كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان: بين الهدف الأمني المُعلن والهدف الديموغرافي المُضمر

الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان: بين الهدف الأمني المُعلن والهدف الديموغرافي المُضمر

تاريخ النشر: 2026-03-30 | 12:48

تُشكل الحروب الإسرائيلية على كلٍّ من قطاع غزة ولبنان مدخلًا تحليليًا مهمًا لفهم العلاقة المركبة بين الأهداف الأمنية المُعلنة والنتائج الديموغرافية المُضمرة. يمكن قراءة هذه العلاقة في ضوء سياسة "الترانسفير"، التي ارتبطت تاريخيًا بالفكر الصهيوني، وممارسات تيار "أحبَّاء صهيون"، وأطروحات المفكرين اليهود، أمثال: "الحاخام يهوذا بيباس" (1789-1852م)، و"الحاخام يهوذا بن سليمان هاي القلعي" (1798-1878م)، و"الحاخام تسفي هيرش كاليشر" (1795– 1874م)، و"موشي هِس" (1812– 1875م). الذين طالبوا بالاستيطان الإحلالي والفوري لفلسطين، وهو سلوك قائم على إحلال جماعات سكانية جديدة محل السكان الأصليين.
وقد تجلّت ممارسات هذا التيار عام 1896م عندما طرد 800 فلسطيني من سكان قرية المطلة بواسطة فرقة من الجيش العثماني تمت رشوتها من قبل جماعة يهودية ليحل محلهم مستوطنين صهاينة جدد لا علاقة لهم بالأرض (تاريخاً وجغرافيةً)، واستمرت هذه السياسة خلال فترة الانتداب البريطاني 1920-1948م، ثم تعززت في أعقاب حرب 1948م وما ترتب عليها من نكبة، وحرب 1967م وما ترتب عليها من نكسة، لتبقى حاضرة بأشكال مختلفة في سياق الحروب التي خاضتها إسرائيل في الأراضي العربية المحتلة. وعليه، فإن الترانسفير لا يقتصر على كونه سياسة مباشرة، بل يمكن فهمه أيضًا بوصفه نتيجة تراكمية لسياسات ضغط متعددة تستهدف إعادة تشكيل الواقع السكاني.
في هذا الإطار، تبرز الحرب على لبنان منذ 2 أذار/مارس 2026م توجّهًا لإحداث تغيير ديموغرافي واسع في المنطقة عبر استهداف الجسور على نهر الليطاني، بالتوازي مع عمليات التهجير، وهي مساعي منظّمة تهدف لإعادة تشكيل الخريطة السكانية في الجنوب، فالمنطقة تضم نحو خُمس سكان لبنان، وتشكل ما يقارب عُشر مساحتها الجغرافية. كما أن تكثيف الغارات على مدينة صور التي تضم كثافة سكانية، وتُعد من الحواضن الاجتماعية لحزب الله، يعزز فرضية أن إسرائيل تركز في هذه المرحلة على البعد الديموغرافي إلى جانب الأهداف العسكرية التقليدية.
في المقابل، تكشف الحروب المتكررة على قطاع غزة، منذ عام 2008م، مروراً بحرب عام 2014م، وصولًا إلى حرب عام 2023م، عن نمط أكثر كثافة واستمرارية، إذ يتداخل الضغط العسكري مع الحصار البري والبحري والجوي طويل الأمد، بما يؤدي إلى خلق واقع سكاني هش غير مستقر، قابل للتحول على المدى البعيد. ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على المواجهة العسكرية المباشرة، بل يمتد ليشمل استهدافًا منهجيًا لمقومات الحياة الأساسية.
ويُعد استهداف البنية التحتية أحد أبرز أدوات تنفيذ هذه الاستراتيجية، حيث تتجاوز آثارها الجانب العسكري لتطال البنية الاجتماعية ذاتها. فمن جهة، يؤدي تدمير المرافق الحيوية إلى إضعاف البيئة الحاضنة للمقاومة، عبر تقويض قدرتها على توفير الدعم اللوجستي والاجتماعي. ومع تدهور الظروف المعيشية، تتراجع قدرة المجتمع على الاستمرار في أداء هذا الدور، بما ينعكس على طبيعة العلاقة بين السكان وقوى المقاومة. ومن جهة أخرى، يشكل هذا الاستهداف وسيلة ضغط مباشرة على قوى المقاومة، إذ يسهم تدمير شبكات الطرق والاتصالات في تعطيل الإمدادات وتقييد الحركة وإضعاف التنسيق. كما يمتد هذا الضغط إلى البعد الاجتماعي، حيث يؤدي استهداف المدنيين إلى خلق بيئة ضاغطة تحدّ من هامش مناورة هذه القوى.
وعلى مستوى أعمق، يمكن النظر إلى هذه السياسات بوصفها جزءًا من محاولة لإعادة تشكيل المجال الجغرافي والتوزيع السكاني. فالتدمير واسع النطاق يدفع إلى النزوح، ويُحدث اختلالات في الكثافة السكانية، ويُفضي إلى إعادة رسم الخريطة الديموغرافية بشكل تدريجي. ومن هذا المنظور، يغدو الترانسفير بهذه الاستراتيجية عملية غير مباشرة، تتحقق عبر التراكم لا عبر القرار الفوري.
إن المتتبع لممارسات إسرائيل العدوانية يجد تكراراً لهذه السلوك الذي يقوم على استهداف مقومات الحياة في مناطق المواجهة. فقد برز سلوكها بوضوح خلال عملية "السور الواقي" في الضفة الفلسطينية عام 2002م، حيث شهدت تدميرًا واسعًا للبنية الحضرية والمرافق المدنية. كما عاد هذا النمط من السلوك للظهور في مخيمات شمال الضفة خلال الأشهر الماضية، حيث ترافق التهجير مع عمليات هدم وتجريف واسعة أثّرت بعمق في الحياة اليومية للسكان.
وعند المقارنة بين الحالتين اللبنانية والغزية، يتبين أن الاختلاف لا يكمن في طبيعة الأدوات المستخدمة بقدر ما يتمثل في نتائجها. ففي لبنان، بقيت آثار النزوح والتدمير ضمن حدود التأثير المؤقت،الذي يمكن استيعابه، بينما في غزة تتراكم هذه السياسات لتنتج حالة مستمرة من الضغط البنيوي، ما يجعل احتمالات التغيير الديموغرافي أكثر قابليةً على المدى القريب.
كما يمكن إدراج هذا السلوك ضمن استراتيجية أوسع لإدارة الصراع، تقوم على تفكيك مقومات الحياة، ورفع كلفة المواجهة. فهذه الاستراتيجية لا تستهدف فقط تحقيق مكاسب عسكرية، بل تسعى أيضًا إلى التأثير في وعي المجتمع ودفعه نحو إعادة تقييم جدوى الاستمرار في الصراع.
ثمة اختلاف يبرز الموقع الاستراتيجي لكل من لبنان وغزة في الحسابات الإسرائيلية؛ فلبنان يُنظر إليه كساحة إقليمية تتقاطع فيها المصالح، في حين تُعد غزة جزءًا من معادلة الأرض والسكان، وتغيير التركيبة الاجتماعية والديموغرافية. وبينما يظل هذا التأثير محدودًا (نسبيًا) في الحالة اللبنانية، فإنه في غزة يتخذ طابعًا (تراكميًا) مستمرًا، ما يعزز من أهمية قراءة هذه السياسات في إطار سياسة الترانسفير بوصفها مدخلًا لفهم التحولات الديموغرافية التي تسعى دولة الاحتلال لتنفيذها.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط