كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الجامعة العربية مكفوفة اليد مقطوعة اللسان

لن يطول عمر جامعة الدول العربية، ولن يستمر اسمها، أو يرفع علمها، وسيأتي اليوم الذي تنهار فيه منظومتها، وتتفكك أجهزتها، وينتهي دورها، وتصبح جزءاً من الماضي، وإرثاً ثقيلاً متعباً من القرن المنصرم، وحاجة قامت بوظيفتها، وأدت ما عليها في مراحل تاريخية مختلفة، ثم آن الأوان لحلها، والتخلص من أعبائها، والتحلل من التزاماتها، والتحرر من بعض قيودها.

فقد عافتها بعض الدول العربية وكرهتها، وشعرت بأنها قيدٌ عليها، وعبءٌ ثقيل على كاهلها، وكلفةٌ مالية ترهق خزائنها، وأنها عقبة تحول دون حركتها، وتحبس حريتها، وتمنعها من التعبير عن سياساتها، وتجبرها على السير بسرعة الأضعف، والالتزام بإرادة الأقوى والأكبر، بينما تتوق كثيرٌ منهم لأن تكون حرةً غير مقيدة، ووحيدةً غير ملتزمةٍ بجماعةٍ أو إطار.

وهي التي لا تلتئم اجتماعاتها، ولا تنعقد قممها إلا بعد جهودٍ مضنية، ووساطاتٍ كثيرة، ومغرياتٍ كبيرة، ثم يغيب بعض قادتها، وينوب عنهم غيرهم، في محاولاتٍ لإظهار الغضب، وبيان الاختلاف وعدم والرضى، بعد مساعي حثيثة لتدوير الزوايا، والقفز على كل القضايا، وتجاوز ما يثير البعض، ويستفز الآخرين، لتأتي القرارات مهلهلة فضفاضة، عامة لا تعبر عن حاجات الأمة، ولا تلبي أماني شعوبها.

يبدو أن الربيع العربي وما قد أصاب الدول والشعوب العربية من ويلاتٍ ودمار، وكوارث ونوازل، قد عجل بوصول الدول العربية إلى هذه القناعة، إذ بدا لهم أن الجامعة العربية إطارٌ ضعيف، ومؤسسة مشلولة، لا حول لها ولا قوة، ولا أفق أمامها، ولا استراتيجية حقيقية لها، ولا يبدو أنها قادرة على استيعاب المتغيرات، والتعاطي مع المستجدات، والاستجابة إلى التحديات.

إذ ظهر عجزها من قديم في قضايا كثيرة، ولم تتمكن من فعل شئٍ، أو تقديم مساعدةٍ، أو اقتراح حلولٍ لما يواجه الدول العربية من مشاكل وهمومٍ وتحدياتٍ، بل تركت المجال رحباً، والباب واسعاً للمنظمات الدولية، والدول الكبرى لأن تتدخل في الشؤون العربية، وأن تقرر وحدها، أو تملي على العرب قرارها، بمشورةٍ أو بدونها، ولكنها كانت في النهاية هي التي تقرر نيابةً عن العرب، وبدلاً عن حكوماتهم، وتلزمهم بما ترى ولو كان مناقضاً للمصالح العربية، ومخالفاً لأنظمة ولوائح جامعتها.

فقد أظهرت الجامعة العربية عجزها الشديد أمام الأزمة الصومالية، وتركت الدولة الفقيرة الضعيفة تتمزق وتتآكل، وينهش لحمها المتقاتلون والمتحاربون، ويغزوها الأقربون والأبعدون، حتى أصبحت مرتعاً للقوات الأمريكية تارةً، وللأثيوبية تارةً أخرى، كما اجتاحتها القوات العسكرية للإتحاد الأفريقي، الذي حاول أن يفرض حلوله الأفريقية، بعيداً عن الدول العربية التي ينتمي إليها الصومال، ديناً ولغةً وقومية وهوية، وما زال الصومال حتى اليوم غارقاً في همومه، ممزقاً بين قواه، ومشتتاً بين الجيران والخصوم، حتى غدا بؤرةً للإرهاب، وقاعدة للقرصنة والحرابة، والخطف والسرقة والقتل وغير ذلك.

كما أنها فشلت عن استيعاب الأزمة السودانية، ووقفت تتفرج على الدولة العربية الأكبر وهي تتمزق وتتشظى، وينسلخ جنوبها عن شمالها، ويكاد تنفصل أطرافه الأخرى عن الدولة الأم، وتركته يئن وينزف، ويتلقى الضربات والطعنات، في الوقت الذي استفردت فيه القوى الدولية وهو الضعيف، وبدأت تكيل له الإتهامات، وتوجه إليه الطعنات، وتصدر في حقه الأحكام، وتفرض القيود على حكومته، وتصدر الأحكام في حق قيادته، وتطالب باعتقال رئيسه، ومحاكمة مسؤوليه، بينما أفاضت على الانفصاليين بالسلاح، وأغدقت عليهم بالعطايا، وربما استعان الغرب بمال العرب ليضعف السودان، ويقوي المعارضة، ويعجل بالفصل الذي كان حلماً بالنسبة لهم وأملاً، وقد صار وتحقق.

ثم عجزت الجامعة العربية عن استيعاب الأزمة اليمنية وهي الأسهل عربياً، والأكثر قبولاً للحلول العربية، إلا أنها لم تتمكن من اقتراح حل، أو طرح تصورٍ ينقذها من مأزقها، وينتشلها من حمأة الاضطرابات المستمرة التي تشهدها، وتنازلت عن دورها وواجبها لصالح مجلس التعاون الخليجي، الذي حاول طرح حلولٍ خليجية ليحول دون انتقال لهب الثورة اليمنية إلى دوله، وليمنع عدوى وسيل الربيع العربي من غزو بلادهم، والعبث في أوطانهم، ولكنه فشل أيضاً، وعجز عن فرض الحل الذي كان الأقرب والأيسر، الأمر الذي أفسح المجال لمنظمة الأمم المتحدة، التي ساهمت عبر مبعوثها الخاص إلى فرض حلٍ ومراقبة تنفيذه، ومتابعة مراحله، ومحاسبة المخالفين والمتجاوزين له، بينما جامعة الدول العربية تقف عاجزةً على جانب المبادرة، تتفرج على ما يجري، وتتابع الأحداث، دون أن يكون لها دور أو مساهمة.

أما فيما يتعلق بالأزمة السورية فإن جامعة الدول العربية أثبتت أنها أعجز من أن تتصدر لها، أو تقترح حلولاً ناجعة تنقذها وتخلصها من أتون النار، ومرجل الثورة الذي دمرها وشعبها، وأحرقها وأهلها، وهي التي كانت في الأيام الأولى للأزمة قادرة على التدخل الإيجابي، والوساطة المعتدلة، بما يقي سوريا من خطر الانهيار، والفشل والصراع الطويل الأمد.

لكنها تقاعست أو تأخرت، وأخطأت أو انزلقت، وتدخلت وتورطت، وميعت الحلول، واتكلت على غيرها ليقوم مقامها، وينوب عنها في حلٍ ظنته قريباً، يتشابه مع ما حدث في ليبيا، حيث حسمت قوات التحالف المعركة لصالح الثورة، وسقط النظام، وانتقلت الأزمة الليبية من مرحلةٍ إلى أخرى، قد لا تقل سوءاً عن سابقتها، وكما فشلت جامعة الدول العربية في إيجاد حلٍ عربي في ليبيا، فإنها عجزت أكثر أمام الأزمة السورية، بل كانت جزءاً من المشكلة، وأحد أسباب تعقدها وتشابكها.

وتبقى القضية الفلسطينية، وهم أم القضايا العربية، وأشدها تعقيداً وصعوبة، وأكثرها خطورةً، وأقدمها تاريخاً، وهي التي يعتبرها العرب والمسلمون قضيتهم المركزية، وهمهم الأكبر، وشغلهم الشاغل، وفي سبيلها قدمت الشعوب العربية أغلى ما عندها، وأنفس ما تملك، شهداءً وأموالاً، ودعماً وإسناداً، ولكن جامعة الدول العربية التي وقفت متفرجة أمام قضايا العرب الأخرى، فإنها أيضاً خذلت القضية الفلسطينية، ولم تنبرِ للدفاع عنها وحمايتها، ولم تتمكن من وضع خطةٍ لاستنقاذها، وجبنت عن فرض حلولٍ دولية تنهي نكبتها، وتضع حداً لمعاناة شعبها الذي تشرد وتشتت.

فهل تستمر الجامعة العربية في دورها، وهي المشلولة العاجزة، الضعيفة الكليلة، المكفوفة اليد، والمقطوعة اللسان، المصادرة القرار، الخائرة القوة، الفاقدة للإرادة، الشاكية من كل علة، والنازفة في كل أزمة، أم تتفكك وتتلاشى، وتغيب وتتحلل، وتسقط وتنهار، لتحل محلها منظماتٌ أخرى، ومؤسساتٌ جديدة، قد تكون إقليمية صغيرة، ولكنها متجانسة ومتوافقة أكثر، يجمعها الخوف، وتوحدها المصلحة.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط