كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحاجة إلى الخروج الفوري من النكبة الفلسطينية!

الحاجة إلى الخروج الفوري من النكبة الفلسطينية!

تاريخ النشر: 2016-05-16 | 08:13

في الأمسية التي أحياها محمود درويش في حيفا في 2007، حصلت مفارقة اعتــــرف محمود نفسه أمامي بأنها من أصــعب ما حدث له مع جمهور. بعد أن أنهى قراءة قصـــائده على مدار ساعة ونصف الساعة شاحناً القاعة وحيفا والكرمل بطاقة لا تُحدّ، يُرافقه «الثلاثي جبران» على العود، وقف جمهور غفير من الحضور وطالبه ملحّاً بــقراءة «أحنّ إلى خبز أمي». وهذا عِلماً أنه كان اشترط عشية وصوله أن يختار هو بنفسه قصائده وترتيب قراءتها وفق مزاج الجمهور وتلقيه. خرج من المنصّة ثم عاد مُرغماً ليقرأ القصيدة، وليس بكثير من حماس أو رغبة. فمرّ حرجه إليّ وإلى غيري من الجالسين قرب المنصّة.

يُمكن تفسير ما حصل أن أهل حيفا من فلسطينيي الداخل أرادوا أن يتصلوا بشعر محمود درويش من الموقع الذي يشغلونه في الحالة الفلسطينية. فإذا حنّ درويش إلى أمه فإنه يكون قد حنّ إليهم! أو أنهم يحبون هذا النص من دون غيره حباً جماعياً، بخاصة أنه مسكون بالحنين من أوله إلى آخره، وهم في حنين إلى وطن وقع تحت سيادة الآخر.

لكنني رأيت في ما حصل رفضاً منهم لما قام به محمود درويش من تجاوز لنصه وذاته خروجاً عن المألوف الذي نشأوا عليه ونهلوا منه في كنف الحركات الوطنية والخطاب الفلسطيني المتداول. كأنهم قالوا له بوقوفهم وغِنائهم «أحن...»، وقالوا بإلحاحهم: «عُد بِنا إلى الهوية التي اعتدنا وعلى المناطق التي ألفنا ولا تغرّبنا عن أنفسنا بنصوصك الجديدة»! أو «دعنا حيثما نحن بسلام ولا تقطع علينا طمأنينتنا ولا تفرض علينا تحديات خُضتها أنت وبلغت بها ما بلغت».

أؤوّل الأمر في هذا الاتجاه بناء على محادثة طويلة غداة الأمسية دعاني إليها درويش وسمعت خلالها شكواه وارتباكه من إلحاحهم عليه المكوث حيث هم وإعادته إلى تخوم غادرها هو.

هذه الحادثة، برأيي المتواضع، تشكّل مُجمل الحالة الفلسطينية، لا سيما ما يتصل منها بالهوية والخطاب والثقافة. أقول هذا ونحن على مرأى من مراسم وطقوس وفاعليات إحياء ذكرى النكبة. فهي، على أي حال، تشـــكل نصاً ما يُمكننا أن نُعمل فيه أدوات التأويل والتفسير كما في نصوص درويــــش. ففـــي هذا النص محوران رئيسان يعودان على نفسيهما كل عام في مثل هذه الأيـــام. في المحور الأول، تأكيد الماضي وما شهده من حدث مُصمّم لوعي الفلسطينيين ووجدانهم. وفي المحور الثاني، تأكيد حق العودة غير القابل للتصرّف أو التقادم.

يبدو الأمر طبيعياً بالنسبة إلى شعبٍ نُكب بالتهجير والاقتلاع. بل طبيعي جداً في ضوء سياسات إسرائيلية رافضة لأي تسوية، استأنفت نزعة الاستحواذ وتلك الاستعلائية المتغطرسة مستفيدة من «وهن العرب» وويلاتهم الحاضرة في دول الجوار. لكننا على اعتقاد راسخ بأن الأمر تعدّى هذا وذاك ليُشكّل حالة خطيرة في حياة الجماعة الفلسطينية.

فالمحوران الآنفان يشكلان مجتمعين نزعة فلسطينية مَرَضية تماماً، قوامها الاستكانة إلى الضحوية في جهة منها، أو إلى خطاب لفظي عالٍ غير قابل للحياة يجسّد هذه الضحوية ولا يُنهيها. وهناك صلة وثيقة بينهما. يبدو لي أن الوكلاء الفاعلين أخطأوا في مَحوَرة بناء الهوية على الحدث المصمم وحده، أي النكبة. لأن فيه طبقات خطرة كأن يستكين الفرد والجماعة إلى حالة الضحية مثلاً، والتي تُعطيه شعوراً بأنه على حق دائماً. ولأن الاستكانة هذه أنتجت أنماطاً مُقلقة في الثقافة الفلسطينية، والعربية أيضاً. فكم دولة عربية حصرت اهتمامها بالفلسطينيين اللاجئين بإيوائهم عندها من دون أن تفتح أمامهم أي أفق؟ وكم مسؤولاً فلسطينياً أو حركة أو رمزاً قمعوا وشرّقوا وغرّبوا رافضين أي نوع من المساءلة أو النقد أو الاعتراض؟ وكم من العنف الداخلي الفلسطيني شهدنا بدعوى الالتزام بإرث النكبة واستحقاقاتها؟

هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية، فالبقاء ضمن قبضة النكبة والمراوحة في المكان بغير فعل جدي، دفعا البعض، ولغرض التعويض، إلى إنشاء خطاب عالي الألفاظ بخصوص حق العودة، مثلاً. هذا علماً بأن ما يُطرح في العادة غير قابل للحياة، على الأقلّ في المدى المنظور. وكلما سمعتُ أحدهم يتحدث عن هذا الحقّ بعنجهية وبغطرسة المحروم والمُستضعف أيقنت أننا سنظلّ في إطار النكبة عقوداً إن لم يكن قروناً أخرى.

بحجة استحقاقات النكبة، أبقى العرب جميعاً على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي شكّلت وتشكّل وصمة عار. بل حتى الفلسطينيون أنفسهم في مناطق «محررة» مثل مناطق السلطة الوطنية أو غزة، أبقوا على هذه المخيمات للتدليل على وجود القضية أو النكبة بوصفها جريمة الصهيونية! هذا وكان الأجدر بالعرب والفلسطينيين أن يدمجوا مخيم قلنديا أو الدهيشة برام الله، ومخيم عايدة ببيت لحم، إلى آخــر مخيّم، وترميم حياة الناس هناك وتضمـــيد جرحهم وتحقيق بعض الرفاهية لهـــم. يكفـــي أن نفــــهم ما الذي حصل في حال المخيمات هذه لنعرف أي ظُلم أنتجت ثقافة النكبة في سياسات العرب والفلسطينيين. كأنه إذا تحسن وضع الناس في قلنديا، خفّ وهج المسألة الفلسطينية أو كأنه إذا عمّرنا أحياء جديدة بديلة مكان مخيّم جباليا في غزة التقينا والمشروع الصهيوني!

هكذا نشأ وضع فيه من الإجحاف والغبن التاريخي مما هو من صنع أيدي الوكلاء الفلسطينيين والعرب أنفسهم بحقّ الفلسطينيين عموماً وأهالي المخيمات بوجه خاص. قالوا لأهالي المخيمات: ابقوا في أماكنكم لتظلّ القضية ساخنة!

وعليه، سنقترح على وكلاء التغيير الفلسطينيين أن يخرجوا من النكبة ويُخرجوا شعبهم من إسارها بهذا المعنى. لأن البقاء في نص «أحنّ إلى خبز أمي» لن يُطعمهم خبزاً ولن يمنح للأجيال القادمة من الفلسطينيين أجنحة للتحليق الحرّ وتحقيق الذات وتحسين شروط الحياة. وما حصل لمحمود درويش من انعتاق شعري أدبي إبداعي بعد نصه ذاك سيحصل للجماعة الفلسطينية إن هي أحسنت الخروج السريع من ندبتها ومن الاستكانة إلى راحة الضمير والتحرر من المساءلة داخل موقع الضحية المُطلقة.

وهنا لا بدّ من المكاشفة الذاتية والجزم بأن التحرر من سلطة الاحتلال ومشاريع الهيمنة لا يتمّ إلا بالتحرر من قيود الذات وروايتها الداعية إلى الاستكانة. الذاكرة وحدها لا تكفي للتحرر مهما كانت خضراء. الماضي مقتل الثقافة العربية وحذار أن يُصـــبح الماضــــي الفلسطيني مقتل القضـــية الفلسطينية وباباً موصداً أمام أجيــــال من اللاجئيــــن والمُقيمين. لقد شبع الفلـــسطيني رموزاً ومراسم وطقوساً تقدّس الضحوية وباتت أجياله الجديدة في حاجة إلى عمل خارج الكلام العالي. فلنفرض أن ما يحصل في رام الله وجنين والخليل ونابلس الآن سيتواصل ويتعزز ويمتد إلى الريف الفلسطيني، هذا ريثما يتحقق المشروع الفلسطيني المأمول! ماذا لو انتقل سكان المخيمـــات إلى أحياء جديدة يتم تعميرها خصيصـــاً لهم؟ ماذا لو تــم الاستثمــار فــي الإنسان الفلسطيني وفق خطط مدروسة لتحقيق نوع من الاقتدار الفردي الكمي الذي لا بدّ أن يصير نوعياً في مرحلة ما. عندما يكون الفلسطيني أقوى اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، ستكون قضيته أقوى بالضرورة، وليس العكس.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط