كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحكمة بين المعالجات السياسية والضربات العسكرية

الحلول العسكرية الموجعة، والضربات الأمنية القاسية، هي أول ما يتبادر لدى السلطات العربية الحاكمة لمعالجة أي أزمة، ومواجهة أي حدثٍ داخلي، أياً كانت درجة الأزمة ومستواها، وبغض النظر عن أسبابها وموجباتها، وما إذا كانت السلطة نفسها هي السبب فيها، وأن الشعب لا علاقة له بها، ولم يتعمد الوقوع فيها، بل هي التي تتحمل المسؤولية الأكبر عن تفجرها، إذ أنها نتيجة سلوكياتٍ خاطئة يرتكبها رموز السلطة، وممارساتٌ مستفزةٌ تقوم بها عناصرها التنفيذية على الأرض، سواء كانت شرطة أو سلطات بلدية، أو موظفي جمارك وجابي الضرائب، أو نتيجة لسياسات الدولة الصحية أو التعليمية، أو بسبب تقصيرها في تأمين بعض الخدمات للمواطنين، وتوفير احتياجاتهم، وضمان أمنهم وسلامتهم في مواسم الشتاء وأثناء السيول والأمطار الغزيرة، وعند الكوارث وفي مواجهة الأزمات الطبيعية.

السلطات العربية عنجهية ومتسلطة، وعنترية ومتصلبة، ومتعجرفة ومتعالية، وليست مدربة ولا مؤهلة، ولا حكيمة ولا أريبة، بل لا تفهم ولا تعقل، ولا تعي ولا تستوعب، ولا تدرك ولا تتصور، ولا تلجأ إلى الحكمة والعقل في معالجة الأزمات الصغيرة والكبيرة، إذ سرعان ما تصدر أوامرها إلى قواتها التنفيذية القمعية، بمظهرها الخشن، وأعدادها الكبيرة، وهيئاتها المخيفة، وحركتها اللافتة، وأصواتها المرعبة، وسلاحها المدجج، وتحملها في سياراتٍ عسكرية، وحافلاتٍ كبيرة، وتزودها بمعدات قمعٍ وآلات قتلٍ، ووسائل ترويعٍ وتخويف، وتأمرها باستخدام القوة المفرطة، وأقصى ما لديها منها، لتأديب المواطنين وضربهم، وتفريقهم وتمزيق جمعهم، وإخماد صوتهم، وقتل المعاندين منهم، والمجاهرين بمواقفهم من بينهم.

تجتاح العناصر الأمنية والعسكرية الجموع الشعبية، والتجمعات الفقيرة والعشوائية، وتقتحم البيوت والمقرات، كسيلٍ جارفٍ، أو كفيلةٍ هاربةٍ فزعة، تدوس كل شئٍ، وتعتدي على البيوت والمؤسسات، وتنتهك حرمة الأسر والعائلات، وترتكب المحرمات، وتمارس المنكر والممنوع، بحجة تطبيق النظام، وتنفيذ القانون، ومواجهة الأخطار، والحيلولة دون فرار أو نجاح المطلوبين في تنفيذ مخططاتهم، ولعلها في طريقها لتنفيذ القانون تقتل العديد، وتصيب آخرين بجراح، وتدمر وتخرب وتتسبب في مصائب أكثر، وتلحق بالشعب خسائر أعظم، وقد كان يكفيها أن تعالج الأزمة بهدوءٍ ورويةٍ، وحكمةٍ ومسؤولية، وحرصٍ وطنيٍ صادق.

قد تكون المشكلة بسيطة، والأزمة مستوعبة، ولا مضاعفاتٍ لها، ولا تخوفاتٍ منها، ويمكن حلها ببضع كلماتٍ، أو من خلال بعض الجهود الطيبة التي يبذلها الخيرون والعقلاء، ولكن الدولة بشخوصها الرعناء، ورموزها العقيمة المتسلطة تتجنب الحلول السهلة، وتبتعد عن المخارج الآمنة، وتركز جهودها على الحلول العنفية، والسياسات القاسية، بدعوى الحفاظ على هيبة الدولة، ومنع تغول المواطنين عليها، أو جرأتهم على القوانين لخرقها أو محاولة إبطالها.

 

إن المتنفذين أصحاب المراكز الذين يصدرون الأوامر، ويحددون المهمات، يفتقرون إلى الكياسة واللباقة، وينقصهم الكثير من اللياقة وحسن التصرف، وكأنهم يصابون بلوثة السلطة، ويشعرون أنهم الأقوى والأكثر وعياً وفهماً، بينما هم مرضى أحياناً، أو منحرفين في أحيانٍ أخرى، يتسلطون على الشعب بما أوتوا من قوةٍ وبطش، ورعونةٍ وقسوة، وقد نسوا ان الشعب هو الذي سيدهم وقدمهم، وأنهم بدونه لا يملكون ولا يحكمون، وقد كان لزاماً عليهم أن يكونوا عبيداً للشعب وخدماً له، وذلك وفق المفاهيم الديمقراطية، التي تجعل من المنتخبين نواباً عن الشعب خداماً له وعوناً.

الدولة بسياساتها التعسفية الظالمة، وحلولها الأمنية الفاشلة هي التي تخرج المجرمين، وتولد الأفكار العنفية المتطرفة، والسلوكيات الغريبة المتشددة، إنها المسؤولة عن كل عنف، والمتورطة في كل جريمة، وهي التي يجب أن تُساءل وتُحاكم، لأنها المجرمة بحق، والمدانة بلا شك، إذ كان بإمكانها القضاء على مسببات التطرف، وموجبات العنف، لو أنها أحسنت التعامل مع المواطنين، وخففت عنهم بعض معاناتهم، وساعدتهم في مواجهة ظروفهم، والتخلص من مشاكلهم، وتجاوزهم لبعض أزماتهم الخاصة.

الدولة هي المسؤولة عن هروب المواطنين ولجوئهم إلى الغرب، وبحثهم المحموم عن بلادٍ تقبلهم فيها لاجئين، وتمنحهم جنسيتها، وتكون رحيمةً بهم وشفوقةً عليهم، تسعى لراحتهم، وتعمل من أجلهم، وتشقى في سبيلهم، بل إن السلطات العربية هي المسؤولة عن الغرقى العرب، وهم كثيرٌ جداً من الرجال والنساء والأطفال، الذين عصف بهم البحر وابتلعهم، فهي التي تتحمل وزرهم، وستنوء بحملهم، إذ أنها بسياساتها المريضة دفعتهم للمغامرة والفرار، وقد كان بإمكانها أن تجعل بلادهم ربيعاً، وحياتهم نعيماً، ومستقبلاً آمناً مزهراً، ولكنها حولت حاضرهم إلى جحيم، ومستقبلهم إلى تيهٍ وضياعٍ.

الدولة في السجون قاهرةٌ ومعذبة، ومذلةٌ ومهينة، وقاسية وعنيفة، إذ أنها تمارس خلال عمليات التعذيب كل غريبٍ ومنكر، وكل عجيبٍ ومستنكر، وتبالغ في التعذيب والإساءة، وقد تجلب بعض أهل السجناء، وتعتقلهم دون سببٍ اللهم إلا ممارسة الضغط والإكراه، وقد تمارس معهم أمام عيني السجين المنكر والخبيث، وكأنها بهذا تجرعه سماً يقذف به عندما يخرج، وتلقنه درساً يمارسه عندما يطلق سراحه، وتعطيه المبررات ليكون مجرماً، والأفكار التي تغذيه سلوكه، والدوافع الطبيعية لمثله ليخرج عن القانون، انتقاماً من السلطة التي عذبته وأهانته، والتي تجبره أحياناً على الاعتراف بما لم يعمل، والإقرار بما لم يرتكب.

أليس من السهل على الدولة، ورجالها جزء من الشعب، ينتمون إليه ويعيشون معه، أن يكونوا معهم رحماء، وأن يرفقوا بهم ولا يسيئوا إليهم، وألا يغلظوا معاملتهم، أو يضيقوا عليهم، وألا يرهبوهم أو يرعبوهم، وألا يستخدموا العصا في التعامل معهم، وإن كان لا بد منها فلتكن آخر الخيارات، وبموجب حساباتٍ دقيقة، وفي الحد الأدنى الممكن، الذي قد ينفع ولكنه بالتأكيد لا يضر.

غريبٌ أمر سلطاتنا العربية، كأنها تريد أن تشغل نفسها، وأن توظف طاقاتها، وأن تثبت لنفسها وغيرها أنها تكد وتعمل، وتتعب وتجهد، وأنها مخلصة لقيادتها وتعمل على حماية النظام وضمان استقراره، لهذا فهي تولد المشاكل، وتنتج الأزمات، وتخرج المجرمين، لتوهم القائمين على الشأن العام بأنها صادقة ومخلصة، وأنها تعمل بجد، وأن عندها ما يبرر أفعالها، ويجيز قسوتها، وقد كان بإمكانها أن تتعلم من غيرها، وأن تستفيد من تجارب نظرائها الأجانب، كيف تكون حارسةً للقانون، وضماناً للسلم، وبوابةً للمحبة، وسبيلاً للتلاقي والتوافق، ومحل اجماع الشعب وحب المواطنين واحترامهم، لكنها تأبى إلا أن تكون دوماً عصا غليظة، وسوطاً لاذعاً مؤلماً، وقيداً ضيقاً مؤذياً، وسجناً قاسياً مهيناً، ووجوهاً كالحةً مكروهة، وسلطةً مقيتةً لعينة.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط