كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

القوة التفاوضية..

الحالة الفلسطينية نموذجاً (3)

الحالة الفلسطينية نموذجاً (3)

تاريخ النشر: 2023-04-25 | 08:34

انتهينا في القسم الثاني من هذه المقالة بالانقلاب الذي شهده قطاع غزة في 12/6/2007، خسرت فيه السلطة الفلسطينية في رام الله السيطرة على القطاع، إلى جانب خسارتها لموقعي رئيس الحكومة (التي كان يتولاها اسماعيل هنية) ورئاسة المجلس التشريعي (التي كان يتولاها عزيز دويك) وانتقلت إلى نائبه أحمد بحر    في غزة بعد أن تعطلت اجتماعات «التشريعي» في الضفة.

خرجت القيادة السياسية للسلطة في رام الله مثخنة بالجراح، أرهقتها الهزيمة والتي لا سابق لها في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة وإن ما جرى في القطاع تلقى دعماً واسناداً إقليمياً نافذاً، على قاعدة التمييز بين «المقاومة» التي يمثلها انقلاب غزة، وبين مسار أوسلو، الذي تمثله القيادة السياسية في رام الله، والموقع التمثيلي لقيادة رام الله ، بما في ذلك من الجانب الإسرائيلي نفسه الذي تساءل فيما إذا كانت قيادة رام الله قادرة على الزام قطاع غزة بالنتائج، التي  يمكن أن تسفر عنه أية عملية سياسية قادمة.

وبدأت القيادة الإسرائيلية تمارس هوايتها بالتشكيك  بوجود «شريك فلسطيني» للمفاوضات، مشترطةً أن تقوم قيادة رام الله (أولاً) باستعادة السيطرة على قطاع غزة، في دعوة ساخرة لإحداث فتنة جديدة في الصف الفلسطيني.

ذهبت حركة حماس بعيداً في التشكيك بـ «شرعية» قرارات رئيس السلطة في الضفة بدعوى أن المجلس التشريعي، والذي تمّ انتخابه في كانون الثاني (يناير) 2006، وما زال قائماً في مقره في القطاع، وهو يمثل أكثرية أعضاء المجلس وبالتالي يملك الصفة القانونية، وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس الحكومة.

الملجأ الوحيد الذي اعتبرته قيادة رام الله موقعاً حصيناً يحميها من حملات التشكيك، ويؤكد شرعيتها السياسية والقانونية وموقعها التمثيلي الذي لا تشكيك فيه، هو في  م. ت. ف. فانعقد على الفور اجتماع للمجلس المركزي لمنظمة التحرير، والذي لا يمكن لأحد أن يشكك بشرعيته وقانونيته وموقعه التمثيلي (م. ت. ف. هي الممثل الشرعي والوحيد أياً كانت أحوال السلطة وأياً كان تقاسم الخصوم لمواقعها القيادية).

ولعلها تجربة شديدة الأهمية، وخلاصة يجب ألا تغيب عن البال، تؤكد أن الموقع الحصين، الذي يعزز شرعية التمثيل الشامل للشعب الفلسطيني هي م. ت. ف، وأن السلطة (بالمقابل) ما هي إلا مؤسسات هشة، تحت هيمنة سلطات الاحتلال، ولا تشكل في ظل القيود المفروضة عليها باتفاق أوسلو، ضمانة للمشروع الوطني، انقسمت السلطة على حالها. وأصاب النظام السياسي الفلسطيني تشوهات كبرى، ففي غزة سلطة تزعم الشرعية، بيدها الحكومة والمجلس التشريعي، وتنزع الشرعية عن خصومها في رام الله، وسلطة في رام الله، تقتصر على «رئيس السلطة»، فاقدة لأكثرية المجلس التشريعي، لمنصب رئيس الحكومة وأكثرية وزرائها، تتمسك بشرعيتها،   تنعت الخصم في غزة بالانقلابيين وما أقدموا عليها «انقساماً».

هذه التجربة، المغمسة بالدم الفلسطيني، أكدت الخطأ الجسيم الذي ارتكبته القيادة المتنفذة في م. ت. ف، حين همشت مؤسسات المنظمة، لصالح مؤسسات السلطة على رهان أن السلطة هي المحطة الانتقالية نحو قيام الدولة الفلسطينية، لتجد القيادة المتنفذة نفسها أمام سلطة ممزقة مقطعة الأوصال، وأن حصنها الوحيد، الذي مكنها من مواجهة «الانقلاب والانقسام في غزة» هي م. ت. ف، الممثل الشرعي والوحيد.

فهل حفظت القيادة السياسية في رام الله الدرس، وهل عملت به، أم أن سرعان ما أدت الأحداث، والانفراجات الوهمية، إلى تجاهل هذا الدرس، وإحالته إلى عالم النسيان؟

في محاولة للإجابة على هذا السؤال، يمكن القول، بكل ثقة، إن هذا الدرس المستخلص من التجربة الدموية، سرعان ما تبخر.

وتحول الأمر، وما زال حتى اللحظة، صراعاً على السلطة، يحاول كل طرف فيه أن يستقوي  بعناصر القوة التي يعتقد أنها متوفرة لديه، في وقت كان فيه الخاسر الأكبر القضية الوطنية والشعب الفلسطيني، حيث هدرت على مذبح الصراع  على السلطة، الكثير من مكتسباته النضالية، خاصة وأنه صراع ألحق التشويه بالقضية الوطنية وبالوجه الحضاري للشعب الفلسطيني، ما وفر لإسرائيل الفرصة للادعاء أن الشعب الفلسطيني ما زال غير مؤهل ليدير شؤونه بنفسه، وأن أية دولة سيقيمها ستكون دولة الفوضى والإرهاب، ما يشكل خطراً على أمن إسرائيل، كما بدأت وسائل إعلامها تزعم أمام الرأي العام العالمي، في سياق هذا الصراع اعتقدت القيادة السياسة للسلطة في رام الله، أنها تتفوق على سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، أنها الطرف الفلسطيني المعترف به شرعياً من قبل لجنة الرباعية العربية، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكذلك المنظمة الدولية للأمم المتحدة، واعتبرت هذا كله قوة تمكنها من العودة إلى التحرك سياسياً، فضلاً عن أن الرئيس الأميركي بوش الابن تعمد بالوفاء بوعده إلى الرئيس محمود عباس بإقامة الدولة الفلسطينية، عبر المفاوضات، حتى موعد أقصاه نهاية العام 2008، أي نهاية ولاية بوش/ الثانية.

في هذا السياق، دعت الولايات المتحدة إلى مؤتمر أنابوليس (نوفمبر 2007) لإطلاق مفاوضات فلسطينية – إسرائيلية في الولايات المتحدة وتحت رعايتها.

كانت هي المرة الأولى التي تدعو فيها الولايات المتحدة إلى استئناف العملية السياسية، منذ أن وصل الرئيس عباس إلى رئاسة السلطة في كانون الثاني (يناير) 2005، وقد شهدت إسرائيل منذ ذلك التاريخ تطورات ذات مغزى، منها انشقاق شارون عن حزب الليكود بعد أن أسقط مشروعه للانكفاء ، كحل للصراع مع الفلسطينيين.

شكل شارون حزب «كاديما»، وأعاد نشر قواته حول قطاع غزة، وأخلى القطاع من المستوطنات، كما أخلى أربع مستوطنات في شمال الضفة، (وقررت حكومة نتنياهو العودة إليها مؤخراً حكومة نتنياهو) وبدأ يجهز للضم وإعادة رسم الحدود من طرف واحد، خلف جدار الفصل في أراضي الضفة، إلى جانب مناطق أخرى. القدر خالف رغبة شارون، الذي أقعده وشله المرض، وتولى القيادة عنه إيهود أولمرت.

أحدثت الحرب الإسرائيلية _ اللبنانية (تموز _ يوليو 2006) تغيراً استراتيجياً في خطة الإنكفاء. فقد خلص    الإسرائيليون إلى تخطئة الانسحاب من لبنان عام2000. ووفقاً لهذه الخلاصة، خطأت الدوائر السياسية والعسكرية في إسرائيل خطة الإنكفاء من جانب واحد، ورأت ضرورة أن يسبق ذلك «معاهدة سلام»، أو ضمان أمن أراضي دولة إسرائيل، قبل إعادة رسم الحدود مع الضفة من طرف واحد .

في ظل هذه المعطيات، ذهب الوفد الفلسطيني ممثلاً السلطة إلى المفاوضات، فماذا كان يملك من القوة التفاوضية.

• ذهب إلى المفاوضات بقرار منفرد، خارج الاجماع الوطني حيث افتقدت هيئات م. ت. ف، المعنية بقرار المفاوضات إلى التوافق، في ظل اعتراض قوى وازنة  فيها.

• ذهب إلى المفاوضات وهو لا يملك رؤية متكاملة للعمل مع الجانب الإسرائيلي، سوى التنازلات التي كان قد قدمها في محطات سابقاً، غياب أي أجندة سياسية واضحة، سوى مبادرة السلام العربية متجاوزاً حتى ما جاء في إتفاق أوسلو عن «مفاوضات الحل الدائم». وبالتالي وافق على تبادل الأراضي عبر خطوط حزيران  67 ( أي    الموافقة على بقاء مستوطنات في الأراضي الفلسطينية). كما وافق ضمناً على شطب حق العودة إلى الديار والممتلكات، لصالح حل أقره مشروع جينيف - البحر الميت، لاستبدال حق العودة، بمكان سكن دائم للاجئين، أما بشأن القدس فقد بقيت المواقف الفلسطينية غامضة، في جوهرها، وعلى استعداد لحل يرضي الطرفين.

• ذهب الوفد الفلسطيني الرسمي إلى المفاوضات، في ظل تشكيك إسرائيلي بشرعية تمثيله للفلسطينيين، لذلك     أكد الجانب الإسرائيلي على أن أي اتفاق يتم التوصل إليه سيبقى معلقاً، إلى أن تستعيد السلطة في رام الله سيطرتها على قطاع غزة.

• ذهب، كما يعتقد، مدعوماً من الولايات المتحدة، بوعد من الرئيس بوش بإقامة الدولة الفلسطينية في نهاية عام 2008.

ما جرى أن المفاوضات تحولت إلى سلسلة من المناورات الإسرائيلية، يقدم خلالها الوفد الإسرائيلي اقتراحاً اليوم، ثم يسحبه غداً لصالح اقتراح أخر، ويقدم خارطة للحدود اليوم، ثم يسحبها لصالح خارطة في اليوم التالي، إلى أن انقضى العام 2008. في حرب شنتها إسرائيلي على قطاع غزة.

الرئيس عباس طار إلى واشنطن، ليعتذر منه الرئيس بوش عن عدم وفاءه بالوعد بإقامة دولة فلسطين نهاية عام 2008.

أما الرئيس عباس، فقد استنتج في تصريح له أن إسرائيل لم تكن ترغب في السلام، متجاهلاً دور العراب الأميركي في تحويل القضية الفلسطينية إلى ملهاة على مسرح الشرق الأوسط.

يتبع...

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط