كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحلول الأمنية وروافد الإرهاب

لا شئ يغذي العنف وينميه مثل العقول والحلول الأمنية، الخشبية العدمية، العمياء الخرفة العقيمة، فهي التي تخلقه وتوجده، وهي التي تهيئ له الأجواء والظروف والمناخات المناسبة، بل هي التي ترعاه وتحفظه، وتوجهه وتحركه، وتحرص على وجوده فلا يغيب، وتعمل على خلقه إن زال وانتهى، وتخاف من المراحل التي تخلو فيها البلاد من العنف والتطرف، والإرهاب والجريمة، وتعتبرها فتراتِ كسادٍ وخمول، وعجزٍ وكسل، لا فترات أمنٍ وأمان، وطمأنينةٍ وسلام، إذ لا نشاط لهم فيها ولا عمل، ولا سجون ولا معتقلات، ولا تحقيق ولا تعذيب، ولا سحل ولا ضرب، ولا شبح ولا وصل للأجساد بالكهرباء، ولا صور تذكارية لهم بينما هم يضربون المعتقلين، أو يدوسون بأقدامهم على أعناقهم وأجسادهم.

الأجهزة الأمنية التي تمارس التحقيق والتعذيب، وتلك التي تقوم بعملية التوجيه، وإدارة الأزمات، ومواجهة المشكلات والتحديات، والتي ترأسها في الغالب وزاراتُ الداخلية، والمخابراتُ العسكرية، تغمض عيونها عن كل الحلول العقلانية المنطقية السلمية الهادئة، وتدير ظهرها لشعبها، وتبحث دوماً عما تظنه أقصر الطرق وأسرعها، وأكثرها فعالية ونجاعاً، فتمارس التعذيب بأبشع صوره، وتستخدم القوة إلى أبعد حد، وتلجأ إلى الضغط النفسي والجسدي المهين إلى أقصى مدى، فتقهر المعتقلين، وتولد في نفوسهم رداتِ فعلٍ غاضبة، وتخلق لديهم إرادة انتقامٍ جبارة، وتدفعهم للتفكير في طرق الرد، وسبل الإنتقام، من كل من اعتدى عليهم، أو شارك في تعذيبهم، أو كان جزءاً من الدولة والمؤسسة الأمنية والعسكرية، وقد يمتد انتقامهم ليطال العاملين في الجهاز السياسي للدولة.

ويزداد الأمر سوءاً وحدةً، عندما تعتدي الأجهزة الأمنية جنسياً على المعتقلين، وتمارس في حقهم ممارساتٍ مهينة، فعلاً أو تحرشاً، ضدهم أو ضد أحدٍ من أفراد أسرتهم، كالأمهات والزوجات والبنات، ولا تكتفي بما تقوم به ضدهم، بل تتعمد تصويره وعرضه عليهم، لتضعف نفوسهم، وترغمهم على الضعف والإنهيار، والإعتراف وتقديم ما عندهم من معلوماتٍ وأسرار، ولكنهم لا يدرون أنهم بهذا العمل المشين، إنما يدفعون الكثير نحو مزيدٍ من التطرف، ويوجهونهم باتجاهاتٍ خاطئة، بقصد الثأر والإنتقام.

لست هنا مبرراً العنف، ولا مدافعاً عن المتطرفين، ولا متجنياً على الأمنيين، بقدر رغبتي في التأكيد على أن العنف ليس أصيلاً في هذه الأمة، ولا هو خلقٌ في أبنائها، وإنما هو طارئٌ عليها، ودخيلٌ على ثقافتها، فهو ليس من دينها، ولا من قيمها العظيمة، ولم تعرفه الأجيال السابقة، التي تعايشت مع بعضها، وتآلفت مع أطيافها، وما ضرها تناقضها واختلافها.

وهنا أشير إلى قضيتين أساسيتين فيما يتعلق بالجريمة الأخلاقية، التي ترتكبها مؤسساتُ الدولة الأمنية ضد مواطنيها، فهي تتحمل المسؤولية الأكبر عما يسود بلادنا من عنفٍ وخراب، وتطرفٍ وضياع، من خلال مسلكياتها المشينة، وتصرفاتها المعيبة، وأدائها الخاطئ، ومعالجتها القاتلة.

أولاها أن الكثير من العاملين في الأجهزة الأمنية، في كل المستويات وفي مختلف الأجهزة، وأقصد المحققين والجنود والحراس، والمراقبين والمفتشين، والمتعاونين والمخبرين والعيون، وغيرهم ممن يعمل في الأجهزة الأمنية فراشين وسعاة، وخدماً وفنيين، إذ كلهم يضرب ويعذب، وكلهم يجلد ويحرق.

إنهم جميعاً لا يتمتعون بثقافةٍ عالية، ولا يتميزون في علمهم ووعيهم، ولا يميزون بين الأشياء، ولا يعرفون إلا استخدام اليد للبطش، والعصا للضرب، ولا مكان عندهم للعقل أو المنطق، بل إن منطق القوة، وسياسة العنف هي السائدة بينهم، وهي الغالبة على عملهم.

علماً أن الكثير منهم، فضلاً عن جهلهم وضحالة ثقافتهم، هم من المنحرفين والشاذين والمرضى، الذين يعملون على الإنتقام من المجتمع، والثأر من الناس، فيفرغون حقدهم العام على المعتقلين عندهم، ويمارسون ضدهم التعذيب والضرب، دون أن يكون هناك داعٍ له، وأحياناً قبل أن يُسأل المعتقل، أو توجه إليه الإتهامات، إذ يعتبرون أن من طقوس السجن والمعتقل، أن يُحتفى بكل سجين، وأن تعقد له حفلة لائقة، غنية بكل أشكال الضرب والتعذيب، وزاخرة بفنون الإهانة والإساءة.

وفي كثيرٍ من الأحيان يستغل الأمنيون الحالات الأمنية عندهم، لإبتزاز المعتقلين، واستغلال ذويهم مادياً ولو كانوا فقراء معدمين، من أجل نقل خبر، أو توصيل ثيابٍ أو طعامٍ، أو السماح لهم بزيارة، أو غير ذلك من الخدمات الأساسية، التي هي في أصلها حقوقٌ ثابتة للسجين، إلا أن عناصر الأمنية يبيعونها للسجين وأهله بأعلى الأسعار، وفي أحيانٍ أخرى من أجل إخفاء أدلة، أو تبرئة متهم وإدانة بريء.

والثانية أن الأجهزة الأمنية تريد أن تثبت مبرر وجودها، وتظهر أهمية عملها، فلا يعجبها أن تكون البلاد هادئة واعدة، لا يعكر أمنها أحد، ولا يهدد سلامة مواطنيها متطرفٌ أو مجرم، كما لا يرضيهم أن يكونوا عاطلين بلا عمل، وكسالى بلا تعذيب، فيعمدون أنفسهم لتحريك الشارع، ويرسلون من يقترف الجريمة، ويمارس العنف، ويرتكب الموبقات، ثم يبدأون في تنفيذ حملاتٍ أمنية واسعة، تستهدف من تسميهم بمثيري الفتنة والقلاقل، ومسببي الفوضى والإضطرابات، رغم أنها تعرف أنها السبب، وأنها تقف وراء كل الحوادث، وأن المنفذين ليسوا إلا أدواتٍ بأيديها.

ألا ترون أن الأجهزة الأمنية هي التي تستخدم مواطنيها والأجانب في إثارة المشاكل في دولها ودول الجوار، وتدفعهم للقيام بما من شأنه الإضرار بالأمن والسلم والوطني، بل إن بعض الأجهزة الأمنية تنشئ أقساماً خاصة في سجونها، لتدريب وتأهيل هذه الفرق، وتعدها ليومٍ تكون فيه جاهزة للتفجير والتخريب والتدمير، وكثيرٌ ممن كانوا في سجونها، تدربوا في معسكراتها، بل إن منهم من استدعتهم بنفسها، وهيأتهم في البلاد أو خارجها لمثل هذه المهام.

إنها سياسةٌ أمنية خرقاء، تقودها أقدامٌ ثقيلة الوطئ، وتحركها بطونٌ شرهةٌ، وضمائرٌ مريضة، ونفوسٌ ميتة، وعقولٌ غبيةٌ، قد تعاهدت على نصرة نفسها، وحماية ذاتها، واستثمار أموالها، وتخريب بلادها، وسخرت لذلك كل أدواتها القذرة، ووسائلها البشعة، فتسببت في العنف كردة فعلٍ إنتقامية، أو خلقته وصنعته بنفسها لتبرر وجودها، وتشغل نفسها، ثم يتساءلون لماذا العنف والإرهاب، ومن الذي يصنعه، ومن يقف وراءه، ونسوا أنهم هم الصناع والرعاة، وأنهم المتعهدون والمنفذون.

 

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط