كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخان الأحمر.. لماذا الآن؟

الخان الأحمر.. لماذا الآن؟

تاريخ النشر: 2026-05-20 | 11:38

يعود اسم وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة بثقل سياسي وقانوني أشد خطورة. فبعد تولّيه موقعاً وزارياً داخل وزارة الأمن، بات يمتلك صلاحية التوقيع المباشر على قرارات مصيرية تمسّ الأرض الفلسطينية، وفي مقدمتها قرار إخلاء تجمع الخان الأحمر.
هذا التداخل بين البعد الإداري والإيديولوجي لا يعكس مجرد تعديل بيروقراطي، بل يكشف تحوُّلاً عميقاً: من سياسة "إدارة الصراع" التي قادها الجيش لعقود، إلى نهج "حسم الصراع" بأدوات مدنية تقودها أجندة استيطانية معلنة. واليوم، يمتلك سموتريتش أدوات التنفيذ لفرض تهجير الخان الأحمر، في خطوة لا تستهدف إزالة منشآت تُصنَّف إسرائيلياً بأنها "غير مرخصة"، بقدر ما تسعى إلى استكمال مخطط E1؛ ذلك المشروع الذي يعيد رسم الجغرافيا عبر فصل الضفة الغربية إلى شطرين، ويقوّض عملياً أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة ضمن صيغة "حل الدولتين".

توقيت القرار ليس عابراً. فبعد سنوات من المماطلة والتحذيرات، يأتي في سياق متغيرات ميدانية وسياسية متسارعة. أول هذه المتغيرات تصاعد الضغوط القضائية الدولية على قادة الاحتلال؛ إذ يبدو تحرك سموتريتش الأخير كاستجابة انتقامية مباشرة عقب تسريبات عن توجه المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لطلب إصدار مذكرة توقيف بحقه. ومع شعور اليمين المتطرف بتضييق الخناق القانوني، يتجه إلى فرض وقائع ميدانية لا رجعة عنها، عبر تسريع تفريغ المناطق الاستراتيجية—وفي القلب منها الخان الأحمر—من الوجود الفلسطيني. إنها محاولة لتصدير أزمة قانونية شخصية إلى مواجهة ميدانية أوسع؛ تكتيك مألوف يلجأ إليه هذا التيار كلما اشتد عليه الضغط.

في موازاة ذلك، يستغل الاحتلال حالة الإنهاك التي تضرب الإقليم: غزة، ولبنان، وإيران، واليمن، إلى جانب تراجع الزخم الشعبي والضغوط الاقتصادية والسياسية في المحيط العربي. في مثل هذا المناخ، تتحول مشاريع كانت تُعدّ خطوطاً حمراء إلى خطوات قابلة للتنفيذ. تدرك الحكومة الإسرائيلية أن احتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية شاملة باتت محدودة في ظل معادلات ما بعد حرب غزة؛ حيث أعادت الكلفة البشرية والعسكرية والدمار غير المسبوق تعريف مفهوم "الخطوط الحمراء" لدى القوى الإقليمية، التي باتت تميل إلى إدارة الاشتباك لا توسيعه. وإذا كانت حرب بحجم غزة لم تُفضِ إلى مواجهة مفتوحة، فإن ملف الاستيطان في الضفة لن يغيّر هذه المعادلة الحذرة. وهنا تحديداً تجد إسرائيل هامشاً واسعاً للاستفراد بالضفة، وتمرير مشاريع الضم والتهجير دون خشية من ردود فعل تتجاوز البيانات الدبلوماسية.

في المقابل، تتحرك السلطة الفلسطينية على المسار الدبلوماسي والقانوني، ساعية إلى تدويل القضية في أروقة المحكمة الجنائية الدولية باعتبار الإخلاء القسري "جريمة حرب". غير أن هذا الحراك يصطدم بواقع ميداني مقيّد؛ إذ ما تزال الاتفاقيات المرحلية تسلبها السيطرة الأمنية في مناطق (ج). هذا التناقض بين جهد دبلوماسي نشط وعجز ميداني واضح ينقل ثقل المواجهة إلى الحاضنة الشعبية وأشكال المقاومة السلمية، وهو واقع تدركه إسرائيل جيداً، وتتعامل معه ببراغماتية، مستفيدة في الوقت ذاته من هشاشة الموقف الإقليمي.

أما عربياً، فيبدو العجز أكثر وضوحاً. فالدول تمتلك أوراق قوة اقتصادية وسياسية، لكنها لا تُترجم إلى أدوات ضغط حقيقية. ويبرز الأردن مثالاً لافتاً؛ فبين إدراكه لخطورة تفريغ محيط القدس على عمقه الاستراتيجي ووصايته الهاشمية، وبين سقف التحرك الفعلي، تبقى الخطوات محصورة في قنوات الوساطة والتهدئة. يضاف إلى ذلك تشتت الموقف العربي؛ إذ تصرّ عواصم ترتبط باتفاقيات سلام ومصالح اقتصادية مع تل أبيب على فصل هذه العلاقات عن السلوك الإسرائيلي في الضفة، بما يمنح الاحتلال هامشاً مجانياً لمواصلة قضم الأرض دون كلفة سياسية تُذكر.

دولياً، تُدار أزمة الخان الأحمر بعقلية "كسب الوقت" لا "حماية القانون". الأوروبيون يواظبون على تسجيل مواقف تضامنية رمزية—صور وتصريحات—لكنهم يترددون في اتخاذ خطوات عملية تُترجم مواقفهم القانونية. فالاتحاد الأوروبي، رغم كونه الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، يمتنع عن تفعيل بند "احترام حقوق الإنسان" الوارد في اتفاقية الشراكة. أما الولايات المتحدة، فتُبقي ضغوطها في الإطار الخلفي، مدفوعة أساساً باعتبارات الاستقرار الإقليمي لا بحماية الحقوق الفلسطينية. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا "القلق الدولي" الخالي من أدوات الردع إلى ضوء أخضر غير معلن، يشجع الحكومات الإسرائيلية على الاستمرار في فرض الوقائع، بانتظار اللحظة المناسبة للإجهاز الكامل على ما تبقى من الجغرافيا السياسية الفلسطينية.

ورغم كل ذلك، يبقى العامل الأكثر صلابة هو صمود أصحاب الأرض في الخان الأحمر. هناك، لا تُختبر فقط قدرة مجتمع بدوي صغير على البقاء، بل تُختبر أيضًا قابلية الجغرافيا الفلسطينية للحياة. وبين حسابات الاحتلال وعجز الإقليم وتردد المجتمع الدولي، يظل هذا الصمود هو المتغير الذي يعطّل اكتمال المشهد.

غير أن الصمود، هنا، ليس شعاراً عابرً، بل هو قدرة يومية على البقاء؛ حين تبقى المدرسة مفتوحة، وحين لا تُقتلع الخيام، وحين يجد الناس ما يسند حياتهم من تعليم وخدمة وحضور يردع القرار قبل تنفيذه. عندها فقط، يتحول الثبات من موقف معنوي إلى واقع يصعب كسره، وتغدو كلفة الإخلاء أعلى من كلفة التراجع عنه.. ويؤجل الحسم الذي تسعى إليه إسرائيل.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط