كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحرب الأمريكية–الإيرانية: مقاربة تحليلية في ضوء نظرية المباراة

الحرب الأمريكية–الإيرانية: مقاربة تحليلية في ضوء نظرية المباراة

تاريخ النشر: 2026-04-08 | 12:12

تُعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران نموذجًا مركّبًا للتفاعلات الاستراتيجية في النظام الدولي المعاصر، حيث تتقاطع اعتبارات القوة والردع والرمزية السياسية ضمن بيئة يغلب عليها الالتباس وعدم اليقين. وغالبًا ما يُختزل هذا الصراع في توصيف "اللعبة الصفرية" ضمن إطار نظرية المباراة، إلا أن هذا الاختزال -على الرغم من وجاهته الظاهرية- يُخفي وراءه شبكة معقدة من الحسابات التي تتجاوز منطق الربح والخسارة المباشرة.
اعتمادًا على ما تقدم، نسعى في هذه المقالة لتسليط الضوء على الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في إطار نظرية المباراة أو اللعبة، وذلك من خلال المحاور التالية:
أولاً- نظرية المباراة: تأصيل نظري مفاهيمي:
تُعد نظرية المباراة فرعًا من الرياضيات التطبيقية التي تهتم بتحليل المواقف التي يكون فيها لعدة أطراف تفاعل مشترك، حيث يتوقف مصير كل طرف على اختيارات الأطراف الأخرى. وقد طُوِّرت هذه النظرية بدايةً من خلال العمل التأسيسي لـ"جون فون نيومان" و"أوسكار مورغنسترن" في كتابهما "نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي" عام 1944م، قبل أن يضيف العالم "جون ناش" بُعدًا حاسمًا من خلال تقديم ما بات يُعرف بـ"مفهوم توازن ناش".
تقوم نظرية اللعبة على عدة مكونات رئيسة، هي:
١. اللاعبون: هم الفاعلون المتدخلون في اللعبة، سواء أكانوا أفرادًا أو مؤسسات أو دولًا.
٢. الاستراتيجيات: تمثل مجموعة من الخطط الممكنة التي يمكن للاعب اعتمادها في كل حالة.
٣. المدفوعات: تشير إلى العوائد أو الخسائر المترتبة عن اختيار استراتيجية معينة.
٤. قواعد اللعبة: تحدد كيفية سير اللعبة، كعدد الأدوار، ووجود تعاون من عدمه، وحجم المعلومات المتاحة، إلخ.
تنقسم اللعبة بحسب عدة أصناف، من بينها:
١. ألعاب تعاونية وغير تعاونية: في الأولى يمكن عقد اتفاقات ملزمة، بينما في الثانية يتخذ كل لاعب قراراته بشكل مستقل.
٢. ألعاب مجموعها صفري: حيث ما يكسبه لاعب يخسره آخر، مثل لعبة الشطرنج أو الورق.
٣. ألعاب مجموعها غير صفري: حيث يمكن لجميع اللاعبين الربح أو الخسارة في آن واحد.
٤. ألعاب متزامنة ومتتالية: في الأولى يتخذ اللاعبون قراراتهم في الوقت نفسه، بينما في الثانية يتم ذلك بالتتابع.
٥. ألعاب كاملة المعلومات أو ناقصة المعلومات.
يمثل "توازن ناش" إحدى الركائز الأساسية لنظرية المباراة، ويعني الوصول إلى حالة لا يملك فيها أي لاعب دافعًا لتغيير استراتيجيته ما دام الآخرون ملتزمين باستراتيجياتهم. هذا التوازن لا يفترض بالضرورة تحقيق المصلحة الجماعية، بل يقوم على استقرار اختيارات اللاعبين.
وأبرز مثال على ذلك هو "معضلة السجين"، حيث يختار كل من السجينين خيانة الآخر لتفادي العقوبة الأقصى، رغم أن التعاون يمنحهما حكمًا أقل، وإنما أنماط سلوكهم جميعًا معًا.
ثانياً- أهداف النظرية وتطورها التاريخي:
تهدف النظرية إلى وصف الكيفية التي يتبناها كل لاعب لاختيار البديل الأنسب من بين مجموعة بدائل متاحة، وبشكل خاص ما يحدد نمط سلوكه حيال الآخر، والذي يحقق له أعلى ربح ممكن وأقل خسارة محتملة.
تفترض هذه النظرية أن العقلانية هي التي تتحكم في هذا الاختيار والسلوك، وتبني خاصية العقلانية مردها أنها تمثل النموذج الأكثر ملاءمة للتوظيف العملي. وتنطوي هذه النظرية على بيان العملية الذهنية التي يستخدمها اللاعب لتحديد السلوك الأفضل حيال اللاعب الآخر، إضافة إلى استشراف سلوكه المحتمل أثناء عملية التفاعل أو في المستقبل.
ثالثاً- تطبيق النظرية على الحرب الأمريكية–الإيرانية:
مفهوم اللعبة الصفرية يقوم على افتراض تعارض كلي في المصالح، بحيث لا يمكن تحقيق مكسب لأحد الأطراف إلا على حساب الآخر. وإذا ما أُسقط هذا المفهوم على الحرب الأمريكية–الإيرانية، بدا وكأن الطرفين منخرطان في صراع صفري على النفوذ الإقليمي، خاصة في مناطق حساسة مثل الخليج العربي، ومضيق هرمز.
تعزيز إيران لنفوذها في محيطها الإقليمي يُنظر إليه في دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية باعتباره تهديدًا مباشرًا لتوازن القوى، في حين ترى إيران في الحضور الأمريكي امتدادًا لمشروع احتواء يستهدف تقويض استقلالها الاستراتيجي. غير أن هذا التصور، وإن بدا متماسكًا نظريًا، ينهار عند فحصه في ضوء النتائج المحتملة للتصعيد. فالحرب الشاملة بين الطرفين لا يمكن توصيفها ضمن منطق رابح–خاسر، بل تُقارب أكثر ما تكون إلى حالة الخسارة المشتركة. إذ إن اندلاع مواجهة مفتوحة سيؤدي إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، وتآكل الاستقرار الإقليمي، فضلًا عن التكاليف العسكرية والاقتصادية الباهظة التي سيتحملها الطرفان.
ومن هنا، ينتقل التحليل من إطار اللعبة الصفرية إلى ما يُعرف في نظرية الألعاب بـ"الألعاب ذات الحصيلة السلبية"، حيث تكون النتيجة النهائية أقل من مجموع الخسائر الفردية.
وفي هذا السياق، ثمة أهمية تبرز "الألعاب المتكررة" بوصفها نموذجًا تفسيريًا أكثر دقة. فالتفاعل بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لا يحدث في لحظة واحدة، بل عبر سلسلة ممتدة من الأفعال وردود الأفعال، ما يجعل للمكانة الاستراتيجية والمصداقية دورًا حاسمًا، ويظهر جليًا في أدوات غير مباشرة مثل العقوبات الاقتصادية، والعمليات المحدودة، ودعم الحلفاء الإقليميين.
رابعاً- النماذج التطبيقية:
من أبرز الأمثلة التي تُظهر هذا النمط من التفاعل، حادثة اغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني "قاسم سليماني"، التي شكّلت ذروة في التصعيد بين الطرفين. فقد مثّلت عملية الاغتيال رسالة استراتيجية من الولايات المتحدة الأمريكية تهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وإعادة تثبيت الردع. غير أن الرد الإيراني جاء محسوبًا، إذ اقتصر على استهداف محدود، مع تجنب إيقاع خسائر بشرية كبيرة قد تدفع نحو تصعيد غير قابل للاحتواء. ويُظهر هذا المثال بجلاء كيف يعمل الطرفان ضمن منطق "التصعيد المضبوط"، حيث تُستخدم القوة كأداة تواصل استراتيجية أكثر منه وسيلة للحسم العسكري.
يمكن تفسير هذا السلوك في ضوء مفهوم توازن ناش، حيث يستقر الطرفان عند نقطة لا يجد أي منهما مصلحة في تغيير استراتيجيته بشكل أحادي، وتعد مقاربة "معضلة السجين" أو "ورطة السجين" مثالًا على ذلك. غير أن هذا التوازن ليس مستقرًا بالمعنى الصارم، بل هو توازن هش يقوم على إدراك متبادل لحدود القوة وتكاليف التصعيد، وأي خلل في هذا الإدراك قد يؤدي إلى انهيار التوازن والدخول في تصعيد طويل الأمد كما هو الحال في الوقت الراهن.
ولا يقتصر التعقيد على طبيعة التفاعل الثنائي، بل يمتد إلى تعدد الفاعلين في مسرح الصراع. فوجود أطراف إقليمية ووكلاء لكل من الولايات المتحدة كإسرائيل، ووكلاء لإيران كحزب الله والحوثيين، يحوّل الصراع إلى شبكة تفاعلات متعددة المستويات، حيث لا تكون القرارات مركزية بالكامل، وتزداد معها احتمالات الانزلاق نحو مزيدٍ من التصعيد.
تلعب الإشارات الاستراتيجية دورًا محوريًا في إدارة هذا الصراع، حيث تصبح الرسائل الرمزية أهم من الفعل ذاته. وعليه، فإن توصيف الصراع بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه لعبة صفرية يعكس جانبًا محدودًا من حقيقته، والصراع في جوهره مزيج من أنماط متعددة: تنافس صفري على النفوذ، مقيد بمنطق الردع والخسارة المشتركة، ومُدار ضمن تفاعلات متكررة تتسم بالحذر والحسابات الدقيقة. الفهم الدقيق يتطلب مقاربة تحليلية مرنة، تتجاوز النماذج التبسيطية، وتستوعب التعقيد الكامن في سلوك الدول ضمن بيئة دولية متغيرة، وشديدة التقلب.

×
أخبار
جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط