كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحق في معاداة الصهيونية: حين تنتصر حرية الفكر على سياسة إسكات النقد

الحق في معاداة الصهيونية: حين تنتصر حرية الفكر على سياسة إسكات النقد

تاريخ النشر: 2026-08-08 | 11:00

د عبد الرحيم محمود جاموس
د عبد الرحيم محمود جاموس
ليست كل معارضةٍ للصهيونية معاداةً لليهود، كما أن كل نقدٍ لدولة أو أيديولوجيا لا يتحول تلقائياً إلى كراهيةٍ لأتباع دين أو جماعة. هذه الحقيقة البسيطة، التي ينبغي أن تكون بديهية في أي مجتمع ديمقراطي، اكتسبت في السنوات الأخيرة أهمية قانونية وسياسية وأخلاقية استثنائية، خصوصاً في بريطانيا، حيث تحولت قضية الأستاذ في علم الاجتماع السياسي ديفيد ميلر إلى اختبار حقيقي لحدود حرية التعبير والأكاديمية، وللفاصل بين حماية اليهود من العنصرية وحماية الصهيونية من النقد. ففي فبراير/شباط 2024، قضت محكمة العمل البريطانية بأن معتقدات ميلر المناهضة للصهيونية ترقى إلى معتقد فلسفي محمي بموجب المادة العاشرة من قانون المساواة لعام 2010، وأن جامعة بريستول مارست تمييزاً مباشراً ضده عندما فصلته عام 2021. Courts and Tribunals Judiciary وفي 4 أغسطس/آب 2026، جاء حكم محكمة استئناف العمل البريطانية (EAT) ليؤيد في جوهره هذا الاتجاه، رافضاً حجة الجامعة بأن الطابع السياسي للمعتقد يجعله خارج الحماية القانونية، ومؤكداً أنه لا يوجد سبب لاستبعاد معتقد لمجرد اتصاله بقضية سياسية أو اجتماعية ذات أهمية عامة. وقد أبقى الحكم بعض المسائل الجزئية لإعادة النظر، لكنه أبقى جوهر الانتصار القانوني قائماً. وهنا تكمن أهمية القضية، لا باعتبارها انتصاراً شخصياً لديفيد ميلر فحسب، وإنما باعتبارها مواجهةً بين حق الإنسان في التفكير والاعتراض وبين نزعة متنامية إلى تحويل بعض الأفكار السياسية إلى مناطق محرمة على النقد. اليهودية دين.. والصهيونية أيديولوجيا أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا الجدل هو الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين مفهومين مختلفين جذرياً: اليهودية بوصفها ديناً وتراثاً روحياً وثقافياً متنوعاً، والصهيونية بوصفها حركة سياسية حديثة نشأت في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر، وتطورت إلى مشروع قومي ودولتي ارتبط تاريخياً بالاستيطان والهجرة المنظمة وإقامة دولة في فلسطين وما ترتب على ذلك من اقتلاع وتهجير للشعب الفلسطيني. وليس هذا الفصل اختراعاً فلسطينياً أو عربياً؛ فالتاريخ اليهودي نفسه شهد، وما زال يشهد، تيارات يهودية وفكرية تعارض الصهيونية أو تنتقدها، كما أن اليهود ليسوا كتلة سياسية واحدة ولا موقفاً واحداً من الصهيونية. لذلك فإن القول إن الصهيونية ليست اليهودية، وانتقاد الصهيونية ليس معاداةً لليهود، ليس محاولة للالتفاف على مكافحة معاداة السامية، بل هو شرط ضروري لمكافحتها بصورة صحيحة وعادلة. إن تحويل الصهيونية إلى مرادف لليهودية يسيء إلى اليهود أنفسهم قبل غيرهم؛ لأنه يجعل ديناً كاملاً مسؤولاً عن مشروع سياسي، ويضع اليهود في مواجهة غير ضرورية مع كل من يعارض ذلك المشروع. الصهيونية موضوع مشروع للنقد السياسي والفلسفي الصهيونية، شأنها شأن القومية والاستعمار والإمبريالية وكل المشاريع السياسية، ليست فوق النقد ولا خارج التاريخ. ومن المشروع، بل من الضروري، أن تُطرح الأسئلة حول طبيعتها التاريخية: هل كانت مجرد حركة تحرر قومي؟ أم حملت، في مراحلها وممارساتها، عناصر استعمارية واستيطانية وإحلالية؟ وما علاقة قيام الدولة في فلسطين بتهجير الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم؟ وكيف يمكن تفسير استمرار الاحتلال والاستيطان والتمييز والقوة العسكرية الممتدة حتى اليوم؟ هذه أسئلة سياسية وفلسفية وتاريخية مشروعة، ولا يجوز إسكاتها بمجرد إلصاق تهمة "معاداة السامية" بصاحبها. بل إن النقاش الأكاديمي الجاد يقتضي أن تُدرس الصهيونية، كما تُدرس كل الأيديولوجيات، بأدوات النقد التاريخي والسياسي والقانوني؛ وأن يُترك للباحث والكاتب والمواطن حق تكوين موقفه منها، بما في ذلك رفضها جذرياً، ما دام لا يحول نقده إلى كراهية أو تحريض ضد اليهود بوصفهم يهوداً. حرية التعبير لا تحمي الأفكار المحبوبة فقط القيمة الحقيقية لحرية التعبير تظهر عندما تحمي الرأي الذي يزعج السلطة أو الأغلبية أو أصحاب النفوذ، لا عندما تحمي الآراء المتفق عليها. ولهذا فإن المبدأ الديمقراطي يجب أن يكون واضحاً: ليس من حق المؤسسة أن تفصل موظفاً لأنه يحمل فكراً سياسياً لا يعجبها، ما لم تتوافر أسباب قانونية حقيقية تتعلق بسلوكه أو بخروجه عن حدود الحقوق الأساسية للآخرين. وهنا تبرز أهمية الحكم البريطاني الأخير؛ فهو لا يمنح أحداً رخصة للإساءة إلى الآخرين، ولا يجعل كل تعبير محصناً من المساءلة، لكنه يرفض أن تتحول المخالفة السياسية أو الفكرية إلى سبب تلقائي للعقاب المهني. وقد كانت محكمة العمل البريطانية قد أكدت في حكمها الأول أن معتقدات ميلر المناهضة للصهيونية استوفت معايير الحماية القانونية، وهو ما جعل القضية واحدة من أكثر القضايا أهمية في النقاش البريطاني حول حرية التعبير والمعتقد السياسي. Courts and Tribunals Judiciary المشكلة ليست في مكافحة معاداة السامية.. بل في توسيع مفهومها إن مكافحة معاداة السامية واجب أخلاقي وقانوني لا جدال فيه، تماماً كما تجب مكافحة العنصرية ضد أي جماعة دينية أو عرقية. لكن مكافحة العنصرية تفقد معناها عندما تتحول إلى أداة لحماية أيديولوجيا سياسية من النقد. فالتمييز واضح: اليهودي بوصفه يهودياً ليس مسؤولاً عن أفعال حكومة أو جيش أو حركة سياسية. والصهيوني بوصفه صهيونياً يُنتقد بسبب أفكاره ومشروعه السياسي، لا بسبب دينه أو أصله اليهودي. هذه القاعدة يجب أن تكون حجر الأساس في أي نقاش قانوني وأخلاقي نزيه. ومن هنا فإن المستقبل لا ينبغي أن يكون في تجريم النقد، وإنما في بناء معيار أكثر دقة: حماية الإنسان من الكراهية، وحماية الفكر من القمع، وحماية الدين من التوظيف السياسي، وحماية السياسة من التحول إلى عقيدة مقدسة لا يجوز مساءلتها. انتصار أوسع من قضية ميلر لهذا فإن قضية ديفيد ميلر تتجاوز شخصه وجامعة بريستول. إنها تطرح سؤالاً أعمق على الديمقراطية الغربية: هل ستظل حرية التعبير حقاً أصيلاً عندما يتعلق الأمر بفلسطين والصهيونية، أم تصبح حرية مشروطة بحدود يفرضها أصحاب النفوذ السياسي؟ إن انتصار حرية التعبير لا يعني الانتصار لكل عبارة أو لكل موقف قاله ميلر، ولا يعني تبني كل ما صدر عنه. لكنه يعني شيئاً أكثر أهمية: أن الإنسان لا يفقد حقه في التفكير والبحث والنقد لمجرد أن أفكاره تمس قضية شديدة الحساسية. وفي هذا المعنى، فإن الدفاع عن الحق في معاداة الصهيونية لا يعني معاداة اليهود، كما أن رفض الصهيونية لا يعني رفض اليهودية. إنه دفاع عن حق العقل في أن يسأل، وحق الباحث في أن ينتقد، وحق المواطن في أن يعارض، وحق التاريخ في أن يُقرأ بعيداً عن المحرمات السياسية. فلا دين ينبغي أن يتحول إلى أيديولوجيا، ولا أيديولوجيا ينبغي أن تتحول إلى دين، ولا دولة ينبغي أن تكون فوق القانون، ولا قضية سياسية ينبغي أن تُمنح حصانة من النقد. نعم للحق في معاداة الصهيونية كأيديولوجيا سياسية، ونعم للحق في نقد الاستعمار والاستيطان والإحلال والاحتلال؛ وفي الوقت نفسه، لا لكل أشكال العنصرية والكراهية، أياً كان ضحاياها. وهذه هي المعادلة التي تحمي حرية التعبير من جهة، وتحمي كرامة الإنسان من جهة أخرى.
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط