كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحرب ما توقفت أبداً

خوض العدو حربه موحداً في القدس والغور والضفة والنقب، والحالة الفلسطينية مشتتة، وفاقدة للإرادة السياسية. فما العمل إذن؟

■ تشتعل حرب داخل الأراضي الفلسطينية، لم تخمد نيرانها، منذ العام 1948، هي حرب الاستيطان الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية.

وحالياً تدور الحرب على ثلاث جبهات رئيسية، بل ربما أربع جبهات تتمثل في القدس الشرقية المحتلة أولاً، وفي منطقة الغور ثانياً، وفي أنحاء الضفة الفلسطينية ثالثاً، وفي منطقة النقب، في مناطق 48، أخيراً وليس آخر. وتدور هذه الحرب، في ظل مفاوضات تتناقض الأنباء بشأن مسارها وبشأن احتمالات نجاحها. ففي الوقت الذي يعبر فيه المفاوض الفلسطيني عن تشاؤمه، يقابله تشاؤم مماثل من قبل الأطراف المتطرفة في الجانب الإسرائيلي، يصرّ وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ورئيسه باراك أوباما (خاصة في خطابيهما في مركز صبّان للسياسة في الشرق الأوسط) على التفاؤل، رغم أنهما يعرضان مشاريع حلول لا يتردد المفاوض الفلسطيني عن كشف رفضه لها، رغم التفاؤل المصطنع حول احتمالات الحل في ظل مشروع «الدولتين».

• القدس، كما يؤكد قادة العدو، وقد امتدت مساحتها بقرارات إسرائيلية لتصبح 77 كم2، ستبقى موحدة (أي لا انسحاب) «وعاصمة أبدية» لإسرائيل. والحلول المطروحة، سبق وأن تحدثنا عنها وتهدف إلى تزوير الأحياء العربية المجاورة لتدعى «القدس» على أن تدعى القدس القديمة وتوابعها (77 كم) بروشلايم. وعمليات التهويد على قدمٍ وساق، إن في طرد المواطنين الفلسطينيين منها، أو في الاستيلاء على الأحياء العربية وتهويدها عبر زيارة المستوطنات، أو التهديد بابتلاع المسجد الأقصى كما تم ابتلاع الحرم الإبراهيمي في الخليل، أو من خلال إغلاق المؤسسات الاجتماعية والثقافية والبحثية الفلسطينية، لتجريد المجتمع المدني من عناصر قوته، وتحويله إلى مجتمع هشّ يسهل إسقاطه تحت ضربات المشروع الاستيطاني الذي لم يتوقف، والذي، كما أوضحت الصحف الإسرائيلية، ارتفعت ميزانية تنفيذه عشر مرات (من 58 مليون شيكل في آب /أغسطس/ الماضي إلى 614 مليون شيكل خلال شهر كانون الأول /ديسمبر/ الحالي).

• أما في الضفة الفلسطينية، فإن جنون الاستيطان مشتعل بلا حدود والأرقام التي تتداولها الدوائر الصهيونية مذهلة ولافتة للنظر.

كان يعيش في المستوطنات في نهاية العام 1993 (عام توقيع اتفاق أوسلو) ـــ ومن دون القدس الشرقية ــــ نحو 110 آلاف مستوطن، ارتفع عددهم اليوم إلى نحو 355 ألفاً. أي إن عدد المستوطنين قد ضاعف نفسه في هذه السنوات أكثر من ثلاث مرات. ولو زاد عدد سكان إسرائيل بذات الوتيرة لتوجب أن يكون عددهم الآن 16 مليون نسمة، ما يوضح مدى خطر التزايد السكاني في مناطق الاستيطان (عدد سكان إسرائيل الآن 8 مليون بمن فيهم غير اليهود). ثلث الزيادة في المستوطنات اعتمدت على الولادة، والثلثان الباقيان على الهجرة من داخل إسرائيل وخارجها إلى المستوطنات. بني في المستوطنات (من دون القدس الشرقية) منذ بدء 1994 (أي بعد أيام على توقيع اتفاق أوسلو) وحتى نهاية 2012، 38744 وحدة استيطانية، ولكن إذا احتسبنا الشقق «غير القانونية» التي تبنى ولا تدخل في الإحصاءات الرسمية لوصل عدد الشقق منذ بدء مسيرة أوسلو إلى 42 ألف وحدة سكنية استيطانية. وفي السنوات التي مضت منذ التوقيع على اتفاق أوسلو ضاعفت إسرائيل عدد المستوطنات في الضفة الفلسطينية، إذ أنشأت أكثر من 100 مستوطنة جديدة بعضها مازال يسمى «بؤرة استيطانية» يجري مؤخرها منحها الصفة القانونية لتصبح رسمية بتشجيع من الحكومة وعلى نفقتها، وبذلك نكون أمام موجة مرتقبة من الوحدات السكنية الاستيطانية التي سيتم بناؤها في المستقبل.

 * * *

يتركز الجهد الأميركي الآن ، في زيارة كيري إلى المنطقة على تنظيم الأمور لتمكين إسرائيل من ابتلاع منطقة الغور [سلة الغذاء الفلسطينية] من خلال ما يسمى بترتيبات أمنية في إطار الحل الدائم، تتيح للاحتلال الإسرائيلي أن يدوم في هذه المنطقة كحد أدنى لثلاثين عاماً، تعتبر فترة انتقالية، للتأكد من قدرة «الدولة الفلسطينية» على تأمين حماية الحدود الشرقية. حجة إسرائيل في ذلك أن الدولة الفلسطينية ستكون مجردة من السلاح، وبالتالي لن تكون قادرة على حماية الحدود الشرقية لإسرائيل مما يتوجب بقاء الجيش الإسرائيلي في المنطقة (مع طرق إمداد ومواقع عسكرية ومحطات إنذار وحرية حركة..) ما يعني ضم أجزاء واسعة من الغور الخصب والغني بالخيرات والمياه، إلى إسرائيل تحت ذرائع أمنية. تبلغ مساحة الغور حوالي مليون دونم، والمنطقة المرشحة للضم لا تقل عن 500 ألف دونم، تقوم فيها مستوطنات ومزارع إسرائيلية سوف تبقى في مكانها باعتبارها ستسهم في حماية إسرائيل، من خلال تواجد المستوطنين المسلحين فيها، ما يعني إخراج الفلسطينيين، المزارعين في المنطقة، منها، دوماً لأسباب أمنية وتجريدهم من أرضهم وحرمانهم من خيرات وطنهم.

• منطقة النقب في جنوب فلسطين، مسرح لحرب ساخنة بين المواطنين الفلسطينيين (يحملون الجنسية الإسرائيلية)، الحكومة التي ستطبق مشروع «بيغن ـــ برافر» الهادف إلى طرد سكان المنطقة خارجها، وتغيير ديمغرافيتها، وجغرافيتها، والعمل على تهويدها.

النقب منطقة إستراتيجية، فيها مفاعل ديمونا النووي، والمصانع العسكرية، والعديد من المعامل والمصانع الأخرى، ومطارات حربية ومراكز قتالية، وتشكل لإسرائيل عنصراً مهماً في صناعة مستقبلها الاستيطاني الاستعماري الإقليمي. وتحت ذرائع شتى، يجري تنفيذ مشروع «بيغن ــ برافر» (راجع العدد الماضي من «الحرية» حول هذا الشأن). وقد تحولت هذه القضية إلى قضية قومية فلسطينية من الطراز الأول داخل إسرائيل، حتى أن الصحافة العبرية تتحدث عن «يوم أرض جديد» قيد الولادة في النقب كما ولد في الجليل عام 1976 حين حاولت إسرائيل أن تنهب الأراضي العربية وتصادرها وتنتزعها من أصحابها.

مشكلة النقب (وكذلك القدس والضفة والغور) تطرح السؤال التاريخي: هذه الأرض لمن. هل هي للمهاجرين اليهود القادمين تحت غطاء المشروع الصهيوني أم أنها لأصحابها الشرعيين من أبناء الشعب الفلسطيني، يملكون، أو لا يملكون وثائق ملكية. فالقضية أكبر من الوثائق، القضية تتعلق بمستقبل فلسطين ومستقبل شعبها. نحن أمام عمليات تهجير جديدة هي امتداد لحرب 1948، التي صنعت اللاجئين الفلسطينيين وما زالت حتى الآن، تحول الفلسطينيين إلى لاجئين.

 * * *

المعركة تدور على الأرض بين حكومة إسرائيل المدججة بعناصر القوة العسكرية، والمالية، والإعلامية ، والبوليسية، وبين شعب أعزل مشتت. الأخطر أن إسرائيل نجحت في أمرين:

• الأول أنها فتتت هذه الحروب وحولتها إلى معارك متفرقة يخوض الفلسطينيين حربها متفرقين، في ملفات منفصلة عن بعضها البعض (القدس لوحدها، والغور كذلك، والضفة لوحدها، والنقب كذلك)، مما يعزز قوة العدو وبطشه وقدرته على الفعل.

• الثاني أنها «حيّدت» القيادة السياسية الفلسطينية التي غرقت حتى الأذنين في بحث منطقة الغور (كمسألة أمنية فقط خارج التصدي لمشروع الاستيطان) بينما بقيت في موقف المتفرج على باقي المعارك، يكبل يديها القيد القاسي الذي قبلت به حين التزمت أمام الأميركي بعدم اللجوء إلى المحافل الدولية (اتفاقيات جنيف ــ المحكمة الجنائية ــ محكمة لاهاي) في مقاضاة إسرائيل على جرائمها، وحين التزمت أيضاً بألا تكون هناك انتفاضة ثالثة، حتى ولو فشلت العملية التفاوضية والإصرار على حل مشبوه، بدأت ملامح موته تبدو واضحة العيان هو حل الدولتين، تؤكد الوقائع أنه حل وهمي، خاصة إذا اعتقدنا أن إسرائيل ستسلم بقيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة بحدود حزيران 67 وعاصمتها القدس الشرقية (حتى دون الإتيان على ذكر قضية اللاجئين وحق العودة).

حرب يخوضها العدو بكل قواه لابتلاع الأرض، وإغلاق الطريق أمام قيام مشروع الدولة الوطنية الفلسطينية، فهل يستفيق الغافلون من غفلتهم، أم أن خيبة الأمل لدى الفريق المفاوض شلت قدرته حتى على التفكير خارج اللعبة التفاوضية المهزلة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط