كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخائن

الخائن

تاريخ النشر: 2026-02-08 | 12:28

قصة... من الدفاتر القديمة: المجموعة القصصيّة "مأتم في الجنّة"

مهداة إلى "جعفر" الجنوب لبناني وإلى عمود زيتونه الصوري الرومي*

"استغفر الله العلي العظيم"! رددها محمّد بين سرّه وخالقه أكثر من مرة، وهو ينقر بأناة أرض الحديقة العامة في "جان ساكر" في القدس الغربية بفأسه الصغير، ليعود بعد ذلك لإرواء شبقها النّهم بعد أن تعودت الإرواءَ مميتة الحنينَ له عند أترابها وحتى أصحابِ أترابها في القدس الشرقية. ينكشها نقرا منفّذا تعليماتِ "المعلم" خوفا على ثمرات بطنها التي مازال يؤلمها تأودُها الشمسي والأرضي على السواء، وخوفا على أجساد تلك التي رأت النورَ مالئة كلَّ ثنية من ثناياها، على بريق أعينها وينوعِ وجناتها واكتناز صدورها، فهكذا يحبها طالبو يدَها من الغرب ليهنؤوا بأحضانها، وعليه هو أن يجهزها أحسن جهاز.

 لم يكن هذا ما دعاه أن يطلب المغفرة من الله، فليس هتكُ عرض أرض الحديقة عملا يستدعي غضبَ الله لترجى مغفرتُه حتى وإن تسبب فأسه بإجهاض بعضٍ من بناتها أو لم يُوفِ الأخريات إرواء.

تناول الكيس الذي ناولته إياه "أسماء"، وكعادته دون أن يسأل ما الذي دسّته له فيه كفافَ يومه، فلم يكن ذلك بشاغله ولم يشغله يوما، فمنذ سنين طويلةٍ فقد الطعم، وتحديدا منذ أن بدأ يأكل مما توزعه سياراتُ "الأونروا"، الخالي من طعم عرق والده الذي كان تعوّده مجبولا حتى في حليب أمه. شاغلُه كان ذهابُه لتحقيق حلمه بحق العودة، ورغم أنّ ذلك جاء بطريقة لم يحلمْ بها بعد أن شارف حلمُه الذي لم يبخل عليه بشيء طوال سنيّه الستين على التبخر. فقد جاء بقبوله عاملَ حدائقٍ في "البلدية الموحدة" وكان قد أُعلم مساء على يد المعلم ابنِ جلدته: أنها فرجت وليوافيه غدا عند "باب العمود"، فالـ "سدور" غدا في "جان ساكر" في الغربية.

والـ "سدور" هذه؛ توزيع العمال على أماكن العمل، التي دخلت العربيةَ دون استئذان مثلُها مثلُ الـ "محسوم"، لم تكن تهمّه أو يهمّه معناها، ما همّه أنه وجد أخيرا عملا، وأكثرَ من ذلك أن اليوم الأول سيكون في الغربية.  لم ينم الليل وها هو في طريقه إلى باب العمود حاثّا الخطى وجلا تماما مثلما كان حالُه حين كان يقوم بالمهمات قبل أن يسجن.

اندسّ بين الوجوه الناعسة التي تنتظر مثلَه تحقيقَ حلم حق العودة الصغير أو مارسته قبلا، وظل صامتا لا يريد أن يفتح حديثا مع أحد حتى لا يفسدَ عليه أيُّ كلامٍ رهبةَ تحقيق الحلم - طبيعة الناس أن تكتفي بالأحلام الصغيرة إن عجزت عن الكبيرة أو ضيّعوا لها أحلامَها الكبيرة- عبر المكان الذي كانت تقوم عليه يوما بوابة "مَندِلبَاوْم" وصدرُه يكاد ينفجر من فرط دقات قلبه.

  

كان قد قام لتوه من حُضن إحدى بنات الحديقة التي غوته بظلها ثم بحبِّها الجارف القاتل، حزينا مكسورَ الخاطر. ليس لأنّه خان أسماء لأوّل مرة في حياته إنّما لعدم استطاعته ممارسةَ لذة الحلم الذي حلم به طوال الليل يقظا حتى النهاية، فلم يشعرْ البتّة بأيّ تأنيب ضمير على خيانة أسماء التي لا تستحق منه إلا كلَّ الخير هي التي ذبُلت عطشى بانتظاره السنين الطويلة رغم كثرة المطر.

كان قد افترش حضنها الذي لم تدْعه إليه، دون تردد، وما كاد يفترشه ورغم عدم دعوتها لم تبخلْ عليه بعذوبته، بل أكثر من ذلك راحت تنشف عرقه بأنفاسها العليلة إلى أن بلغ الذروة، فأغمض جفنيه على هدهدة صوتها الهامس خوف أن تُسمع وهي تحكي له حكايتها، وراح في سبات اليقظ يسمع بقية الحكاية دون أن يسأل لأنّها في سردها أجابت على كل سؤال كان يداعب نومَه الهادئ في حضنها.

"كنت قد بلغت العاشرة قبل نصف قرن ونيف، ومثلُنا ببلوغ هذا السن تدفق أحشاؤه خيرا لأهله ولا يخيب الظن، فكانت أحشاؤنا مليئة بالأجنة ننتظر وتنتظر الولادة، خصوصا وأن بحر "عكا" وأحبابَنا من أهل " البروة" هيّئوا لنا تلك السنة كلَّ أسباب الحمل إلا إننا أنجبنا وبدون قابلات، فالقابلات غِبن يومها ودون أن نَراهن، غيبهن دويٌ كان يصمّ الآذان وألسنةُ لهب كانت عالية لفّنا دخانها، وعندما ذهب نسيم بحر عكا بالدخان شرقا غابت معه كذلك بيوت القابلات والأحباب فأكلنا تلك السنة ثمراتِ بطوننا ...  ولم ينم في حضني منذها حبيب رغم شدة اشتياقه لدفءٍ مثلِ الذي كان يمنحني إياه محمد...غيرُ شيخ كان يجيء لسنوات لا يفترشني إنما يجلس متكئًا على قبضتي يديه القابضتين على أعلى العكاز باكيا منتحبا ثم يسير متجها نحو الشمال. آخِر مرة مد يده ماسحا خدي ثم شق قطعة من منديلي أخذها ولم يعد".

 صار همسها، الذي ابتدأ ناعما منوّما، أزيزَ رصاص يخترق حناياه وأحدَّ من ذلك الأزيز عند اختراق تلك التي مزقت أحشاءه قبل سنوات. وتحول الحضن الذي يفترشه أشواكا حادة تُشك في كل أنحاء جسده. لكنه كما الحالمِ الذي إذا تحول حلمُه كابوسا فيحاول الفكاكَ ولا يستطع إلى ذلك سبيلا مهما حاول، لم يعد يفهم حديثها الهامسَ إلا لماما. ما استطاع أن يلملمَه: أنها اقتلعت وكل أخواتها وجيء بها وببعضهنّ إلى هنا مهجراتٍ لتصير أحضانُهن فرشا للغرباء ممن هبّ ودبّ، ليس قبل أن يموت بعضهن فتحسدهن الأخرياتُ على موت المصونات. وأنها لم تشعر يوما بلذّة الافتراش إلا هذا اليومَ لأنها شمّت فيه ما أن افترش حضنها رائحة أحبابها ومن فرط اللذّة حكت حكايتها بعد صمتٍ لخمسين ونيف.

عند هذا الحدّ انتفض مرة واحدة هاربا من حضنها خجلا، ليس لأنه أحس ألما لخيانة أسماء بل هربا من حضن الخيانة هذا، عائدا إلى فأسه يضرب الأرض حيث اتفق، دافعا حلمَه الصغير لاحقا ثمنا لذلك، ليس قبل أن يتهم حتى اللهَ فيما هو وهي عليه مستدركا مستغفرا.     

 *الاحتلال في الجنوب اللبناني "قلّع" الزيتون الرومي الصوري القديم ونقله زينة لحدائقه القوميّة... تمامًا كما زيتون قرانا المهجّرة!

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط