كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحركة التعاونية في فلسطين: إلى أين؟

الحركة التعاونية في فلسطين: إلى أين؟

تاريخ النشر: 2025-12-17 | 13:21

تُعدّ الحركة التعاونية إحدى الركائز الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تسهم في تعزيز التنمية الوطنية، وتحقيق العدالة، وتوفير فرص العمل، وبناء منظومة حماية مجتمعية ذات طابع تشاركي. ومع ذلك، فإن واقع التعاونيات في فلسطين يكشف عن فجوة كبيرة بين الفلسفة التعاونية ومعايير عملها الدولية من جهة، وبين ممارسات عدد كبير منها على أرض الواقع من جهة أخرى، في ظل غياب الحوكمة، وتراجع الرقابة، وضعف الأداء الإداري، واستحواذ أفراد أو مجموعات على القرار التعاوني بما يتعارض مع مبادئ الشفافية والمساءلة والمصلحة العامة.
أولًا: الفلسفة التعاونية بين النص والواقع
يقوم العمل التعاوني في المفهوم الدولي على مبادئ أقرتها “التحالف التعاوني الدولي ICA”، أبرزها:
الإدارة الديمقراطية؛ المشاركة الاقتصادية العادلة؛
استقلالية القرار؛ التنمية المستدامة؛التدريب وبناء القدرات؛
التعاون بين التعاونيات؛خدمة المجتمع.
غير أن الواقع الفلسطيني يشهد انحرافًا واضحًا عن هذه المبادئ في العديد من الجمعيات التي تحوّلت، بفعل الإدارة غير المؤهلة، إلى كيانات مغلقة تستفيد منها فئة محدودة عبر علاقات شخصية أو نفوذ، بدلًا من منطق المشاركة.
ثانيًا: غياب الحوكمة… من الاستثمار في الإنسان إلى الاستثمار في النفوذ
الإدارة التعاونية ليست منصبًا رمزيًا، بل علمٌ متخصص يستند إلى:
التخطيط المالي؛إدارة المشاريع؛إعداد دراسات الجدوى؛المعايير المحاسبية؛الرقابة الداخلية والخارجية.إلا أن جزءًا من الجمعيات الفلسطينية تُدار من قبل أشخاص يفتقرون إلى الخبرة المهنية، ما أدى إلى:
تعطيل مشاريع تنموية؛هدر منح مالية؛سوء توظيف الموارد؛تراجع ثقة المجتمع بالتعاونيات.
وفي دول رائدة كالهند وكندا وهولندا، أثبتت التعاونيات – الزراعية والاستهلاكية والائتمانية – قدرتها على بناء اقتصادات مجتمعية قوية عبر إدارة مهنية خاضعة للرقابة.
**ثالثًا: أين ذهبت الأموال؟
المشاريع التي لم تتحول إلى تنمية**
وفقًا لتجارب المنظمات الدولية المانحة، فإن التمويل التعاوني يجب أن يرتبط بـ:
1. خطة استراتيجية واضحة،
2. معايير أداء قابلة للقياس،
3. تقارير محاسبية مدققة،
4. تقييم دوري للنتائج.
لكن في الحالة الفلسطينية، تكشف المعطيات الميدانية وجود:
مشاريع أُنشئت على الورق فقط؛منح مالية صُرفت بلا تدقيق؛
تعاونيات استهلكت التمويل دون تحقيق نتائج ملموسة؛
تفاوت كبير بين حجم الأموال المخصصة والمخرجات الفعلية.
هذا الخلل ليس مجرد خطأ إداري، بل أزمة حوكمة تتطلب إصلاحًا جذريًا يضمن إعادة توجيه التمويل نحو مشاريع إنتاجية مستدامة.
رابعًا: مقارنة دولية… كيف نجحت تعاونيات العالم وفشلت تعاونيات عندنا؟
1. التجربة الهولندية
اعتمدت التعاونيات الزراعية في هولندا على:
التخطيط طويل الأمد؛ دمج التكنولوجيا الحديثة؛
بناء اتحادات قوية تشتري وتسوّق نيابة عن المزارعين.
والنتيجة: أصبحت من أقوى الأنظمة الزراعية في أوروبا.
2. التجربة الكندية
نجحت تعاونيات الائتمان الكندية (Credit Unions) في خلق قطاع مالي تنافسي يعتمد على:
ثقة المجتمع؛ الشفافية العالية؛توجيه الأرباح لخدمة الأعضاء.
3. التجربة الهندية
تمثل تعاونيات “آمور” نموذجًا عالميًا في إدارة قطاع الألبان، عبر:
النزاهة في الإدارة؛
المساءلة؛ التدريب المهني؛توزيع الأرباح بإنصاف.والنتيجة: انتشال ملايين الفلاحين من الفقر.
المشترك بين هذه التجارب جميعها هو الحوكمة الرشيدة والالتزام الصارم بمبادئ التعاون.
خامسًا: الواقع الفلسطيني… بين الطموح والمعيقات
على الرغم من وجود آلاف التعاونيات المسجّلة، إلا أن جزءًا كبيرًا منها يعاني من:
ضعف الإنتاج؛ غياب الخبرات؛تضارب المصالح؛تسييس العمل التعاوني؛نقص الرقابة الحكومية؛استخدام التعاونيات كمصدر دخل خاص لا كرافعة مجتمعية.
ومع اتساع الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتراجع فرص العمل، كانت الحاجة إلى التعاونيات أقوى من أي وقت مضى، لكن الأداء الحالي لا يلبّي هذه الحاجة. ولو كان هناك حركة تعاونية حقيقية لكان بالإمكان استيعاب ما يقارب خمسة عشر ألف عامل فلسطيني يعملون في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية
سادسًا: مسارات الإصلاح… نحو إطار قانوني ومؤسسي جديد
1. إصلاح تشريعي
تحديث قانون التعاون الفلسطيني بما يتوافق مع مبادئ ICA.
فرض الالتزام بالحوكمة، والشفافية، والرقابة المالية.
منع ازدواجية المناصب داخل التعاونيات.
2. إصلاح رقابي ومحاسبي
إخضاع جميع التعاونيات للتدقيق المالي الإلزامي.
تفعيل دور وزارة الاقتصاد والجهات الرقابية.
إحالة ملفات الفساد إلى محكمة جرائم الفساد.
ربط التمويل بمدى الالتزام بالنظام الأساسي والمشاريع الفعلية.
3. إصلاح إداري ومهني
تدريب مجالس الإدارة على مهارات التخطيط والقيادة.
تشجيع إدماج الشباب والنساء.
إعادة هيكلة التعاونيات غير المنتجة أو تجميدها.
سابعًا: نحو رؤية وطنية للتعاونيات كرافعة اقتصادية
تستطيع التعاونيات أن تتحول إلى قوة اقتصادية حقيقية تُسهم في
خلق فرص عمل؛ تثبيت المزارعين في أراضيهم؛تقليل التبعية الاقتصادية؛دعم صمود المجتمع؛ بناء اقتصاد إنتاجي لا ريعي
لكن هذا لن يتحقق ما لم تتغير المنظومة الإدارية والقانونية والرقابية جذريً
فقرة ختامية: نحو محاسبة شاملة واسترداد الأموال وإعادة بناء الثقة
إن فتح ملف التعاونيات اليوم لم يعد ترفًا، بل واجبًا وطنيًا واقتصاديًا. فقد ضُخت ملايين الدولارات في مشاريع يفترض أن تكون رافعةً للتنمية، لكن جزءًا كبيرًا منها تبخر بلا أثر، وتحوّل إلى رواتب ومصاريف وإدارات شكلية، فيما أُغلقت بعض التعاونيات أو ظلت مجرد مبانٍ فارغة تحمل الاسم فقط.
ولذلك تبرز ضرورة ملحّة لـ:
تشكيل لجان قانونية ومحاسبية وإدارية مستقلة؛
مراجعة سجلات الجمعيات وتدقيق ميزانياتها خلال السنوات الماضية؛
التحقيق في كيفية صرف الأموال وأين ذهبت؛ والتحقق من المشاريع وجدواها الاقتصادية وتفعيل المسائلة والمحاسبة
استرداد الأموال التي بُدّدت وذهبت لجيوب المنتفعين؛
تصنيف التعاونيات وفق:
نشاطها، إنتاجها،التزامها بنظامها الأساسي والهدف و،الغاية التي أُنشئت من أجلها؛تصفية الجمعيات غير الفاعلة التي لا تحمل من التعاون إلا الاسم واللافتة؛تقديم كل من تثبت إدانته إلى القضاء دون تردد.
فلا يمكن أن تنهض حركة تعاونية حقيقية ما لم تُغلق أبواب الفساد، وتُعاد هيكلة الواقع، ويُعاد الاعتبار للقانون والنظام العام، وتُبنى الثقة على أسس مهنية وشفافة واستراتيجية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط