كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة: مغالبة المستحيل في خيام النزوح

الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة: مغالبة المستحيل في خيام النزوح

تاريخ النشر: 2026-01-22 | 17:18

في مشهدٍ يكاد يتجاوز حدود المعقول، تحاول الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة أن تواصل رسالتها التعليمية وسط حرب إبادة ونزوح جماعي واسع، حوّل الخيام إلى مساكن مؤقتة، والساحات المكشوفة إلى قاعات تدريس، والهواتف المحمولة إلى بدائل هشة عن الفصول والمختبرات. لقد بات التعليم الجامعي، الذي يُفترض أن يكون عنوان الاستقرار وبوابة المستقبل، فعلاً يومياً من أفعال الصمود ومغالبة المستحيل في خيام النزوح، لا يقل قسوة عن معركة البقاء نفسها.
منذ اندلاع الحرب، وما رافقها من تدمير واسع طال عدداً كبيراً من المباني الجامعية، تعرّض قطاع التعليم العالي في غزة لشللٍ شبه كامل. جامعات عريقة مثل الجامعة الإسلامية بغزة وجامعة الأزهر – غزة، إلى جانب جامعات حكومية ومعاهد أكاديمية خاصة، وجدت نفسها أمام واقع غير مسبوق: طلبة نازحون في كل الاتجاهات، أكاديميون مشرَّدون، بنية تحتية مدمَّرة، وانقطاع شبه دائم للكهرباء والإنترنت، فضلاً عن حالة نفسية عامة مثقلة بالقصف والفقدان والخوف والجوع.
ومع ذلك، لم تُرفع الراية البيضاء. ففي مخيمات النزوح الممتدة من رفح إلى خان يونس والمواصي، ظهرت مبادرات متواضعة في إمكاناتها، لكنها عميقة في دلالاتها، هدفها الإبقاء على الحد الأدنى من العملية التعليمية. أساتذة يلقون محاضراتهم من داخل خيام، وطلبة يتابعون دروسهم عبر تسجيلات صوتية أو رسائل مكتوبة، في ظل غياب أي بيئة تعليمية مستقرة. هكذا تحوّل التعليم الجامعي إلى فعل صمود بامتياز، ورسالة رمزية تؤكد أن تدمير المباني لا يعني بالضرورة تدمير الوعي أو كسر الإرادة.
ولم تكن الجامعات الفلسطينية، في أي مرحلة من تاريخها، مؤسسات تعليمية تقليدية أو كيانات معزولة عن السياق الوطني العام، بل شكّلت منذ نشأتها فعلاً نضالياً بامتياز، ورافعة مركزية في معركة الوعي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تصدّرت الجامعات الفلسطينية مشهد الفعل الوطني، وتحولت إلى ساحات مفتوحة للصراع على الوعي والهوية، وبيئات حاضنة للحركة الطلابية التي لعبت دوراً طليعياً في بلورة الخطاب الوطني، وتنظيم الاحتجاجات، ورفد الساحة الفلسطينية بقيادات سياسية ونقابية ومجتمعية.
وقد دفعت هذه الجامعات ثمناً باهظاً لهذا الدور؛ إذ لم تكن بمنأى عن سياسات القمع والاستهداف المباشر. فحملات الاعتقال الواسعة في صفوف الطلبة، وإغلاق الجامعات لأشهر وسنوات بقرارات عسكرية، وملاحقة الأطر الطلابية، كانت جزءاً ثابتاً من أدوات الاحتلال لكسر هذا الدور النضالي. ومع ذلك، ظلت الحركة الطلابية واحدة من أكثر مكونات المجتمع الفلسطيني حيوية وقدرة على التجدد، وأسهمت في إشعال الانتفاضات، وحفظ جذوة الفعل الجماهيري، وترسيخ قناعة راسخة بأن الجامعة ليست مكاناً للتحصيل الأكاديمي فحسب، بل فضاء لتشكيل الوعي الوطني ومختبراً للمقاومة المدنية والفكرية. وتُعد جامعة بيرزيت نموذجاً مبكراً ومعبّراً عن هذا الدور، إذ تحولت إلى رمز للحركة الطلابية الفلسطينية ومنبر للنقاش السياسي والفكري ومصدر إزعاج دائم للاحتلال.
غير أن محاولات التعليم اليوم في خيام النزوح تصطدم بتحديات قاسية؛ فالفقر المدقع، وانعدام الأمن الغذائي، وغياب مصادر الدخل، تدفع أعداداً متزايدة من الطلبة إلى تعليق دراستهم أو الانسحاب منها كلياً لمساندة أسرهم في مواجهة متطلبات الحياة القاسية. كما أن فقدان الكتب والأجهزة، وضياع الملفات الأكاديمية، وانعدام المختبرات، يهدد مستقبل آلاف الطلبة، ولا سيما في التخصصات التطبيقية كالطب والهندسة والعلوم.
ولا يمكن إغفال الأثر النفسي العميق للحرب والنزوح على الطلبة والأكاديميين معاً. فطالب الجامعة في غزة اليوم لا يواجه امتحانات دراسية فحسب، بل يعيش امتحاناً وجودياً مفتوحاً: قلق دائم، تنقل قسري، فقدان للأحبة، وخوف مستمر من المجهول. هذا الواقع ينعكس مباشرة على مستوى التحصيل العلمي، ويضع الكادر الأكاديمي أمام مسؤولية مضاعفة تجمع بين التعليم والدعم النفسي، في ظل شحّ الإمكانات وغياب أدوات الإسناد.
وفي هذا السياق، أستحضر تجربتي الشخصية؛ إذ سبق لي التدريس في الجامعة الإسلامية كأستاذ زائر في كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية لأكثر من عشرة أعوام، لطلبة الماجستير في قسم الدراسات الإقليمية والدولية. وبعد الشهور الأولى من الحرب، ومع تعرّض المقرات والمختبرات وقاعات التدريس لدمار شبه كامل، تواصلت معي إدارة الجامعة لاستئناف العملية التعليمية. استهجنت الأمر في البداية، ثم كان جوابي واضحاً: أنا جاهز لأي عمل يعزز صمود شعبنا وطلبتنا على البقاء. وهكذا استمر عملي معهم للسنة الثانية، رغم قسوة الظروف في الخيام، وانقطاع الإنترنت في معظم الأوقات، وواقع أن غالبية الطلاب مكلومون؛ فقدوا الكثير من أهلهم شهداء، ولا يملك أكثرهم من المال إلا ما يسد الرمق، أو ما يكفي بالكاد لتوفير ضرورات الحفاظ على الحياة والكرامة الإنسانية. لكل طالب روايته ومأساته، لكن الجامع بينهم جميعاً كان عزيمة الاستمرار، فيما بذلت الجامعة أقصى ما تستطيع وقدّمت جلّ التسهيلات الممكنة لإنجاح هذه التجربة.
خاتمة:
إن ما تعيشه الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة اليوم يتجاوز كونه أزمة تعليمية ظرفية، ليغدو اختبارًا قاسيًا لضمير العالم ومعاييره الأخلاقية. فحين يُحاصر طالب الجامعة بالجوع والخوف والنزوح، ثم يُطلب منه أن يواصل التعلم بلا قاعات ولا كتب ولا أمان، فإن السؤال لا يعود أكاديميًا بقدر ما هو إنساني: هل يُترك هذا الجيل فريسة للضياع، أم يُمدّ له الحد الأدنى من الدعم ليبقى العلم جسراً للحياة؟ وبين الخيام والركام، يصرّ طلبة غزة على كتابة معادلتهم الأصعب: أن يبقوا أوفياء للعلم، حتى حين يُترك المستحيل بلا سند.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط