كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخاشقجيون المنسيون في بلادنا العربية

بعيداً عن قضية جمال خاشقجي الشخصية، التي أعلنتُ في مقالٍ سابقٍ عنه، سبقتُ فيه الكثير من الأقلام العربية والأجنبية، التي سال حبرها كثيراً وبحت أصواتها فيما بعد، تضامني معه، وتأييدي له، واعتزازي به، وحزني عليه، وغضبي الشديد على ظالميه وقاتليه، وعلى الذين استدرجوه وخدعوه، وعلى الذين أصدروا قراراً بشطبه ووافقوا على تصفيته، وحنقي الكبير على الذين يريدون طمس قضيته، وإنكار مقتله، وإخفاء آثار الجريمة ولفلفتها لتكون حادثاً عادياً أو جريمةً عرضيةً، مجهولاً مرتكبها، وغيرَ معلومٍ فاعلها، ذلك أنها قضيةٌ إنسانيةٌ بحتةٌ، وليست سياسية أو أيديولوجية، فحرية الرأي والتعبير حقٌ مكفولٌ، وامتيازٌ يجب أن يتمتع به كل إنسانٍ، ولا يحرم منه ولا يحارب عليه، ولا يقتل لأجله أو يحاسب عليه.
إنما أردتُ في مقالي هذا بيان أن أمتنا العربية تزخر بآلاف الخاشقجيين الذين يقبعون في السجون، ويغيبون في المعتقلات، ويجبرون على العيش في المنافي والشتات، وغيرهم كثير يقتلون بصمتٍ، ويشطبون بجبنٍ، ويصفون بحقدٍ، وتمارس في حقهم أسوأ أنواع الجريمة وأبشع أشكال القتل، فمن لم يمت في سجنه ومعتقله كمداً أو حزناً، فإنه يسام سوء العذاب، يُصفد ويُقيد، ويُجلد ويُضرب، ويُسحل ويُشبح، ويُجوع ويحرم، قبل أن تحز رقبته أو يدق عنقه، أو يشنق ويخنق، أو يذبح ويقطع، أو يضرب بالرصاص أو يقتل بالعصي والهراوات، أو يرمى من الطائرة فيموت، أو يُلقى من شاهقٍ فيلقى حتفه، وكثيرٌ في الأصفاد يموتون، أو في عمق مياه البحار يلقون فيموتون غرقاً، وغير ذلك كثير من ألوان الموت وأشكال الشطب والتصفية، التي تخلو من الإنسانية والحضارة، ومن الرحمة والشفقة، التي لم نر لها شبيهاً سوى لدى داعش وأمثالها.
هؤلاء الضحايا وهم كثرٌ في سجوننا العربية ومعتقلاتنا النازية، وباستيلاتنا البوليسية وزنازيننا الخفية، هم من المعارضين السياسيين، ومن حملة الرأي وأصحاب القلم، ومن أهل الفكر ورواد الإبداع، ومن الحالمين بالكرامة والساعين إلى السيادة، ممن يحزنهم الواقع العربي ويشقيهم المواطن فيه، ويؤلمهم حاله المعيشي وظروفه الإنسانية، إنهم ممن ينادون بالحرية ويتطلعون إلى الكرامة، ويريدون الاستقلال والتطور، والحداثة والتمدن، وممن يتصفون بالصدق والشفافية، ويتحلون بالإخلاص والولاء، ويتحملون الأذى والعذاب، ويصبرون على الاتهام والاعتقال، ويضحون بالعطايا والمنح، والمناصب والمراكز، ولا تغريهم الوعود ولا تبطرهم النعم، الذين يصرون على نقد الحاكم ومعارضة السلطان إذا رأوا منهم بغياً وطغياناً وظلماً وعدواناً.
للعلم إن أنظمتنا العربية لا تعتقل فقط الأدباء والمفكرين، والسياسيين والمعارضين، والمبدعين والفنانين، إنما تعتقل الأطفال والنساء، وممن هم دون الثالثة عشر من عمرهم أحياناً، الذين يغردون على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعبرون عن آرائهم الشخصية على صفحات الانترنت، أو يقومون برسم صورٍ أو الاشتراك في ملصقاتٍ عامة توصف بأنها تحريضية، وقد يقضي الأطفال والنساء في سجونهم، حيث يعذبون بطريقةٍ لا يقوى على احتمالها الرجال، ولا يصبر على آلامها الحيوان، ولكن أحداً لا يسمع عنهم بسبب التعتيم المفروض، والعقاب الشديد الذي يتربص بمن يغامر وينشر، وبسبب التهديدات التي يتعرض لها ذوو المعتقلين من الأطفال والنساء، الذين قد يجبرون أحياناً على نفي خبر اعتقالهم، وتكذيب من يدعي أنهم يعذبون ويهانون، وإلا فإنهم لن يروا أبناءهم في حياتهم، أو أنهم سيلتحقون بهم في غياب سجونهم ومعتقلاتهم.
هل تنجح قضية جمال خاشقجي في لجم أنظمتنا العربية، وتكون لهم درساً رادعاً وعبرةً قاسية، فتجبرها على وقف الملاحقات الفكرية، ومحاسبة المواطنين على آرائهم السياسية، ومراقبة أقلامهم ومحاسبتهم على كلامتهم، أم أنها ستتوقف فقط عن المحاسبة في الخارج، وستمتنع عن القتل والتصفية خارج حدود بلادها، بينما ستستمر في ممارسة الفظائع وارتكاب الجرائم بحق المعارضين من مواطنيها داخل بلادهم، وضمن ما يسمونها حدودهم السيادية، بعيداً عن الرقابة الدولية، وبمنأى من التدخلات الخارجية، لئلا يقعون في حرجٍ، أو يتسببون في أزمة، ولماذا لا يلجأون إلى ذلك طالما أن الحساب في بلادهم أسهل، والعقاب ضمن أنظمتهم أضمن، والوصول إلى طرائدهم أيسر، حيث يلقون أحياناً من الخارج الدعم والتأييد، والمساندة والحماية، ومن بعض علماء الداخل وزبانية السلاطين القبول والتبرير. 
أم أن أنظمتنا العربية وأجهزتها الأمنية ستتعلم من غيرها، وستستفيد من تجربة من سبقوها، ممن يرتكبون الجرائم الكبرى دون أن يعرف بهم أحدٌ، أو يشعر بآثارهم جهازٌ، ودون الحاجة إلى إعلان المسؤولية عن الجريمة، بل على العكس من ذلك يمكن للأنظمة أن تدعي أنها أم الولد، وأنها المعتدى عليها والمستهدفة، والمقصودة والمعنية، وتدافع عن القضية، وتدعي المظلومية، وتسبق الجميع إلى البكاء والعويل، خاصةً أن الحادثة الأخيرة وضعت المتورطين في أزمةٍ كبيرةٍ، وجعلتهم أضحوكة ومهزلةً، وهو ما لم يقع فيه غيرهم، وربما أن بعض الأجهزة الأمنية الدولية والصديقة عرضت خدماتها عليهم، وأبدت استعدادها لنقل تجربتها إليهم، لئلا يتعرضوا مستقبلاً إلى ما عرضتهم إليه هذه القضية الأزمة والفضيحة.
قضيةُ جمال خاشقجي التي أصبحت قضية رأي عامٍ، ومسألةً عالميةً تتصدر الأحداث كلها بلا منازع، يتحدث بشأنها قادة الدول وحكام العالم، تفتح الباب واسعاً لنا أمام قضايانا الوطنية، وتجاه حقوق الإنسان في بلادنا العربية، وحصانات المواطنة المحروم منها، فغير جمالٍ في بلادنا كثير، لكن أحداً لا يسمع عنهم، ولا يعرف أسماءهم أو أماكن اعتقالهم، فهل تخرج قضيته المأساوية قضايانا من صندوقها الأسود المظلم إلى فضاء الحرية المنير، ومن السرية والخفاء إلى دنيا الإعلام المفتوح، الذي يستطيع أن يفضح الجرائم، ويميط اللثام عن الفساد في أنظمتنا، ويكشف عن الظلم الذي ترتكبه أجهزتنا الأمنية ومحاكمنا الوطنية، أم أن علينا أن ننتظر مصائرنا بصمتٍ، وأن نتوقع مصارعنا بعجزٍ.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط