كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحلف غير المقدّس بين إرهاب إسلاميين والإسلاموفوبيا

الحلف غير المقدّس بين إرهاب إسلاميين والإسلاموفوبيا

تاريخ النشر: 2016-12-31 | 08:56

تظهر العمليات الإرهابية لـ«الدولة الإسلامية» تحولاً لافتاً قياساً بالشكل المعتمد سابقاً من «القاعدة». لم يعد تنظيم «الدولة الإسلامية» يستهدف مراكز مهمة فعلياً أو رمزياً للنظام العالمي، كالقواعد العسكرية أو السفارات أو حتى أبراج التجارة. هو يستهدف، عشوائياً، أناساً عاديين في أماكن عامة: الشارع أو السوق أو حتى الملاهي الليلية والمسارح. سابقاً، انتقت الحركات الإرهابية أهدافها اعتماداً على القيمة السياسية للهدف، والتي يمكن تحديدها وفق الأيديولوجية التي تتبناها الحركة، وعليه فقائمة الأهداف كانت قابلة للتوقع، ما جعل حماية الأهداف وتأمينها ممكنين. لكن عندما تصبح الشوارع والأسواق العامة والملاهي أهدافاً، فأية استراتيجية حماية ستبدو نافلة وعديمة القيمة. ويزداد الوضع سوءاً عندما تكون الأسلحة المستخدمة أشياء عادية تماماً، كسيارة شحن، كما حصل في نيس وبرلين، عوضاً عن أسلحة فعلية اعتادت الحركات الإرهابية على استخدامها.

تحوُّل آخر طرأ على صورة من يتولى تنفيذ هذه العمليات. فهو لم يعد المقاتل المتمرس صاحب التأهيل والالتزام الدينيين العاليين، أي لم يعد مقاتلاً أيديولوجياً. إرهابيو «الدولة الإسلامية» يقدمون صورة مختلفة، هم حديثو التدين ولديهم عموماً تاريخ سيئ وحتى إجرامي، لجهة المخدرات والقمار والعديد من المشاكل الأخرى، قبل تدينهم المستجد. كما أن الفترات التي تفصل بين تدينهم وتطرفهم، ولاحقاً القيام بعملياتهم، قصيرة وتكاد تكون معدومة أحياناً. الصورة الجديدة لإرهابيي «الدولة»، أو الذين ينضوون تحت رايته، جعلت استراتيجيات التعقب والملاحقة محدودة الفائدة. فهم ليسوا أصحاب تاريخ طويل في ممارسة عقائدهم، ولا سبق لهم تلقّي تدريبات طويلة وإعداد عقائدي عالٍ. استراتيجية «الدولة» في انتقاء مقاتليه ألغت وفي شكل كبير المسافات الفاصلة، التي كانت موجودة سابقاً، بين الجهادي والمسلم المتدين، والسلفيين منهم والمسلم العادي.

في السابق، كان هدف الحركات الإرهابية، وضمناً «القاعدة»، ضرب العدو وتحييد من يُفترض أنهم جمهور الحركة. وقد مكّن هذا من رسم خط فاصل بين العقائديين، الذين يشكلون مقاتلي الحركة، وجمهورها الافتراضي. كما مكّن من رسم خط فاصل آخر بين الأعداء الذين تجب محاربتهم وتُنفذ العمليات ضدهم، ومن يفترض تحييدهم حتى لو لم يكونوا من جمهور الحركة، أو حتى ضمن خانة الأعداء، من دون أن يستتبع هذا تحوّلهم إلى أهداف. النزاع كان حرباً بين جماعة من المسلمين المقتنعين بعقيدة محددة، القاعدة مثلاً، ونظام دولي محدد، لكنها ليست حرباً بين المسلمين وغيرهم.

بسبب هذين التحوّلين في استراتيجية «الدولة»، تحولت الحرب، وفي العمق، لتكون حرباً مطلقة. فهي انتقلت من حرب تخوضها جماعة ذات أيديولوجية محددة (السلفية الجهادية) ضد نظام هيمنة، إلى حرب بين كل المسلمين والآخرين. لم تعد الأهداف تُحدد بمعيار سوى كونها موجودة في دار الكفر، ومن تستهدفهم كفار، على رغم أن الضحايا قد يكونون مسلمين. كذلك ومع الامّحاء المتزايد بين صورة الجهادي العقائدي والمسلم العادي، سيُصبح كل مسلم مشروع إرهابي.

يبدو أن هذه الحالة من الحرب المطلقة هدف الاستراتيجية التي ينتهجها تنظيم «الدولة». فبفضلها تتحول كل أرض أرضَ توحش للمسلمين، فيصبحون مستهدفين لا لشيء إلا لأنهم مسلمون. عندها لا يبقى لهم من ملاذ إلا «الدولة» ليحميهم ويدافع عنهم. وهو سيقول لهم: ألا ترون أن الجميع أعداؤكم ويرغبون في قتلكم لأنكم مسلمون؟

في المقابل، تلاقي الإسلاموفوبيا جهود «الدولة» على الضفة الأخرى، والتلاقي يكمن في الاتفاق على صورة متماثلة للإسلام: «إسلام متوحش يخوض حرباً دائمة مع أوروبا». تتفق الإسلاموفوبيا مع أبو بكر البغدادي على شيء أساسي، هو أن البغدادي الممثل الحقيقي للإسلام. فهي تروج لفكرة أن كل ما نراه من عمليات إرهابية وقتل ومذابح نتاج ضروري للإسلام وتعبير عن حقيقته، وأن كل مسلم مشروع إرهابي لن يطول به الوقت ليكشف عن حقيقته، وها هو ترامب يصرح مباشرة بعد عملية برلين بأنه كان على حق في مطالبته بتقييد سفر المسلمين إلى أميركا. لم يعد مفيداً الاختفاء خلف إصبعنا والتصريح بأن هذا لا يمثل الإسلام. بالتأكيد لا يمثل المسلمين، ومن المهم هنا الإشارة إلى أن حركة «بيغيدا» الألمانية المعادية للمسلمين لا تجد جمهورها في المدن الكوزموبوليتية حيث التعدد الثقافي والحضور الكثيف للمسلمين، بل في المدن الأصغر وذات الحضور الإسلامي المتواضع. العديد من أنصارها لم يتعرفوا في شكل شخصي إلى مسلمين، بينما سكان المدن الكبرى عموماً، والذين لهم صلات شخصية بمسلمين، فيدركون بحكم المعرفة التنوع الهائل بينهم، مثلهم مثل كل البشر، ما يجعلهم أقل تأثراً بدعاية «بيغيدا».

لكن الإصرار على أن هذا لا يمثل الإسلام لا يفيد فيما لا ينجح المسلمون في تقديم نماذج إيجابية ومضيئة في مواجهة الحركات السلفية الجهادية. فكيف نتحدث عن نموذج إيجابي مع التخلف والجهل والتدهور الكبير في حقوق الإنسان واستباحة كرامته في بلادنا؟ والأسوأ هو الضعف الأخلاقي وانعدام الأمانة مما يتجلى في مخاطبتنا الآخرين. ندافع عن حقوق المسلمين في الدول الأوروبية، وهي أفضل بما لا يقاس من حقوقهم في بلدانهم الأصلية، ونحتج على انتهاكها، من دون أن نأبه للحقوق نفسها وانتهاكها المضاعف للمسلمين وغيرهم في بلادنا. لا يمكن أن نحتج باسم حقوق الإنسان ونرفضها في الوقت ذاته، أو أن نكذب صراحة ونستخدم لغتين في مخاطبة العالم، وهناك مثال مفيد من الثورة السورية هو زهران علوش، قائد «جيش الإسلام» قبل مقتله. ففي خطبة له، صرح أن الديموقراطية كفر، وأنه يكفر بها جملة وتفصيلاً ولا حل إلا بالإسلام السني، وأن بقية الأديان بل المذاهب الإسلامية باطلة. لكنه لاحقاً وفي مقابلة بالإنكليزية مع جريدة أميركية (ديلي بيست)، تحدث في شكل مختلف تماماً، مصرحاً أنه لم يقصد الديموقراطية بذاتها، وأنه مع حكم تكنوقراط يمثل كل الشعب السوري بتنوعاته. فكيف للعالم أن يصدقنا؟

في مواجهة هذا التحالف غير المعلن بين «الدولة» والإسلاموفوبيا، ومع غياب النموذج الإسلامي المضاد والمتنور، تبقى دولة القانون «الغربية» الحصن الأخير في مواجهة الكارثة بتأكيدها المسؤولية الفردية وحقوق الإنسان والتقيد بالقانون العادل، وللمسلمين قبل غيرهم. لكن إلى متى تبقى قادرة على الصمود في مواجهة هذا الجنون كله؟

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط