كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحنين إلى سادسٍ من أكتوبر جديد

أربعون سنةً مضت على زلزال أكتوبر العظيم، والنصر الأول الكبير على جيش الكيان الصهيوني، الذي ظن أنه جيشٌ لا يهزم، وأن آلته العسكرية لا تبارى ولا تنافس، وأنها قادرة على البطش والتدمير، وإلحاق الهزيمة بالعدو أياً كانت قوته، ومهما تعددت جبهاته، أو اكتملت استعداداته، فأكثر من الترويج لمقولته، والاعتداد بقوته، والتظاهر بتفوقه، والاعتزاز ببسالة جيشه، وقدراته الكبيرة، وإمكانياته المهولة، معتقداً بأن نصره على الجيوش العربية سيكون سهلاً، وأن ما حققه في حربي النكبة والنكسة من انتصارٍ سيلازمه إلى الأبد، وسيعيش على بطولاته مدى العمر، ولكن الهزيمة كانت بانتظاره، والمفاجأة زلزلت أركانه، وأربكت حلفاءه وأصدقاءه، وكان نصر الله الذي تنزل على أمته عظيماً.

أربعون سنةً مضت على الإرادة العربية الصادقة، والجندي العربي الباسل، والقائد العسكري المظفر، الذين كانوا في الميدان وأثناء المواجهة، أثبت من الجندي الإسرائيلي ومن قادته، وأقوى منه إرادةً وعزماً، وأجدر بالنصر عليه، فقد أثبتوا أنهم أكثر منه بسالةً وشجاعة، وأن لديهم من القوة والإرادة ما يكفيهم لتحقيق النصر، وقلب موازين المعادلة المشوهة، التي أراد العدو فرضها علينا، والتعامل من خلالها معنا، فالجندي العربي يتوق إلى النصر، ويتطلع إليه، ويستعد له، ويتهيأ للوصول إليه، ولا يخاف من ملاقاة العدو والتصدي له، وهو قادرٌ على تحقيقه.

مخطئٌ من يظن أن انتصار أكتوبر العظيم هو آخر الانتصارات العربية الكبيرة على الكيان الصهيوني، وأنه تعلم الدرس، ووعي جوانب المعركة، فلن يقبل بالهزيمة مرةً أخرى، كما لن تسمح الدول الكبرى بهزيمته من جديد، وكأنهم يقولون أن هذا الانتصار قد ولد يتيماً، وسيبقى يتيماً، ولن يتحقق للعرب بعده نصرٌ آخر.

ولكن يخطئ أكثر من يظن أن الجيش الإسرائيلي قد حقق انتصاراً على العرب بعد حربي النكبة والنكسة، إذ أنهما كانا آخر انتصارين له على الجيوش العربية، التي كانت تفتقر إلى استقلاليتها، وتعاني من مرجعياتها، وتشكو من نقص ورداءة تسليحها، وتآمر القوى الدولية عليها، إلا أن الكيان الصهيوني بعدهما لم يتمكن من انتزاع أي نصر، كما لم ينجح في إلحاق هزيمةً بالأمة العربية، وقد مني جيشه بعدهما بهزائم حقيقية، وفشل في تحقيق أغلب أهدافه، رغم تفوقه وقدرته وسلاحه، ودعم الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا له، إلا أنه بقي عاجزاً عن تحقيق انتصاراتٍ حقيقية، أو فرض هيبةٍ رادعة، تحفظه وتمنع العرب من التفكير في مقاومته، والقيام بعملياتٍ عسكرية ضده، فضلاً عن ارتباك قادته، واهتزاز ثقة الجنود والشعب بضباط جيشهم وقادة أركانه، الذين حاولوا التنصل من المسؤولية، وإلقاء اللائمة على غيرهم.

بعد هزيمة يونيو تمكن الفدائيون لأول مرة بالتعاون مع الجيش الأردني، من إلحاق هزيمة بالجيش الإسرائيلي في معركة الكرامة، وكبدوه خسائر كبيرة، طالت دباباته وآلياته العسكرية الثقيلة، التي دخل بها الأردن ليؤدب المقاومة، ويضع حداً لعمليات الفدائيين المتزايدة ضده، معتقداً أنها جولة سريعة، وعملية بسيطة، تعود بعدها دباباته وآلياته إلى مواقعها منتصرة، ولكنه عاد وهو يجر أذيال الخيبة والهزيمة.

وجاء نصر أكتوبر العظيم بعد سنواتٍ قليلة من معركة الكرامة، وكان في شهر رمضان المبارك، وعلى أكثر من جبهةٍ عربية، ليثبت أن انتصار الكرامة لم يكن يتيماً، وأنه ستتلوه انتصاراتٌ وانتصارت، وأن الجندي العربي بات قادراً فعلاً على هزيمة الجندي الإسرائيلي المدجج بكل أنواع السلاح، وأن هزيمة الجيش الإسرائيلي لم تكن صدفةً أو نتيجة أخطاءٍ وقعت فيها قيادته.

أما في العام 1982، وإن كان الجيش الإسرائيلي قد تمكن من إخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت وجنوب لبنان، إلا أن الاجتياح آذن بميلاد مقاومةٍ لبنانية جبارة، إسلاميةٍ ووطنية، أعلى حزبُ الله رايتها، وعزز قوتها، فقامت بعملياتٍ عسكرية نوعية، أوجعت الكيان الصهيوني وألهبت ظهره، وألحقت به خسائر مادية وبشرية كبيرة، فكانت مقاومةً قوية، عصية على الكسر، صلبة في مواجهة العدو، وقادرة على تسجيل نقاط كسبٍ عديدة عليه في أكثر من موضعٍ وزمان، وتمكنت المقاومة الإسلامية في لبنان بعد سنواتٍ من المواجهة، من كسر شوكة العدو، وإجباره في العام 2000 على الانسحاب من كامل أرضهم، دون قيدٍ أو شرط.

وتواصلت الانتصارات العربية التي حققتها المقاومة على العدو الصهيوني، فكان انتصار المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في العام 2005، وهي المقاومة التي أرغمت العدو الإسرائيلي على الانسحاب منه، وتفكيك مستوطناته، والرحيل تاركاً عملاءه، ومتخلياً عن أحلامه وطموحاته فيه، وما كان له أن ينسحب من القطاع بكل آلياته العسكرية وقطاعات مستوطنيه، لولا عمليات المقاومة الباسلة، التي طالته في كل أرجاء فلسطين، ولاحقته في كل مكان، في مسلسلٍ من العملياتِ متواصلٍ لا ينقطع، رغم أن العدو قد نجح في اغتيال عددٍ من قادة المقاومة، وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين، إلا أن الاغتيالات لم تفت في عضد المقاومة ولم توهنها، ولم تتسبب في ضعفها أو تراجعها.

وفي العام 2006 مني العدو الإسرائيلي بهزيمةٍ ماحقة في لبنان، كشفت سوءة جيشه، وفضحت قادته، فبانت عورة جنوده الهاربين من المعارك، الخائفين من المواجهة، الذين كانوا يخشون مواجهة عناصر حزب الله الذين تنشق عنهم الأرض فيخرجون منها بكامل سلاحهم، وهم في قمة استعداداتهم، فيقتلون ولا يُقتلون، ويباغتون ولا يُفاجئون، ويثبتون ولا يهربون.

وفي الحربين الإسرائيليتين الأخيرتين على قطاع غزة، في الأعوام 2008، ونهاية 2009، وقف العدو مذهولاً أمام قوة المقاومة وصلابتها، وهي المحصورة في أرضٍ صغيرة، والممنوعة من امتلاك أسلحةٍ رادعة، ولكن إرادتها كانت كبيرة، وعزمها كان شديداً، وأيدتها قوى مقاومة عربية وإسلامية، وساندتها بالمال والسلاح، الأمر الذي مكنها من الصمود والثبات، وإفشال مخططات العدو، وإسقاط أهدافه التي أعلن عنها.

أكتوبر العظيم في ذكراه الأربعين، إيذانٌ بهزيمة العدو، وإعلانٌ بانتصار المقاومة، ولكن علينا مواصلة المسير، ومتابعة الإعداد والتجهيز، والعمل على امتلاك كل أسباب القوة، لمواجهة العدو الإسرائيلي في معركةٍ فاصلة، هو يعرف يقيناً أنها آتية لا مفر منها، ونحن نؤمن يقيناً أنها واقعةٌ لا محالة، وأن النصر المؤزر سيكون حليفنا، والهزيمة النكراء ستكون من نصيبه، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط