كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحرب مستمرة والدبلوماسية متعثّرة

الحرب مستمرة والدبلوماسية متعثّرة

تاريخ النشر: 2026-03-26 | 06:41

جمال زحالقة
جمال زحالقة

أرسلت الإدارة الامريكية، الإثنين الماضي، عبر الوسطاء، مقترح مخرج من الحرب مكوّنا من 15 نقطة، لتجري على أساسه مفاوضات في باكستان للتوصّل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب. وأثار هذا الخبر ردود فعل متباينة وحتى متناقضة، وتبعه انخفاض في سعر النفط وارتفاع في قيمة الدولار، وذهبت بعض التقديرات إلى أن الحرب أشرفت على الانتهاء. لكن لا دليل، إلى الآن، على أن نهايتها قريبة، فإسرائيل مددت، وليس بالصدفة، «حالة الطوارئ» حتى منتصف أبريل المقبل، وقال مسؤولون إسرائيليون إن الحرب سوف تستمر لأسابيع إضافية، كذلك أوضحت كارولين ليفيت، الناطقة بلسان البيت الأبيض، أنه «في الوقت الذي يستكشف فيه الرئيس ترامب ومفاوضوه هذه الإمكانية الدبلوماسية الجديدة، فإن عملية «الغضب الملحمي» مستمرة بلا هوادة لتحقيق الأهداف العسكرية».
جاء رد الفعل الإسرائيلي، على مقترح الحل التفاوضي، معارضا ومشككا بإمكانية التوصل إلى اتفاق، ومؤكدا أن الحل العسكري هو المخرج. وبرز أن إسرائيل متخوّفة من إمكانية وقف الحرب لفتح المجال للتفاوض، فهي أصلا لا تريد المفاوضات، لكنّها تريدها ـ إن جرت ـ أن تتم «تحت النيران» بلا وقف للحرب، حتى لو كان مؤقّتا، كما اقترح البعض. ورددت بعض وسائل الإعلام أن إسرائيل فوجئت ولم تكن على علم بالتحرك الأمريكي، ويبدو أن هذا جزء من التكتيك التفاوضي ولرد التهمة بأن نتنياهو يحرك ترامب.

إيران من جهتها لم ترد رسميا على المقترح الأمريكي، وهي تبدو مشكّكة في صدق النوايا الأمريكية، إذ أعلنت الخارجية الإيرانية أنّ «لا ثقة بالدبلوماسية الأمريكية، بعد تجربة كارثية وهجومين خلال المفاوضات». ووفق بعض المصادر الصحافية أبلغت إيران دول الوساطة، باكستان ومصر وتركيا، بأن التحرك العسكري الأمريكي في المنطقة، ونقل آلاف الجنود الأمريكيين إليها تثير الريبة بأن الاقتراح الأمريكي حول التفاوض قد يكون مجرد خدعة أمريكية جديدة. ولعل «التباطؤ» الإيراني في الرد على مقترح المفاوضات هو جزء من المفاوضات ذاتها، من خلال استهلالها بأن إيران لا تستجدي وليست في عجلة من أمرها لوقف الحرب، وأنّها بحاجة إلى «إقناع» للقبول بالمفاوضات، وإلى تطمينات وازنة قبل الجلوس إلى مائدتها. الإدارة الأمريكية سارعت إلى طرح مواقف علنية لحمل إيران على الموافقة، ومنها أن ترامب سارع إلى التصريح العلني بأن هناك اتصالات جدية، وعن ارتياحه لوجود عنوان قيادي إيراني للتفاوض. كما سرّب مسؤولون أمريكيون أن زيادة الحشد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط معدّة للتفاوض من موقف قوّة، وليس بالضرورة للقتال الحربي. واعتبرت إدارة ترامب أن مجرد طرح اسم شخصية بمستوى جيه دي فانس نائب الرئيس، كممثل الولايات المتحدة في المفاوضات هو شهادة على جدّية التوجّه لوقف الحرب وللتوصل إلى تفاهمات بعيدة المدى.
عشية المفاوضات، إذا جرت مفاوضات، تبدو مواقف الطرفين متباعدة جدّا ويصعب الجسر بينها. وبدأ الخلاف حول إجراء المفاوضات، قبل الخوض في مضمونها، فالولايات المتحدة تريد أن تقبل إيران بمقترح الـ15 نقطة كأساس للتفاوض، ومن المستبعد أن تقبل إيران بذلك، والأرجح أنها ستطرح إجراء مفاوضات بلا شروط مسبقة، سوى أن يكون الهدف وقف الحرب والتوصل إلى اتفاق بعيد المدى يقصي شبح عودة الحرب.

المطالب الإيرانية

وفق ما نشرته بعض وسائل الإعلام فإن المطالب الإيرانية في المفاوضات تتعدّى وقف إطلاق النار وتشمل: أولا، ضمانات لعدم تكرار الحرب والاعتداء على إيران لاحقا، وصرح مسؤول إيراني لقناة سي. إن. إن الأمريكية، أن الهدف ليس «مجرد تحقيق وقف إطلاق النار، بل إلى اتفاق ملموس لإنهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران»؛ ثانيا، أن يشمل اتفاق وقف الحرب على إيران وقف العمليات القتالية ضد حزب الله ولبنان؛ ثالثا، رفع العقوبات المفروضة على إيران وتحرير الأموال الإيرانية المحتجزة في بنوك دول الغرب؛ رابعا، إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة؛ خامسا، نظام جديد في مضيق هرمز، يشمل دفع رسوم عبور على غرار النظام القائم في قناة السويس؛ سادسا، رفض تام لمناقشة المشروع الصاروخي؛ سابعا، تعويض إيران عن خسائرها في الحرب؛ ثامنا، إيران مستعدة للالتزام بعدم تطوير أسلحة نووية، لكنّها تصر على أن يبقى مخزون اليورانيوم المخصّب في أراضيها، وأن تستمر في التخصيب للأغراض السلمية، مع قبول الرقابة الدولية في إطار الاتفاق.
هذه ليست بعد شروطا إيرانية رسمية، بل تعكس مجمل تصريحات القيادات الإيرانية وتسريباتها للصحافة العالمية. وليس واضحا بعد كيف ستتعامل إيران مع «التهديد الإسرائيلي» المعلن ضدها؟ وما هو مقترحها لضمانات أمريكية لعدم اعتداء إسرائيل عليها؟ الشرط الوحيد الذي طرحته إيران بهذا السياق هو وقف إسرائيل للحرب على لبنان، ولكن ماذا عن خطر شن إسرائيل عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، حتى بعد التوصّل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. في الماضي، وبعد التوصل إلى الاتفاق النووي في عهد الرئيس باراك أوباما، قامت إسرائيل بعمليات تخريبية في إيران، من دون أن تتحمل المسؤولية علنا وبصمت أمريكي وصل حد التواطؤ.
لا بد ان إيران منتبهة إلى «لغم إسرائيل» في الاتفاق مع الولايات المتحدة، ولكن قد تكون قد تلقّت تطمينات أمريكية، بان ما تتفق عليه معها يسري مفعوله على إسرائيل أيضا.

الشروط الأمريكية

لم تنشر، إلى الأن، تفاصيل خطة الـ15 نقطة التي طرحها ترامب كمخرج من الحرب الدائرة. لكن يستدل مما نشرته منصات إعلامية ذات مصداقية، أن الولايات المتحدة تريد بحث الخطة كرزمة واحدة تشمل: أولا، فتح مضيق هرمز للملاحة بلا قيود؛ ثانيا، اتفاق نووي جديد يشمل تسليم مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% إلى طرف خارجي متفق عليه ووقف التخصيب على الأراضي الإيرانية؛ ثالثا، وضع قيود على المشروع الصاروخي الإيراني حتى «لا يشكل خطرا على جيران إيران»، بما في ذلك إسرائيل؛ رابعا؛ وقف الدعم الإيراني لحلفائها في المنطقة، بالأخص حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن وبعض التنظيمات العراقية.
في المقابل تكون الولايات المتحدة مستعدة لوقف الحرب ولتخفيف العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية، ولتزويد إيران بما تحتاجه من يورانيوم خفيف التخصيب لأغراض سلمية مثل إنتاج الطاقة والبحث العلمي. السؤال الأوّل الذي تطرحه الإدارة الأمريكية اليوم هو هل إيران مستعدة لتغيير الموقف الذي طرحته في المفاوضات التي سبقت الحرب؟ فإذا بقي الموقف الإيراني كما هو فهذا يعني فشل العدوان الثنائي. لا دليل إلى الآن على أن إيران تراجعت عن موقفها بشأن رفض التفاوض حول مشروعها الصاروخي، والتمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها وعدم قبول التدخل الخارجي في علاقاتها بحلفائها في المنطقة. هذا كان موقفها قبل الحرب، ويبدو أنه لم يتغيّر، فهل يقبل ترامب الاعتراف بأن الحرب أعادت المفاوضات إلى نقطة الصفر؟ وكيف سيعلن الانتصار عندها؟

المآرب الإسرائيلية

الرد الإسرائيل الأولي على إعلان ترامب عن مفاوضات مع إيران جاء على لسان نتنياهو متملقا ترامب: «نحن نتحدث، جيشانا يعملان بتنسيق تام، لكن الرئيس ترامب هو الذي يتخذ القرارات ـ وأنا احترمها». هذا في العلن، لكن في الكواليس الدبلوماسية أطلقت إسرائيل حملة محمومة للتصدي لخطر «وقف الحرب»، ولضمان استمرارها، وأوكل نتنياهو مهمة إجهاض المفاوضات للوزير السابق رون ديرمر، الذي يعتبر أقرب المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي.
إسرائيل لا تعوّل على أي حل دبلوماسي، يبقي عند إيران قدرات عسكرية قد تهدده في يوم من الأيام. والعقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي تُعاد صياغتها منذ السابع من أكتوبر، تتّكئ أساسا على «منجزات الجيش في الميدان وليس على مكتسبات على طاولة المفاوضات». وعليه تطرح إسرائيل شروطا غير قابلة للتحقيق في المفاوضات، وهي تراهن على القوة والمزيد من القوة ثم العودة إليها كلّما لزم الأمر بنظرها.
المآرب الإسرائيلية هي: أوّلا، أن تبقى الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك سلاحا نوويا، وعليه الشرط أن تُمنع إيران نهائيا وإلى الأبد من الوصول إلى إمكانية تطوير سلاح نووي؛ ثانيا، القضاء على المشروع الصاروخي الإيراني برمته؛ ثالثا، حرية الطيران في أجواء إيران ومنعها من امتلاك سلاح دفاع جوي فعّال؛ رابعا، وقف دعم إيران لحلفائها في المنطقة، بالأخص حزب الله؛ خامسا، مواصلة الحرب ضد حزب الله حتى لو جرى التوصل الى اتفاق وقف إطلاق نار على الجبهة الإيرانية. هذه الشروط تعني استسلام النظام الإيراني، ولكن إسرائيل لا تكتفي حتى بذلك، بل هي تسعى إلى إسقاط النظام وتعلن أنها تقوم بجهود داخل إيران لتحقيق هذا الهدف، وهي تعمل على دفع الولايات المتحدة لتصعيد الحرب عبر عملية برية، وليس وقفها بعملية دبلوماسية.
الضغط الإسرائيلي قد يفشل الخيار التفاوضي، خاصة أن هناك في الإدارة الأمريكية من الصقور ومن الإنجيليين من هم كاثوليك أكثر من البابا بيبي.

كاتب وباحث فلسطيني

عن القدس العربي

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط