مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط

انقلبت الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط رأساً على عقب بعد نشوء الموجة المضادة التي استهدفت ردع الربيع العربي وإحباط فاعليته ذات الطبيعة التحررية لدى الجيل الجديد من الشباب العربي. لم تكن الجهود المعادية للربيع العربي كونه يستهدف تغيير الواقع السياسي في العالم العربي، بقدر ما كانت تلك الجهود للحفاظ على بقاء السياسات الأمنية والاقتصادية المتوارثة عن الاستعمار منذ أكثر من نصف قرن في كثير من البلدان العربية.

 الأمر الآخر الذي يجب التنويه به، هو أن الربيع العربي وفر مظلة ظلالها وارفة لجماعات الإسلام السياسي التي اعتادت العمل تحت الضغط في العقود الماضية، ثم بفضل تلك الثورات أصبح لها أنظمة سياسية تحميها وتساندها؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر وفرت تركيا حضناً دافئاً للإسلاميين العرب وملجأ لهم عقب الثورة المضادة التي جمدت ثورات الربيع العربي بعد أن كانت لعقود من أشد الأنظمة العلمانية خصومة لأمثال هؤلاء، والفضل يعود بذلك للانتصارات الانتخابية التي حققها حزب العدالة والتنمية الإسلامي منذ عام 2002م.

 لم يكن الجهد الأمريكي الذي يمثل الراعي الرسمي لأي حَراك أمني وسياسي في المنطقة بعيداً عن اللعبة الشرق أوسطية؛ فمثلما تدخَّل لوقف انتصارات كتيبة المجاهدين في حرب البوسنة بتوقيع اتفاق "دايتون" في نوفمبر عام 1995م ليحبط بذلك أحد أبرز انتصارات المسلمين هناك، بدأ يتحرك لمنع تمدد قوى الإسلام السني خصوصا عقب انتصارات حققتها في الانتخابات المصرية والتونسية والمغربية والقوة العسكرية التي تصاعدت لصالح الإسلاميين في ليبيا وسوريا. كان التحرك الأمريكي واضح المعالم وله عدة محركات أبرزها ملف "الإرهاب" الذي أضحى مفهوماً عاماً يتم استخدامه من قبل واشنطن دون أجل محدد؛ فقتل الجنود الصهاينة من قبل المقاومة الفلسطينية اعتُبر إرهاباً في عرف واشنطن، بينما لم تصف يوماً أفعال الميليشيات الشيعية في العراق بالإرهاب؛ بل اعتبرت تصفية أهل السنة في سوريا والعراق جزءاً مشروعاً من الحرب على "الإرهاب". كذلك صعدت واشنطن من حدة الصراع بين إيران ومنطقة الخليج من خلال تأجيج الطائفية وزيادة حدة المعارك بين السنة والشيعة وكل ذلك بهدف حرف مسيرة الثورة السورية التي كانت في أوج انتصاراتها، خوفاً من نظام بديل عن النظام النصيري الحاكم في سوريا لا يقبل بالتصالح مع الكيان الصهيوني.

 

كذلك سارعت واشنطن لاحتواء قوة الإسلاميين بشق صفهم من خلال استيلاد مجموعات ترتدي عباءة الإسلام، وتقوم بأعمال إجرامية تضر بجهود الإسلاميين أكثر من أعدائهم، مثل "داعش" وغيرها من الجماعات التي أنجبتها؛ ففي العراق - مثلاً - وفي أوج الثورة السنية التي قام بها أهل السنة في العراق ضد الحكم الإيراني بزعامة نوري المالكي، خرجت جماعات متطرفة تتبنى الثورة السنية وتطالب بإقامة خلافة إسلامية موفرةً بذلك ذرائع كافية للجيش العراقي لمهاجمة الثورة السلمية في الأنبار. كذلك في سوريا قامت واشنطن بتقسيم الفصائل التي تقاتل النظام السوري إلى معتدلة ومتشددة لمحاصرتها ومنع وتقليص الدعم عنها، كما أنها بذلك حرَّمت على أعداء النظام الموالي لإيران في سوريا دعم ومساندة حلفائهم، بل زادت على مر السنوات الأولى للثورة بمنع والامتناع عن مطاردة وملاحقة عناصر تنظيم "داعش" رغم تصنيفه كأخطر التنظيمات "الإرهابية"؛ لأنه كان وما يزال يخدم السياسة الأمنية الأمريكية من خلال إشغال أعداء النظام السوري والجماعات الإسلامية التي تقاتله، كما سمحت حالة "داعش" بتطور قدرات الأحزاب الكردية المعادية لتركيا، التي أصبحت أبرز المتحدِّين لسياسات واشنطن في المنطقة.

 

في ظل الواقع الأمني والسياسي المتغير سريعاً لصالح تفتيت منطقة الشرق الأوسط، وزيادة حدة الصراع الطائفي في المنطقة؛ فإن الكيان الصهيوني الحليف الأبرز لواشنطن في المنطقة قد أصبح يرى أن البيئة الحالية مناسبة لتعزيز التعاون مع الأنظمة الحاكمة في المنطقة لا سيما أن الأخطار السابقة تهدد وجودها واستقرارها، وفي ظل انعدام تأثير الحلول العسكرية المؤقتة في حماية حدود الكيان الصهيوني فإن الحكومة الصهيونية أضحت تستخدم جوانب مختلفة للتعاون مع الدول العربية والإسلامية التي من الممكن أن تدعم شرعية وجود الكيان الصهيوني وتساهم بدرجة كبيرة في محاربة الإسلام السياسي المناوئ للمشروع الصهيوني في فلسطين.

 وفي دراسة نشرها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أكد أن الحقائق الإقليمية الجديدة تُحتم انتهاج أسلوب مكوَّن من مسارين: أولهما: تحسين التعاون الضعيف بين الدول العربية والكيان الصهيوني، وذلك يصب في مصلحة الولايات المتحدة وَفقاً لحيثياتها، وهذا الأمر يدعم - بصورة أو بأخرى - قوى "الاعتدال" في المنطقة. كما أن الدعم الأمريكي الهادئ للمبادرات التي تبني الجسور بين الأطراف سيساعد على مواجهة التصور الإقليمي المتنامي بأن الولايات المتحدة تعمل على تخفيض دورها في المنطقة أو الانسحاب منها كلياً. إن الجهود المستمرة ومتعددة الجوانب لتشجيع التعاون بين الكيان الصهيوني وجيرانه العرب سوف تساعد واشنطن على إدارة حالة عدم الاستقرار وتشكيل الحقائق المستقبلية في منطقة سوف تستمر أهميتها الحيوية لعقود طويلة.

 

في الفترة الماضية وفي ضوء التحديات الأمنية التي واجهت الكيان الصهيوني وما تزال تمثل خطراً عليه، حاول الأخير تعزيز علاقته بالجيش اللبناني بهدف محاربة "الإسلاميين الراديكاليين" كما نقلت صحيفة القدس العربي اللندنية. أيضاً أعلن الأردن قبل وقت قريب عن الشروع في طرح عطاء لتنفيذ المرحلة الأولى من مشروع "قناة البحرين"، وهو مشروع صهيوني أردني فلسطيني مشترك لتوفير موارد للمياه.

 المغرب أيضاً بحسب ما أكده الصحافي الصهيوني شلومو سيغف في كتابه: "العلاقة المغربية"، وذلك استناداً إلى أرشيف جهاز "الموساد" الذي يكشف عن تعاون صهيوني مغربي منقطع النظير. وكون التفصيل في شرح العلاقات الأمنية الصهيونية مع العالم العربي تحتاج لموسوعات ضخمة نظراً لعمقها وكثرة تشعبها، فإن تقريراً للصحفي نظير مجلي نشرته صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، اختصر ما نريد توضيحه من التأكيد على أن الكيان الصهيوني يسعى إلى تعزيز علاقته بصورة دائمة مع 4 دول عربية يقيم معها علاقات دبلوماسية كاملة وهي: مصر والأردن وموريتانيا وإريتريا، لكنه يعتبِر أن العلاقات مع أي دولة عربية خصوصاً ما يسمى بدول الطوق يمثل مصلحة استراتيجية للأمن الصهيوني.

 يعتقد صانع القرار الصهيوني أن العلاقات مع الدول العربية تمكنه من توفير بيئة استخبارية خصبة تساعده في مهاجمة أعدائه، مثلما حصل حينما أغارت طائرات حربية صهيونية على مجمَّع اليرموك في وسط الخرطوم في أكتوبر عام 2012م. كذلك فإن من شأن إقامة علاقات مع دول أعضاء في جامعة الدول العربية ومن خلال المشاركة في أنشطة اقتصادية ورياضية في تلك الدول يساعد الكيان في اختراق تلك المجتمعات وتكوين علاقات عميقة مع المجتمعات المدنية؛ ففي منتصف مارس قال وزير الشباب والرياضة المصري المهندس خالد عبد: إن مصر لا تستطيع منع الكيان الصهيوني من المشاركة في بطولة كأس العالم لكرة السلة للشباب تحت 19 سنة، المقرر لها في يوليو 2017م بالقاهرة.

 ختاماً: رغم السعي الأمريكي الصهيوني المشترك لصناعة بيئة أمنية ملائمة لازدهار المشروع الصهيوني، فإن المشاريع المقاوِمة التي لا تزال تحارب في ليبيا وفلسطين وسوريا والعراق، يمكن اعتبارها بوصلة حقيقية لتحديد طبيعة المنتصر في تلك المعركة، لا سيما أن تلك القوى الصغيرة تعتمد على الأيديولوجية في صناعة حلفائها وليس على المصالح، وغالباً ما يكون رهانها على الدعم الجماهيري والشعبي، الذي راهنت عليه قوى مماثلةٌ لها كانت تحارب يوماً على الأرض نفسها قبل أكثر من نصف قرن من الزمان.

×
أخبار
أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط