كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحرية والضرورة في حكاية جدار

الحرية والضرورة في حكاية جدار

تاريخ النشر: 2024-10-30 | 14:20

يذكرني جدار ناصر بصخرة سارتر. فكلاهما لم يشكلا عائقا أمام الحرية. الأشياء في ذاتها محايدة، وهي تكون ما نريده لها نحن أن تكون بلا زيادة أو نقصان كما يقول ناصر. كان سارتر قد قال شيئا شبيها عن صخرته، فهذه الصخرة التي يمكن أن تشكل عقبة كأداء من وجهة نظر ما فإنها يمكن أن تكون عاملا مساعدا عندما نرتقيها لكي نتأمل منظر البحر وهو يمتد في الأفق الأزرق البعيد. جدار ناصر تحول بفعل إرادة ناصر من جدار حاجز ومانع للحرية إلى فسحة يمارس من خلالها حريته. تنطوي هذه المفارقة على فهم معمق للحرية من منظور الفلسفة الوجودية التي تتضح ملامحها مبكرا في مفتتح الرواية. والحرية في الفلسفة الوجودية تقترن على الدوام بالضرورة. وهذا الربط بين الحرية والضرورة نجده في أوضح صوره عند عراب الوجودية سورين كيركجارد الذي بدأ ناصر حكايته بتقمص الحالات التي عاشها هذا العراب.


انشغل فلاسفة الوجودية قبل ناصر بإيجاد متسع للحرية داخل نسيج وجودنا. وقد احتجوا على النمط الذي اقترحه كانط من الحرية، والذي عد الخرية غير ممكنة داخل وجودنا الواقعي حيث كل شيء يخضع داخل هذا الوجود (عالم الظواهر) لاشتراطات الزمان والمكان والسببية الصارمة، واعتبر أن الحرية الحقيقية تقع في عالم الشيء في ذاته حب لا حيث وعند لا عند وكيف لا كيف. في الوجود الإنساني ثمة سقوف نعتها الوجوديون بالسقوف الوجودية والتي يتوجب علينا أن نمارس حريتنا داخلها ولا نحاول تخطيها لكيلا نفقد حريتنا ووجودنا معا. وقد دعا هيدجر هذه السقوف بالمواقف النهائية. إن الحرية توصف دائما بأنها كفاح وصراع ضد الحتميات والضرورات التي تحيط بالإنسان، وعندما تتلاشى هذه الضرورات والحتميات ففإن الحاجو للحرية تنعدم، بل أن مفهوم الحرية يفقد معناه ويصبح ضربا من العبث. والحالة الوحيدة التي تختفي فيها الضرورات والحتميات والسقوف هي حالة الألوهية، ولكن حرية الألهة لا يمكن بأي حال أن تلائم الكائن الإنساني.
من الواضح أن ناصر كان على وعي عميق بكل التداعيات السابقة عندما وقف يناجي جداره الماثل أمامه أبدا سواء على شكل جدار أو على شكل حكم بالسجن المؤبد، وقرر أن ينتزع حريته من بين براثن هذا الجدار.


في سياق مختلف يعثر ناصر على حريته المفقودة من خلال التعالي على الواقع المادي وإخضاع هذا الواقع لهيمنة الخيال. يستطيع العقل الإنساني بما أوتي من قوة الخيال أن يخرج من كل الاشتراطات الزمانية والمكانية والأسباب والعلل ليخلق عالما متحررا من ربقة المادي. وهذه الحرية ليست غريبة عن اشتغالات الفلاسفة، حيث اعتبرها شوبنهاور المتنفس الوحيد للحرية. واعتبر أن الفن بكافة أشكاله هو هروب الإنسان نحو الحرية. لقد وجد ناصر حريته التي يبحث عنها في الفن، والذي يستطيع أن يتعالى على قمع الواقع وضجيج نواقيسه الجبارة. والدليل على ذلك هو هذا العمل الفني الذي بين أيدينا، أقصد روايته. الرواية التي بين أيدينا هي وثيقة تحرر لكاتبها وشاهد على حريته التي ما فتئ يناضل من أجلها.
ما الذي أراد ناصر قوله عندما استلهم مفهوم التخلي من كيركجارد؟. من المعلوم أن كيركجارد نحت هذا المفهوم تحت وطأة صراعه الداخلي حيال علاقته بخطيبته ريجينا ولسون. كان كيركجارد يحدس بأن الأقدار قد هيأته لشأن عظيم، ولهذا السبب كان يرى أن السعادة التي تنتظره بصحبة ريجينا التي أحبها وأحبته سوف تقوده لحياة الدعة والهدوء، والذي من شأنه أن ينأى به عن الدور الذي رسمه له القدر. ولهذا السبب قرر التحلي والإقدام على التضحية بسعادته من أجل ما هو أعظم. وقد كان النموذج الحاضر في ذهن كيركجارد هو إبراهيم الذي جاءه الهاتف من الملأ الأعلى أن يكون جاهزا للتضحية بولده وتلبية النداء الأعظم. ولكن تضحية إبراهيم لم تكتمل لأن هاتفا من الملأ الأعلى قدم له أضحية بديلة لقاء إخلاصه في تلبية النداء. لقد كان كيركجارد ينتظر تدخلا مشابها يقول له أن يا كيركجارد قد صدقت الرؤيا وهذه حبيبتك خالصة لك. ولكن هذا التدخل لم يحصل وسار كيركجارد قدما في قطع علاقته بريجينا في حادثة مأساوية لكليهما.


هل مضى ناصر حتى نهاية الشوط في تخليه وتضحيته أم أن القدر تدخل وأوقف مسيرة التخلي والتضحية واستبدلها بقربان؟ هذا السؤال لا أحد يستطيع الإجابة عليه سوى ناصر. وربما يمكن استشفاف الإجابة التي تخفت في خبايا النص.

[*] مداخلة في ندوة "أسرى يكتبون" في رابطة الكتاب الأردنيين (الخميس 17.10.2024)

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط