كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحرب في غزة... الفشل الكبير

الحرب في غزة... الفشل الكبير

تاريخ النشر: 2024-01-15 | 15:18

في الوقت الذي تستمر فيه الحرب الهمجية في قطاع غزة، ويستمر خلالها الإجرام الإسرائيلي في استهداف البشر والحجر وكل عناصر البقاء للحياة البشرية، وبتجاهل تام لكل القيم والمعايير والشرائع والقوانين الإنسانية، التي تحمي غير المحاربين من المدنيين والأطفال والنساء والشيوخ والمستشفيات ودور العلم وغيرها من مؤسسات إدارة الشأن العام وغيرها من متطلبات الحياة. لقد أظهر رد فعل إسرائيل المدمر والهمجي مع ما حدث في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي الذي تلام عليه «حماس»، مهما كانت دوافعها، كل غرائز الشر التي استبطنتها عقيدتها الصهيونية، القائمة على الاحتلال والقتل والتدمير والتهجير لشعب أصيل في أرضه؛ لتقوم لها دولة يرتبط بقاؤها بالاستمرار في ممارسة هذه الغرائز. وإذ يرى الإسرائيليون أن ما حدث في السابع من أكتوبر فشل أمني واستخباراتي وهو كذلك؛ إلا أنه فشل سياسي بالدرجة الأولى، إذ قادتها الغطرسة والأوهام غير المبررة إلى تجاهل معاناة غزة، وحصارها، ورأت في الهدوء النسبي في الضفة الغربية، وبضعف السلطة الفلسطينية، الفرصة لاستكمال تهويد فلسطين ومقدساتها. وقد قادتها هذه الأوهام أيضاً إلى الاعتقاد بأن الأيدي العربية الممتدة للسلام تعني انتهاء الاهتمام بالقضية الرئيسية في المنطقة، وهي القضية الفلسطينية، متجاهلة حقيقة أن لا سلام ولا استقرار ولا أمن في هذه المنطقة دون حل هذه القضية العادلة، ولو طبّعت معها جميع الدول العربية. لقد اعتقدت إسرائيل، برفضها لكل مبادرات السلام العربية وغير العربية وبعدم تنفيذها قرارات الشرعية الدولية، بأن سياساتها قد نجحت في تحميل المسؤولية للضحية، معتمدة في ذلك على هيمنة مؤيديها وداعميها على الإعلام الدولي، وعلى دوائر صناع القرار في الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. والآن ومهما كانت نتيجة هذه الحرب الهمجية فلا مفر لإسرائيل من مواجهة حقيقة تداعيات استمرار احتلالها، ونتيجة غطرستها وسياساتها وممارساتها المتهورة ضد الشعب الفلسطيني ومقدساته.

يتحمل الفلسطينيون في السلطة الفلسطينية و«حماس» والمنظمات الفلسطينية الأخرى مسؤولية كبرى لفشلهم، إذ لم يتمكنوا من التغلب على خلافاتهم وتجاوز الانقسامات المستمرة بينهم، موفرين الذرائع لإسرائيل والآخرين ليتجاهلوهم ويستفردوا بهم ويستضعفوهم، كان الانقسام بين السلطة و«حماس» في غزة وفي الضفة الغربية مدمراً لعدالة قضيتهم. والثمن الذي يُدفع في غزة دماراً ودماءً يتحملون جزءاً من مسؤولية التسبب فيه، بفشلهم في الارتقاء إلى مستوى قضيتهم. وعليهم اليوم الاستفادة من درس معاناتهم، ومن التعاطف الشعبي الدولي للتحدث برسالة واحدة لمخاطبة العالم. وهذا الفشل الفلسطيني له رافده من الفشل العربي الذي لم ينجح لدفع القوى الفلسطينية للتوحد، وفي ترك غزة محاصرة ـ وفي عدم دعم رغبتنا في السلام، بما يدفع القوى الدولية والإقليمية لتأخذنا مأخذ الجد.

إن الفشل الأكبر الذي أظهرته هذه الحرب على غزة هو انكشاف أقصى درجات النفاق وازدواجية المعايير لدى النخب والدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، والذين كانوا يبيعون الأوهام للشعوب الأخرى برقي حضارتهم، والتزامهم بالمبادئ الأخلاقية والإنسانية والقانونية وبالسلام العالمي. إن هذا الانكشاف ليس جديداً بالنسبة لنا في هذه المنطقة، لكنه قد اتضح لدى شعوبهم أيضاً التي آمنت بما يُبشّر به من قيم ومبادئ. وهذا الفشل الكبير تجلى في مواقفهم في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي دعمهم الصريح لهذه الحرب، ويتجلَّى هذا الفشل أيضاً في أطروحاتهم حول كيفية الخروج من هذا المأزق الذي يجسد هذا الفشل الكبير. سيبقى هذا الفشل متحكماً ما دامت سياسة الولايات المتحدة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية باقية تعبّر عن السياسة الإسرائيلية التي تقاد من قبل متطرفين تقودهم غرائزهم الشريرة لاستمرار المجزرة والتشفي بمزيد من الدمار والدماء. إن الفشل الأميركي اليوم نابع من تراكم الفشل خلال الأربعين عاماً الماضية من إدارتها لمساعي التوصل إلى تسوية لهذا الصراع، إذ لم تكن مواقفها إلا تعبيراً عن المواقف الإسرائيلية، التي لا تريد دفع فاتورة السلام وتمديد الزمن لإيجاد أمر واقع تنتفي معه فرص حل هذه القضية حلاً عادلاً ومقبولاً يحقق قيام دولة فلسطينية أو حق تقرير المصير. تعلن الولايات المتحدة وباستمرار دعمها لحل الدولتين، لكنها أبداً لم تضغط بما يكفي لدفع إسرائيل إلى هذا الحل. لقد أظهرت هذه الحرب أن إسرائيل هي ربيبة الولايات المتحدة، المدافع والحامي لها، بل وهي التي تقود سياسة الولايات المتحدة لتنفيذ أطماعها. وعليه فالمسؤولية كاملة تقع على عاتق الولايات المتحدة لتحقيق السلام في المنطقة وحل هذا الصراع الممتد والمهدد لأمنها واستقرارها. وبسبب هذا الالتصاق الأميركي - الإسرائيلي فإن الولايات المتحدة فقدت وتفقد مصداقيتها بوصفها وسيطاً في هذه القضية.

إن الأطروحات السياسية جميعها حول الخروج من مأزق غزة الحالي، لا سيما المطروحة من الدول الغربية، لا تخرج عن كونها محاولات فرض معادلات لا تأخذ بالاعتبار حال الضحية ومتطلباته، بل تأخذ بمتطلبات المحتل، وإعادة قطاع غزة لوضع ما قبل السابع من أكتوبر الذي كان دافعاً لما حصل في ذلك اليوم، إذ لم يكن لدى الغزاويين المحاصرين ما يفقدونه، ولا خيار لهم غير محاولة الانعتاق من هذا السجن الكبير. وللأسف كان ثمن ذلك غالياً. وكل هذه الأطروحات تتحدث عن مسؤولية «الإعمار ما بعد الحرب»، وتطلب من غير المتسبب في الدمار تحمل المسؤولية التي ينبغي أن يتحملها المتسبب وداعموه. للخروج من هذا المأزق والأطروحات غير الواقعية حوله، قد تكون البداية السعي العربي لاستصدار قرار أممي جديد يفرض وقف إطلاق النار الفوري، وفرض هدنة طويلة الأمد، لمدة 5 سنوات أو أكثر، على الطرفين بضمانة عربية للطرف الفلسطيني، وضمانة دولية للطرف الإسرائيلي بعدم الاعتداء. وتُتوج نهاية هذه الهدنة بقيام الدولة الفلسطينية بناء على القرارات الدولية، وهي قرار 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، والقراران 242 و338 الصادران عن مجلس الأمن. يلي ذلك البدء بمفاوضات جدية لحل نهائي للقضية الفلسطينية مبنية على مبادرة اللجنة الرباعية، والمبادرة العربية للسلام المعبّرة عن القرارات الأممية.

وللالتزام بذلك ينبغي أولاً إعلان «حماس» التزامها بميثاق منظمة التحرير الفلسطينية وخياراتها السياسية والدخول ضمن صفوفها، وتوافق فلسطيني على قيادة سياسية فلسطينية للقطاع تتولى إدارة شؤونه كافة حتى إجراء انتخابات فلسطينية عامة تتجدد من خلالها قيادة السلطة الفلسطينية وبمشاركة فصائل منظمة التحرير جميعها، ويترافق ذلك مع انسحاب القوات الإسرائيلية بشكل كامل من القطاع وتبادل الأسرى، ورفع الحصار، وإنشاء صندوق دولي لبدء إعادة الإعمار تحت إشراف دولي يُموّل من إسرائيل وداعميها الغربيين والراغبين من الدول الأخرى. ولنجاح مسعى السلام الجديد أرى منع كل القيادات الحالية في «حماس»، وفي السلطة الفلسطينية، وفي إسرائيل من أن تتبوأ منصباً سياسياً إلى الأبد.

الشرق الأوسط

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط