كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحاجة إلى قيادات حكيمة وشجاعة وحلول ذكية

الحاجة إلى قيادات حكيمة وشجاعة وحلول ذكية

تاريخ النشر: 2020-05-18 | 09:11

لم يعد هناك شكّ في أنّ تداعيات فيروس كورونا متعددة الجوانب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، على الرغم من أنّ هجومه الأساسي ضد صحة الإنسان وحياته، ومن الواضح أيضاً أنه لا توجد خيارات أحادية الطابع للتعامل معه، وأنه لا غنى عن التوصّل إلى صيغ ومعادلات عديدة، تأخذ في الاعتبار الممارسات والمصالح والترتيبات التي تبدو متناقضة كلية وجزئية، ومنها أنّ المجتمع الدولي في عصر العولمة مترابط ومتشابك، في حين أنّ أوّل التدابير الوطنية المنطقية المتخذة لمواجهة الجائحة هو إغلاق الحدود.

وفرضت بعض الدول القيود على الحركة وحظر التجوّل ببعض المناطق والأحياء للحدّ من انتشار العدوى وحماية صحة وأرواح المواطنين، وهي قيودٌ حدّت من قدرة المواطنين على ممارسة حياتهم الطبيعية في بعض الحالات، وأوقفت عجلة الاقتصاد الوطني والدولي. ويوجد كثير من الأمثلة الأخرى التي تبدو فيها المصالح متناقضة، خصوصاً على المدى القصير، الأمر الذي يفرض علينا اتخاذ قرارات صعبة، وتحديد الأولويات، وتخصيص الموارد لدعم الإجراءات التي يُجرى اتخاذها.

وتتطلب تلك القرارات الصعبة توافر قيادات وطنية ودولية حقيقية، قيادات تتسق مع حجم التحدي الذي يواجه المجتمع الدولي وأوطاننا الداخلية، قيادات لديهم الحكمة في إيجاد التوازن والشجاعة المطلوبة، لاتخاذ القرارات الصعبة، ‏قيادات لديهم الرؤية والتقدير لاستيعاب ‏حجم الفرص ‏المتاحة والمتوفّرة في عصر العولمة ‏وإدراك حجم المخاطر والتحديات المصاحبة له، قيادات لهم أواصل وثيقة وقوية بشعوبهم ويحظون بثقتهم وتقديرهم، ويطاعون باعتبارهم قدوة وقيادة، لصعوبة الاستناد إلى عناصر القوة والردع في مثل هذه الأمور.

والخيارات أمامنا ليست بين المصلحة الدولية والإقليمية، أو بين الوطنية والفردية أو الشخصية، ‏إنما علينا التعامل معها جميعاً في آن، ولن يتحقق ذلك من دون مزيد من التعاون، لمواجهة هذا الوباء وتداعياته، خصوصاً في ما يتعلق بحجم وطبيعة التحدي الطبي في بلادنا المختلفة وسُبل التصدي إليها. والخيارات ‏ليست بين صحة الإنسان وبدء تنشيط الماكينة الاقتصادية عبر البلدان والقارات، إنما في التعامل الذكي والحكيم مع كليهما، ‏من خلال التحكّم في إيقاع التشابك الاجتماعي بين المواطنين لمنع انتشار الوباء والانفتاح الاقتصادي التدريجي، بالتركيز بشكل أساسي على المرافق ‏الإنتاجية في المقام الأول، التي تمكّن من ضبط اختلاط الأشخاص بها نسبياً، وتحديد الأفراد المتعاملين فيها بدرجة معقولة، مع الحرص والتريث في فتح مجالات يتنوّع اختلاط المواطنين أو الزوّار فيها، مثل السياحة والملاهي والنوادي، وذلك حتى نتمكّن من تتبع ومواجهة أي إعادة انتشار للعدوى، مثلما رأينا في كوريا الجنوبية والصين وألمانيا، من أجل الحدّ من احتمالية انتشاره مجدداً.

في المقابل، علينا أن نوجّه مزيداً من الدعم والتسهيلات إلى القطاعات الاقتصادية التي يصعب عودتها إلى طبيعتها في وقت سريع، وتحديداً مثل قطاع السياحة خصوصاً. ‏ومن بين المعادلات التي يجب ‏تصويبها ما يسمى بالأمن بالمعنى التقليدي العسكري، والأمن بالمعنى الأوسع، وهو الأمن الاجتماعي والإنساني،‏ لضمان التوازن والتوافق بين التركيبة الديمقراطية والتوزيع المناسب للثروات بين الشعوب. كلاهما مطلوب، إنما بمعدّلات مختلفة عمّا هو قائم حاليّاً، فكيف يصل الإنفاق العسكري العالمي لعام 2019 إلى 1,917 ‏تريليون دولار أميركي في العام، في الوقت الذي نشهد فيه تقصيراً في القدرات والإمكانات الطبية ‏للتصدي إلى الفيروس في أغنى البلدان وأفقرها في آن؟

وعلى مستوى المؤسسات الحكومية الدولية علينا التعامل البنّاء مع تغيير أو تطوير المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف والإقليمية التي أنشئت وجمعتنا في تأسيس النظام الدولي المعاصر الذي وُضِع منذ 70 عاماً، ‏وفي ظروف سياسية مختلفة، نظام دولي أعطى وضعاً متميزاً للفائزين في الحرب العالمية الثانية. نظام لم يعد يمثل أو يصلح للتعامل مع تحديات القرن الـ21، مع ظهور قوى سياسية متعددة جديدة، وبعد أن تجاوزت عضوية الأمم المتحدة 190 دولة، وانتقل الثقل الاقتصادي المعاصر إلى آسيا، وأصبحت الصين الشعبية هي القوة الدولية الصاعدة، ‏فضلاً عن ظهور مؤسسات وكيانات غير حكومية شرعية، وأيضاً تنافس مؤسسات الدولة الوطنية. كيف نفعل ذلك في ظل معارضة بعض الدول صاحبة المصلحة، ومن دون خلق فراغ أسوأ وأخطر مما نتعرّض له الآن في ظل الأوضاع السياسية السلبية بين الدول والنزاعات الإقليمية والاقتصادية والتجارية؟
أكرر، النظام الدولي الذي يجمع بيننا ومجتمعاتنا الوطنية في حاجة إلى قيادات حكيمة، ‏لديهم ‏الرؤية والشجاعة للتعامل الجاد مع التحديات التي تواجه الدول، وتحديد الأولويات التي يجب اختيارها في ظل الأوضاع المضطربة التي نمرّ بها، ونتعرّض لها، وذلك من خلال مجموعة من المبادرات منها:

1- على المستوى الإقليمي، الذي يخصنا مباشرة، أدعو إلى انعقاد قمة عربية شاملة، حتى إذا فرضت الظروف أن يحدث ذلك من خلال الآليات التكنولوجية الحديثة، لوضع رؤية وخطة عمل مشتركة لتبادل الخبرات والتجارب بين الدول العربية ‏في مواجهة فيروس كورونا، ولضمان توافر الخبرات المتخصصة والإمكانات اللازمة لذلك، وعلى أن تتجاوز القمة الإدلاء بالبيانات العامة والتعبير عن التماني، ومناشدات التعاون، ويسبقها عقد اتصالات أولية مكثفة، ومشاورات تمهيدية بين الوزراء والفنيين المتاحين في الأمة العربية، وهو أمر يمكن تحقيقة أيضاً عن بُعد بوسائل الاتصال الحديثة.

2- على القمة أن تناقش أيضاً رؤية عربية لما يجب أن يكون عليه النظام الدُّولي من منظور مستقبلي، لتُطرح هذه الرؤية على السكرتير العام للأمم المتحدة والتجمّعات الدولية الأخرى، مثل حركة عدم الانحياز وبين مجموعة البلدان النامية، والمؤتمر الإسلامي ‏والاتحاد الأفريقي، وللمؤسسات الدولية بمختلف تخصصاتها، فالمجتمع الدولي سيمرّ بتغيرات متعددة في ضوء التغير التكنولوجي والتجارب الإيجابية والسلبية لعصر العولمة، والصدمة التي تعرّضنا لها جميعاً من فيروس كورونا، ومن الأفضل أن نكون شركاء حقيقيين في بلورة أسس أكثر توازناً وتمثيلاً للعالم، وأكثر دقة في التعبير عن تطلعاته، وأكثر عدلاً في احترام حقوقهم، وتوزيع عوائد للعولمة بينهم وداخل أوطانهم.

3- في هذا الصدد، أكرر مرة أخرى دعوة السكرتير العام للأمم المتحدة لتشكيل مجموعة عمل استشارية من الشخصيات العامة الملهمة ذوي خبرات متنوعة خارج النطاق الحكومي، لاقتراح مبادئ وأسس النظام الدولي الجديد، وتُعرض ‏بعد ذلك على مجلس الأمن أو دورة خاصة للجمعية العامة، لمناقشاتها وإقرارها من قِبل الدول، لإعطائها الشرعية الدولية اللازمة.

‏ ‏4- أقترح مرة أخرى أيضاً أن يخفّض الإنفاق العسكري العالمي ثلاثة في المئة، ‏وهو ما يعادل 57 بليون دولار أميركي، يخصص منها اثنان في المئة لدعم الإنفاق الاجتماعي والصحي على المستوى الوطني، ‏ويجرى إيداع واحد في المئة منها، الموازي 19 بليون دولار في صندوق للطوارئ الصحية والاجتماعية تحت ولاية سكرتير عام الأمم المتحدة للصرف من خلال المؤسسات الدولية والوطنية المتخصصة في هذه المجالات، فكيف نتحدّث عن الحضارة الإنسانية والقيم وننفق على مصادر الهدم والتدمير، بما يتجاوز بكثير الحاجات الأمنية حتى في أحلك الظروف وأخطرها؟

5- واتصالاً بكل ذلك، أدعو قادة العالم، بمن في ذلك رؤساء وزعماء العالم العربي، إلى مراجعة أنظمتهم وممارساتهم الوطنية بشجاعة وموضوعية والتطلع نحو المستقبل، لاستخلاص الدروس المستفادة من العقود الماضية، ومن تحديات عصرنا هذا تحديداً، لكي تكون دولنا بمؤسساتها وشعوبها أكثر استعداداً وكفاءة في التعامل مع المتغيرات الكثيرة التي تأتي بأنماط عديدة ومتغيرة باستمرار، التي تتطلب الثقة والتعاون الوثيق بين مؤسسات الدول وشعوبها.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط