كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الجوانبُ الإيجابيةُ في صفقةِ القرنِ الأمريكيةِ

الجوانبُ الإيجابيةُ في صفقةِ القرنِ الأمريكيةِ

تاريخ النشر: 2020-02-02 | 16:56

ليس أسوأ في تاريخ القضية الفلسطينية من صفقة القرن سوى احتلال فلسطين وضياعها، والتآمر عليها ونكبتها، وطرد أهلها وتشتيت سكانها، فإن كانت فلسطين الأرض والوطن والتاريخ والمقدسات قد بدأ احتلالها صهيونياً قبل العام 1948، وتواصل بعد ذلك إلى أيامنا هذه، فإن صفقة القرن تشطب القضية الفلسطينية كلياً، وتنهي ملفاتها وتنفي الصفة عن أبنائها، وتشتت أهلها تحت جنسياتٍ عدةٍ وفي كنف بلادٍ عديدةٍ، وتشرع للمستوطنين الغزاة اليهود الذين وفدوا إلى بلادنا الأرض التي اغتصبوها والديار التي سكنوها، وتسوي مشاكلهم مع دول الجوار ليأمنوا الخطر ويعيشوا في سلامٍ، وتنعش اقتصادهم وتنمي أموالهم، وتخلق لهم أسواقاً عربية مكشوفة، تدخل إليها بضائعها علناً وبصورةٍ مباشرة، ولا تضطر إلى التزوير والخداع لتصل إليها، لتخلق مع المواطنين العرب أجواءً طبيعية من السلم والتعايش والقبول والتعاون، فضلاً عن الاعتراف بوجودها ورفع علمها وتبادل العلاقات الدبلوماسية معها.

إلا أن لهذه الصفقة اللعينة جوانب إيجابية أخرى ساعدت في كشفها، أو عملت على إظهارها وإبرازها بعد أن كاد الزمن يطويها والأحداث تتجاوزها وتنسينا إياها أو تحرمنا وتجردنا منها، خاصةً في ظل الوقائع الجديدة والمستجدات الراهنة، التي خلقتها الإدارة الأمريكية الجديدة، والواقع العربي الرسمي المزري الضعيف المنهار، والمتآمر الشريك، والتابع الخاضع، الذي أورثنا بتخاذله وسقوطه اليأس وسلمنا إلى القنوط، وجعلنا وحدنا في مواجهة دولة الاحتلال والإدارة الأمريكية، التي تخطط له وتسانده، وتساعده وترفده، وتعززه وتنصره.

صفقة القرن أظهرت وحدة الشعب الفلسطيني واتفاقه، سلطةً ومعارضةً، منظمةً ومقاومة، شعباً وأحزاباً، قوىً وتجمعاتٍ، نقاباتٍ واتحاداتٍ، وطناً وشتاتاً، مدناً ومخيماتٍ، في فلسطين المحتلة وخارجها، فأعلن الفلسطينيون بكل ألوانهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية، برأيٍ واحدٍ وصوتٍ عالٍ وموقفٍ صريحٍ، رفضهم لصفقة القرن وعدم قبولهم أو اعترافهم بها، وأنهم ضد من يقبل بها أو يتجاوب معها، وشكلوا بموقفهم الموحد سابقةً فلسطينيةً عز نظيرها واشتهى الشعب كثيراً مثلها، وتمنى لو أنها كانت قديماً وتكررت في كل المراحل والأزمات، إذ أن الوحدة سبيل النصر وبوابة النجاح، وهي السد المانع لكل المؤامرات والتحديات.

وحدت الصفقة المهينة الأرض الفلسطينية كلها وعادت بنا إلى سني الصراع الأولى، صراع الوجود والبقاء أو الضياع والفناء، وهو ما شعر بخطورته الإسرائيليون أنفسهم، إذ قال مفكروهم أن الصفقة أحيت مفاهيم الصراع الأولى، وأعادت الفلسطينيين إلى مفردات المقاومة وأدوات العمل المسلح، فتجريد الفلسطينيين من حقوقهم وحرمانهم من أحلامهم، سيدفعهم بالتأكيد إلى الأصول الأولى لقضيتهم، فهي التي توحدهم وتجمعهم، وفي هذا خطرٌ كبير على مستقبل إسرائيل وأمنها، إذ سيسقط الاعتراف بها وينتهي التعاون معها، وستبدأ مرحلة جديدة قوامها العنف وروادها الراديكاليون الفلسطينيون، الذين يملكون ما يقولون وعندهم ما يقدمون، ومعهم دولٌ قويةٌ تساندهم وتؤيدهم، وتشجعهم وتساعدهم، تشكل خطورةً على مستقبل إسرائيل، وتسعى مع المقاومة الفلسطينية لشطبها وإزالتها من الوجود.

صفقة القرن كشفت عن زيف مساعي السلام وكذب الرغبات الإسرائيلية، وأسقطت اتفاقية أوسلو وتجاوزتها، وتنكرت لها وتخلت عنها، فلم تعد دولة الكيان الصهيوني تعترف بها أو تقبل بوجودها، ولم تعد مجبرةً على الالتزام بمهلها والتقيد بمراحلها، رغم أنها أخلت قديماً ببنودها ولم تلتزم بها، وقد مضى عليها أكثر من ثلاثين سنة دون أن تحقق للفلسطينيين الموقعين عليها شيئاً مما أملوا فيه أو سعوا إليه، فاستغنى الإسرائيليون عنها وتنكبوا بصفقة القرن لها، فهي بالنسبة إليهم أفضل بكثيرٍ من اتفاقية أوسلو، وتعطيهم أكثر مما كانوا يحلمون، وأفضل مما كانوا يأملون وأعظم بكثيرٍ مما يطمحون.

صفقة القرن إلى جانب الموقف الفلسطيني الموحد ستحرج الأنظمة العربية المتساوقة مع الكيان، والمشتركة معه ومع الإدارة الأمريكية في صياغة الصفقة، وهي التي أبدت تعهدها بتطبيق ما يطلب منها أو تكلف به، ولكنها ستجد نفسها مع الأيام مجردة من صفة التمثيل أو النيابة، فهي لا تملك ما تعطي، ولا تستطيع أن تفي بما لا تستطيع، فضلاً عن أن شعوبها لا توافق على ما تعلن، ولا تقبل بما تقدم، فالفلسطينيون يرفضون أن ينوب عنهم أحد في تقرير مصيرهم والحديث باسمهم، وهم قد قالوا كلمتهم مدويةً صاخبة صريحةً مباشرةً، لا لصفقة القرن، ولا لكل من يقبل بها أو ينفذ بنودها.

صفقة القرن أثبتت عدم نزاهة الوسيط الأمريكي، وأنه غير موضوعي ولا حيادي، بل هو طرف معادي وشريكٌ محتلٌ، يفكر نيابةً عن الاحتلال ويخطط له، ويشجعه على سياساته ويناصره في عدوانه، فلم يعد يصلح لرعاية ما يسمى بمفاوضات السلام وضمان تطبيق الاتفاقيات، ولعل الجريمة التي اقترفها بعد جرائمه السابقة التي ارتكبها في مسائل القدس واللاجئين والمستوطنات، تقنع المراهنين على صدقية المواقف الأمريكية وجدية واسطتهم، أنهم مخطئون في تقديراتهم، وغير عاقلين في توقعاتهم، فسراب الإدارات الأمريكية سيبقى سراباً، ولن تكون مواقفها مهما طال الزمن وتغيرت الإدارات ماءً زلالاً ولا عذباً فراتاً.

في الوقت الذي لا أستخف فيه بصفقة القرن ولا أقلل من خطورتها، ، فإنني لا أدعي بساطتها وعدم جديتها، لكنني لا أقلل أبداً من تداعياتها الإيجابية على الفلسطينيين وشعوب الأمة العربية والإسلامية، بل أرى أننا نستطيع أن نحول المحنة إلى منحة، والأزمة إلى فرصة، والسقطة إلى رفعة، وأن نقلب المشروع الإسرائيلي ونعطل مخططاتهم، لكن علينا حتى ننجح في ذلك أن نبدأ بالخطوة الأولى والأساس، ألا وهي تحقيق الوحدة الفلسطينية، والانتهاء من الانقسام ومغادرة مربعات الصراعات الحزبية، حينها قد تكون منية الإسرائيليين في أمنيتهم، وخاتمتهم في معسول أحلامهم، وتكون رفعتنا في صدمتنا ونهضتنا في كبوتنا.

بيروت في 02/02/2020
[email protected]

×
أخبار
الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط