كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الجزائر وأوروبا.. الجغرافيا والطاقة تفتحان أبواب شراكة جديدة

الجزائر وأوروبا.. الجغرافيا والطاقة تفتحان أبواب شراكة جديدة

تاريخ النشر: 2026-09-05 | 15:26

صبحة بغورة
صبحة بغورة

تفرض التحولات التي شهدتها منظومة الطاقة الأوروبية خلال الآونة الأخيرة إعادة تقدير لموقع الجزائر في الشراكة مع القارة ككل، فالقرب الجغرافي وامتلاك موارد طاقية وازنة والقدرة على الانخراط في مسارات التحول نحو الطاقات النظيفة كلها أخذت بالعلاقة في توجه تدريجي نحو نقطة أكثر ارتكازًا تلتقي فيها حسابات الموارد والموقع الجيوسياسي والامتداد الإقليمي.

 يبدو هذا التحول أكثر وضوحًا في العلاقة مع ألمانيا تحديدًا، في يوليو 2026، اعتمد البلدان أجندة استراتيجية جديدة للشراكة الثنائية، تضع الطاقة والتجارة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والنقل والمعادن الاستراتيجية ضمن مسارات التعاون المقبلة، إلى جانب توسيع الحوار السياسي والأمني والدفاعي. كما أبدى الطرفان اهتمامًا متزايدًا بالهيدروجين والطاقة النظيفة، في إطار مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين الذي يفترض أن يربط شمال أفريقيا بأوروبا.

 واللافت أن الجزائر تبرز في الأوساط الاقتصادية كدولة تمتلك مقومات ثقيلة الوزن والقيمة يمكن أن تؤدي أدوارًا متعددة في التحول الذي تعيشه القارة الأوروبية، ونجد حاليًا أمن الطاقة الأوروبي، بعد الاضطرابات التي شهدتها الأسواق العالمية وتراجع الاعتماد على الغاز الروسي، أصبح مرتبطًا بتأمين الكميات وتنويع مصادر الإمداد وتقليص المخاطر الجيوسياسية وضمان قرب مسارات الطاقة من الأسواق الأوروبية. وتستند الجزائر إلى مزيج من القرب الجغرافي، وامتلاك احتياطات مهمة من الغاز، ووجود بنية تحتية طاقية تربطها مباشرة بالضفة الشمالية للمتوسط.

 وتؤكد المفوضية الأوروبية أن الجزائر أصبحت ثالث أكبر مورد للغاز إلى الاتحاد الأوروبي، بينما يمثل السوق الأوروبي الوجهة الأساسية للغاز الجزائري، في علاقة تقوم على اعتماد متبادل؛ فأوروبا تحتاج إلى أمن الإمدادات، والجزائر تحتاج إلى استقرار الطلب على صادراتها الطاقية.

 إن أوروبا نفسها تتحرك تدريجيًا نحو إعادة تشكيل منظومتها الطاقية، وهو ما يضع الجزائر أمام فرصة تتجاوز المحافظة على موقعها كمورد تقليدي، والثابت أن الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والطاقة المتجددة يمكن أن تفتح أمامها سوقًا جديدة في علاقة أكثر ارتباطًا بالتحول الصناعي الأوروبي، لا بمجرد تلبية الاستهلاك الطاقي.

 وهنا تبرز أهمية مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين، الذي يحظى بدعم أوروبي باعتباره أحد مشاريع البنية الاستراتيجية الرامية إلى إنشاء رابط مستدام بين شمال أفريقيا وأوروبا. وقد أدرجت الجزائر وألمانيا هذا المشروع ضمن الركائز ذات الأهمية الاستراتيجية في شراكتهما الجديدة.

 والنقطة الفارقة أن الانتقال من الغاز الطبيعي إلى الهيدروجين والطاقة النظيفة هو بالضرورة انتقال العلاقة من منطق التوريد إلى منطق المشاركة في التحول. وفي حالة الجزائر، يمكن للطاقة الشمسية الواسعة والمساحات المتاحة والقدرات الطاقية القائمة أن تمنح البلاد موقعًا واعدًا، شريطة أن تتحول الإمكانيات الطبيعية إلى مشاريع صناعية واستثمارات وبنى تحتية قادرة على منافسة البدائل الأخرى.

 ويأتي البعد الاقتصادي الذي أخذ يحتل مساحة أكبر في العلاقات الجزائرية-الأوروبية. في توسيع نطاق الشراكة مع أوروبا إذ بدل أن تعتمد على المحروقات، أصبحت تتجه نحو الصناعة والتكنولوجيا والنقل والاتصالات والمعادن الاستراتيجية وغيرها من القطاعات. أما في ألمانيا فتؤكد برلين أنها من أهم الشركاء الأوروبيين للجزائر، وأن البلدين يسعيان إلى رفع مستوى التجارة والاستثمار وتعزيز التعاون الصناعي والتكنولوجي. كما اتفقا على إعادة تنشيط اللجنة الاقتصادية المشتركة وإنشاء مجلس أعمال ثنائي لتوسيع قنوات التواصل بين مجتمعي الأعمال.

 وتأخذ مصلحة الطرفين منحى واضح عند ملاحظة سبل ومحاولات الجزائر في نقل اقتصادها من الاعتماد المفرط على صادرات المواد الأولية إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، يستقطب التكنولوجيا والاستثمار والخبرة الصناعية، بينما تبحث أوروبا عن شركاء قريبين يمكن أن يساهموا في تأمين الطاقة والمواد الأولية الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه يتيحون لها توسيع سلاسل الإنتاج نحو جنوب المتوسط.

 وبين الحاجتين المذكورتين تتشكل مساحة جديدة للشراكة، غير أن ما يمنح العلاقة الجزائرية-الأوروبية بعدًا أكثر حساسية هو انتقالها تدريجيًا من الاقتصاد إلى الأمن.

 تتجه الجزائر بأنظارها إلى موقعها الأفريقي كجزء من أمنها الوطني ومجالها الاستراتيجي المباشر. وفي المقابل، تنظر أوروبا إلى الاضطرابات الأمنية في الساحل باعتبارها قضية تهديد تتصل بصورة مباشرة بأمنها، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، وحماية طرق التجارة والطاقة.

 وبحكم حدودها الجنوبية وصلتها التاريخية والسياسية بدول الساحل، تصبح الجزائر طرفًا يصعب تجاوزه في أي مقاربة أوروبية طويلة المدى تجاه المنطقة.

 وقد عبّرت برلين صراحة عن هذا التصور، إذ أكدت وزارة الخارجية الألمانية، قبيل زيارة وزير الخارجية يوهان فاديفول إلى الجزائر في أغسطس، أن ألمانيا وأوروبا تشتركان مع الجزائر وتونس في هدف تحقيق استقرار طويل الأمد في منطقة الساحل. كما أدرجت الأجندة الاستراتيجية الجديدة بين البلدين قضايا الأمن الإقليمي والإرهاب والأمن السيبراني والهجرة والتعاون الدفاعي ضمن مجالات الشراكة.

ما يدل بصريح العبارة أن قيمة الجزائر بالنسبة إلى أوروبا لا تنبع مما تستمد من باطن الأرض بقدر ما تأتي من موقعها على الخريطة الذي يمنحها وزنها الاستراتيجي.

تقع الجزائر عند نقطة التقاء بين أوروبا والمتوسط والساحل، وتملك حدودًا مباشرة مع منطقة أصبحت إحدى أكثر بؤر عدم الاستقرار حساسية بالنسبة إلى الأمن الأوروبي. ولذلك، فإن الحديث عن الشراكة الجزائرية-الألمانية لا يمكن فصله تمامًا عن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل وتراجع الحضور الفرنسي فيها، وصعود ترتيبات جديدة تبحث فيها دول المنطقة عن شركاء مختلفين.

لكن هل يعني ذلك أن أوروبا بدأت ترى في الجزائر بديلًا عن الدور الذي كانت تؤديه فرنسا في المنطقة؟

وفق ما هو معلوم، متداول وملحوظ، قد لا يكون الأمر بهذه البساطة، نظرًا لأن الجزائر لا تدخل الساحل بمنطق الوصاية، ولا تمتلك الرغبة أو الأدوات لتكرار نماذج النفوذ التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية. كما أن المقاربة الجزائرية تقوم، في خطابها الرسمي، على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع الدفع نحو الحلول السياسية والحوار والتعاون الإقليمي.

وهذا على وجه الخصوص قد يكون أحد عناصر جاذبيتها بالنسبة إلى بعض العواصم الأوروبية، الجزائر هي دولة مجاورة للساحل، تتأثر مباشرة باستقراره، وتمتلك في الوقت نفسه خبرة سياسية وأمنية وعلاقات تاريخية مع دوله.

ومن ثم، فإن التقارب الأوروبي مع الجزائر بعيد كل البعد عن مفهوم التنازل الأوروبي عن المصالح أو الانتصار الجزائري على الطرف المقابل، الأصح والأجدر أنه يعكس إعادة اكتشاف متبادل للمصالح.

إذ أن أوروبا تحتاج إلى الجزائر لقربها، وما تحمله من وزن طاقي، وقدرتها على أداء دور إقليمي في محيطها الجنوبي نفس حاجة الجزائر إلى أوروبا لأنها تمثل سوقًا رئيسية للطاقة، ومصدرًا للتكنولوجيا والاستثمار والخبرة الصناعية، وشريكًا قادرًا على مرافقة مشاريع التحول الاقتصادي والطاقة النظيفة.

وعند نقطة التوافق تنشأ علاقة أكثر توازنًا بين المورد والمستهلك، لكن الفرصة، مهما بدت واسعة، لا تخلو من العقبات والتحديات.

إن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى نفوذ اقتصادي مستدام والهيدروجين الأخضر، على سبيل المثال، يحتاج إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متطورة وسلاسل إنتاج ونقل وتصدير قادرة على المنافسة. كما أن جذب الاستثمارات الأوروبية يتطلب بيئة عمل أكثر جاذبية، وإطارًا تنظيميًا مستقرًا، وقدرة على الانتقال من الاتفاقيات إلى المشاريع الفعلية.

وفيما طرح سابقًا، تجد الجزائر نفسها وجهًا لوجه أمام تحدي استثنائي يحدد جودة علاقاتها، هل تستطيع أن تحول موقعها الاستراتيجي وحاجات شركائها إلى قيمة اقتصادية ملموسة؟

إن الثابت أن الشراكات تقيم بقدرتها على تدعيم إنتاج مصانع ومشاريع طاقة وشبكات نقل واستثمارات وتكنولوجيا وفرص عمل. وكلما نجحت الجزائر في الانتقال من موقع مصدر المواد الأولية إلى موقع المنتج والمصنع والشريك الصناعي، أصبحت علاقتها بأوروبا أكثر تنوعًا واستدامة وأقل حصرًا في تقلبات أسواق الطاقة.

وهذا ما يجعل العلاقة مع ألمانيا ذات دلالة خاصة فألمانيا تعرف كقوة صناعية متمكنة تبحث عن مصادر جديدة للطاقة والمواد الأولية، وشريك تكنولوجي يمكن أن يساهم في مسار التصنيع والتحول الطاقي. وفي الكفة الأخرى، تملك الجزائر ما تحتاجه ألمانيا في بعض حلقات أهدافها من طاقة، موقع، موارد، قرب من الأسواق الأفريقية والمتوسطية.

إذا كان الغاز قد منح الجزائر موقعًا مهمًا في أمن الطاقة الأوروبي، فإن المرحلة المقبلة ستُقاس بقدرتها على توظيف واستغلال ذلك الموقع لفتح أبواب أوسع في الصناعة والهيدروجين والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية. وإذا كانت الجغرافيا قد جعلت الجزائر بوابة طبيعية نحو الساحل، فإن التحدي سيكون في تحويل هذه الجغرافيا إلى شبكات فعلية للربط والتبادل والاستثمار.

عندها، تكون الجزائر بالنسبة إلى أوروبا دولة تلتقي عندها مجموعة من الرهانات الأوروبية الكبرى كأمن الطاقة، التحول الأخضر، استقرار المتوسط والساحل، وتنويع الشراكات الاقتصادية.

والمنحى الأعمق في هذه العلاقة أن أوروبا أخذت تنظر إلى الجزائر ليس فقط من زاوية ما يمكن أن تحصل عليه منها، وإنما من زاوية ما يمكن أن تبنيه معها.

وفي المقابل، تبدو الجزائر أمام فرصة من ذهب لإعادة تعريف وبلورة علاقتها بأوروبا على الصعيد العام والخاص وفق قاعدة مغايرة لا تضع الطاقة في موقع نهاية الشراكة بمجرد تأمين الامدادات، بل مدخلًا إليها ومولد لأبعاد ومجالات أكثر وأشمل.

فإذا نجحت في تحويل مواردها إلى مشاريع، وموقعها إلى ممرات، وقدراتها الطاقية إلى صناعة، وعلاقاتها الإقليمية إلى قيمة استراتيجية، قد تنعطف التساؤلات والتحليلات إلى مدى استطاعت أوروبا أن تتعامل مع الجزائر بوصفها إحدى ركائز مستقبلها في المتوسط وأفريقيا.

ولعل الأهم والأبرز هو بداية تجلي فجر جديد في مجال الرؤية ووضوح تبلور ملامح التحول، إذ تتسع القيمة الاستراتيجية للجزائر في الحسابات الأوروبية كلما انتقلت العلاقة من تأمين الامدادات إلى شراكة أرحب تحتضن بناء ترتيبات أوسع تمس الأمن والاستثمار والاقتصاد والربط بين ضفتي المتوسط.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط