه الى محمود قائلا وهو يشير الى احد المقاعد المريحة:

"بإمكانك ان تجلس هناك حتى يصل الفاكس.

انزعج محمود من الامر وكاد ان يحتج على مدير الفندق الذي افهمه بدوره ان الفندق منطقة خاصة لا علاقة للمخابرات بها، وان الاجراء الذي اتخذه هو نوع من التسهيل غير المطلوب، اذ كان على رجل المخابرات ان يتصل ويقوم بالحجز قبل وصوله.. وانتظر محمود بنفاذ صبر وضيق، حتى تمت الاجراءات التي استغرقت أكثر من ساعة وفي الصباح نهض محمود متأخرا فأسرع الى غرفة الطعام وتناول فطوره ثم توجه الى الشاطئ. هناك لم يصدق ما يدور، فهذه فتاة جميلة بالنسبة له كانت كالحلم، تشير اليه بأن يلحق بها، وقبل ان تتلقى منه جوابا القت نفسها في الماء.. تساءل محمود مع نفسه.. "ترى هل تقصدني؟"... نظر يمينا ويسارا، فلم يجد احدا غيره فأردف لنفسه: "انها تقصدني".. فهم باللحاق بها، ولكنه لم يجرؤ، لقد منعه شيء ما وهو يكذب نفسه.. "انها لا تقصدني، ومن انا حتى تقصدني فتاة بهذا المستوى من الجمال". وكان محمود يملك حضورا جيدا، لونه اسمر، وزادته اشعة الشمس سمرة ليصبح لونا برونزيا، وهذا اللون غريب على القادمات من اوروبا وروسيا. اخذته (كبسة الشمس) في غفوة لذيذة. وعندما استيقظ تمنى لو طالت غفوته.. نهض وتوجه الى الفندق، وعاد يسترخي مجددا.. وعندما هل الليل، قرر ان يستكشف كافة العوالم من حوله، فتوجه الى ناد ليلي، جلس وطلب زجاجة "جعة".. وعندما اخذ يرشف منها اقتربت منه فتاة، توقفت قبالته قائلة بصوت هز كيانه كصعقة كهربائية:

"ان رائحة عطرك رائعة جدا"

 - شكرا.

 * هيا بنا نرقص...

- انا لا اجيد الرقص

*سوف اعلمك

 اقتربت منه. امسكت بيده، ثم جذبته الى الاعلى ليقف.. نظر اليها محمود غير مصدق.. بهره جمالها الصاعق، فقال لنفسه: "يبدو انها حورية قادمة من عالم آخر"... سار برفقتها حتى وصلا الى باحة الرقص. اخذت الفتاة تهتز على ايقاع الموسيقى الصاخبة، اشارت اليه بأن يقترب، قالت له وهي تصب كلماتها في اذنه:

- قلد حركاتي وستجد نفسك منسجما مع الايقاعات الموسيقية تلقائيا..

 ثم مرت بشفتيها فوق شفتيه بقبلة بنّجته... لم يستوعب محمود حركة الفتاة التي اذهلته. امسكته بكلتا يديه ونفضته، فأفاق من حالته، وتأكد بأنه يعيش واقعا. قام محمود ببعض الحركات، لحظات وهدأت الموسيقى الصاخبة لتنساب موسيقى هادئة، فتعانق الراقصون. همست الفتاة في اذنه:

*اسمي "بنينه" فما هو اسمك؟

 صمت محمود ولم يجب.. فكر في ان يطلق على نفسه اسما يسهل امره، الا ان "بنينه" التي كانت تعرف كل كبيرة وصغيرة عنه احتضنته بقوة وقالت:

 *ما لك حزينا، ان من هو في روعتك يجب ان يعيش سعيدا.. يجب ان يحلق في السماء.

 لم يعلق محمود على حديثها، فقد كان مصعوقا، فأردفت بنينه قائلة:

 *ارجو الا اكون قد ضايقتك؟!

اخذت تدغدغه بخفة، وتحتك به، وكانت حركاتها منسجمة تلقائيا مع الايقاعات الموسيقية، حتى احست برجولته؟!! وعندها قالت له:

*لقد وجدت فيك ضالتي. فما هي حقيقة شعورك نحوي؟

 - الحقيقة انني لا اصدق... ما الذي يدفع حورية مثلك الى احضان لا يتقن اللعب؟

 * ولم لا؟ أنك تملك كل المقومات المطلوبة التي تطلبها كل فتاة.

 واستمرت "بنينه" في حركاتها حتى احست بأنه بات ملك يديها، وعندها سألته:

*اين ستتوجه بعد انتهاء الحفل؟

 ثم نفثت انفاسها الحارة على عنقه، فأحس بلهيب تلك الانفاس وهو يقول:

 - الى الفندق.. سأكون مضطرا للمبيت هناك حتى احصل على شقتي بعد ايام..

*أذهب معك الى الفندق؟

 - ولكن لا أدرى ماذا سيكون ردة فعل مدير الفندق...

 *لا عليك.. سوف أتدبر الامر معه...

 لم تنتظر الاجابة واخذته في قبلة "فرنسية". لم يكن قد تعرف محمود على هذا النوع من القبل في حياته. كان يعتقد بأن هذه القبل لا تمارس الا في الافلام، ارتخت مفاصله وكاد ان يسقط، ولكنها امسكت به وهي تقول بصوت ماعت له اطرافه:

 *هيا بنا...

واستمرت اللقاءات الملتهبة. ومحمود مسحورا بها. وكان عادة ما يقول لنفسه: "هذه هي الحياة.. من اين كنت ساجد بين اهلي مثل هذا النعيم. فرق شاسع بين هنا وهناك، فهنا المياه المتدفقة، بينما هناك تمنح المياه بالقطارة. رائحة الصبايا هنا تنعش الروح، بينما رائحة العرق هناك تقزز النفس". واستفاق ذات يوم على صوت طرق عنيف على الباب.. نظر الى حيث تنام بنينه الى جواره، فلم يجدها. نهض مسرعا ليرى من الطارق... فتح الباب. كانت هناك مجموعة من رجال الشرطة، قال الضابط: *لدينا امر بتفتيش الغرفة..

- غرفتي انا؟!!

* أأنت محمود العبد؟

- نعم...

ودخل رجال الشرطة وتوجهوا الى السرير، وعندما رفعوا الفرشة عثروا على كيس كان بداخله مسحوق ابيض، وعندها فقط استوعب الفخ الذي نصب له، وانه العصفور الذي نقر الدودة وكان عادة يصرخ من وراء القضبان.. انا براقش... انا براقش

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط