كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الحوار نداء العقل ورسالة الحياة لإعادة بناء الإنسان والمجتمع

الحوار نداء العقل ورسالة الحياة لإعادة بناء الإنسان والمجتمع

تاريخ النشر: 2026-07-28 | 11:38

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
في زحام الحياة وتعقد الظروف التي نعيشها، تسجل الوقائع التاريخية واليومية سلسلة طويلة من الصراعات والخلافات القائمة على المصالح الضيقة؛ صراعات ابتعدت كثيراً عن الأسس البنيوية للمجتمعات الحية، والتي تقوم في أصلها على لغة حضارية راقية تُدعى "الحوار". إن الحوار ليس مجرد ترف فكري أو كلمات تتطاير في الهواء، بل هو الأكسجين الذي تتنفسه المجتمعات لتستمر، والجسر الوحيد الذي يعبر بنا فوق ظلمات التعصب والتهميش؛ غير أن الواقع المؤلم يضعنا أمام ظاهرة متفشية؛ إما بتجنب الحوار كلياً، أو ممارسته كـ "حوار طرشان" لا يستمع فيه أحد للآخر، حيث يسيطر هاجس إقصاء المخالف وإلغائه، في تناقض صارخ مع فلسفة الحوار القائمة على التقبل، الاحترام، والإيمان بأن الاختلاف هو إثراء للجميع لا تهديد لأحد، بينما الخلاف يهدم القلاع. إن الحديث عن الحوار يبدأ من أعمق نقطة في الإنسان (حوارك الذاتي مع نفسك) فقبل أن تحاور العالم من حولك، هناك حديث سرّي يدور في داخلك يحدد نبرة يومك وطبيعة سلوكك، وإن الحوار الذاتي المتزن والإيجابي يمنحك المرونة والقدرة على ضبط النفس، فتنظر إلى المواقف الصعبة كفرص للتفاهم والتعلم، بينما يدفعك الحوار الداخلي المشحون إلى التعامل مع كل رأي مخالف بأسلوب دفاعي أو عدائي. ومن هذه البؤرة الفردية، ينعكس أثر الحوار على بيئة العمل والمؤسسات؛ حيث يتحول إلى فن في الإقناع وبناء الاحترام، فالنجاح المؤسسي لا يُبنى بفرض الآراء أو تهميش الآخرين، بل بحسن الاستماع، والتركيز على المضمون بدلاً من شخصنة الأمور، والبحث الدائم عن المساحات المشتركة التي تجمع ولا تفرق؛ لكن السؤال الذي يطرح نفسه بغصة؛ لماذا يتكسر الحوار أحياناً على صخرة الجدال العقيم وينتهي بالقطيعة والمحاربة؟ إن عقبات الحوار تكمن في "الأنا المتضخمة" التي تسعى لكسر الآخر بدلاً من البحث عن الحقيقة، وفي لغة الاستعلاء التي تجرح الكرامة، وفي التعبئة المسبقة التي تُغلق العقول، وهذه العقبات، حين تتراكم، تُشخص لنا واقع الحالة الفلسطينية اليوم؛ حيث تحولت الخلافات وعدم تقبل الشراكة السياسية والمجتمعية إلى أزمة مستعصية، فعندما تغيب ثقافة التشاور في العمل المؤسسي والتنظيمي، ويحل محلها التجييش والاستقطاب الحاد، يفقد المجتمع قدوته، وينعكس ذلك احتقاناً يسري في العروق، ليصبح الحوار وكأنه مفهوم منسي وسط ضجيج الخصومة. من هنا، وأمام هذه الأخطار التي تهدد نسيجنا الأهلي، لا بد أن ينطلق نداء عاجل ومسؤول يضع مستقبل المجتمع وأمنه فوق كل اعتبار: • إلى المتحاربين وأطراف النزاع، إن لغة القوة والعنف لم تبنِ يوماً مجتمعاً، ولن تحقق أماناً لأحد، والخسارة في انقسام المجتمع هي خسارة للجميع بلا استثناء. وتغليب لغة الحوار ليس ضعفاً، بل هو أعلى درجات الشجاعة والمسؤولية الوطنية والأخلاقية؛ فضعوا أمن أبنائنا وحقهم في الحياة فوق كل شبر من الخصومة. • إلى الزملاء في العمل والمؤسسات، إن التنافس لا يعني العداء، والاستحواذ يقتل الإبداع؛ اجعلوا الحوار والتشاور والاحترام المتبادل هو المحرك الأول، فنجاح المؤسسة وتماسكها هو حماية لجهدنا جميعاً. • إلى أبناء التنظيمات والقوى السياسية (وخاصة القوى الكبيرة والمؤثرة)، أنتم قدوة الشارع، والتجييش المستمر لا ينتج إلا القطيعة وتفتيت الوطن، التزامكم بالحوار وتقبلكم للشراكة الوطنية ولبعضكم البعض هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على القضية؛ فلا تجعلوا الشخصنة والمصالح الفردية والفئوية والانتماء التنظيمي أسمى من سلامة المجتمع الذي نعيش فيه. ولكي لا يبقى الحوار مجرد شعار نردده، يتوجب علينا تحويله إلى منهج تربوي أصيل بنشأة أبنائنا عليه منذ الصغر؛ فالطفل الذي يتربى على استخدام لسانه للتعبير عن رأيه بدلاً من "مد اليد"، هو طفل يتعلم منذ نشأته ضبط النفس وتهذيب السلوك، والشاب الذي يبني علاقاته على قاعدة الاحترام مع أقرانه وأصدقائه يكون حصناً منيعاً لمستقبل مجتمعه، فنمو الحوار بالمجتمع يكون على أيدي أفراده؛ لذا لنعمل ولنضغط بكل الوسائل لتدريب كل مكونات المجتمع على الحوار وضوابطه ومنهجيته وأساليبه المميزة؛ فالمحاور الجيد يملك القدرة على تحقيق الأهداف والنجاح والتميز، سواء كان سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً، لأنه يستطيع ببساطة أن يكسب قلوب الناس وعقولهم. الخلاصة: إن الحوار ليس خياراً مريحاً نلجأ إليه وقت الفراغ، ولا ترفاً نتحاور فيه حين نبتسم، بل هو الخيار الوحيد والمصيري للنفاذ من مضايق الأزمات وبناء السلم الأهلي، وإن تماسك المجتمع وتناغمه هو الأمان الحقيقي للفرد والجماعة على حد سواء؛ فلنستمع أكثر مما نتكلم، ولنتعلم كيف نلتقي عند المساحات المشتركة، ولنعلِ لغة العقل والوصل، وليكن منا دائماً من يسعى لتقريب وجهات النظر والتأسيس للحوار المثمر الذي يحقق النتائج التي تخدم الجميع، وتحفظ المستقبل وتضمن استدامة العلاقات؛ فبالحوار وحده نحمي أنفسنا، ونحفظ مجتمعنا، ونبني مستقبلاً يليق بأجيالنا القادمة.
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط