كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"الختيارُ" الذي اختارته الحرّية

"الختيارُ" الذي اختارته الحرّية

تاريخ النشر: 2025-11-09 | 13:17

طوبى لك أيّها الشهيدُ الرمز! يا مَن أدركَ روحَ الأشياء. الآن فهمتُ قصدكَ البليغَ بأنَّ الناسَ يمتلكون الحاضرَ، أما نحن فنمتلكُ هناكَ..وما لم أجدهُ أبداً وجدتُه فيكَ. وإذا رُصِفتْ لكَ الطريقَ..فامشِ، ولا تلتفت للوراء. فَرجاءُ الشهيد أن يصل إلى الأبواب.

***

ياسر عرفات؛ النجمة التي غمرت القارّات ببريقها، وقد رَبِحَ معركته حيّاً وميتاً. لم يكن قلبه حديقةً فارغةً، ولم يعرض أحلامه للبيع، بل تعرّف إليها فأصبحت أيامه حافلةً بالحياة. أغلق عينيه..لكنّ الكرة المائية ما فتئت تشهد على أخاديد الموت ودفن الحياة.

 رحل جسداً، بعد أن أثبت أن نبيّاً كان يخفق في داخله، لهذا كان ممَن اختارتهم الحرية ليدافعوا عنها. جعل عتمة المظلمة فحماً قرمزياً، مثلما أحال طقس الحصار والقيود والقصف، إلى غضب. كانت بوابات البلاد خانقةً وثقيلةً، لكنه ألهبها، وجعل للفولاذ نشوة المنتصر. حطّ على أرض الكبرياء وهتف لسيدتنا الحرية!

 لقد كانت ومضةً إلهيةً بداخله. أطلق من قبضته النسور الغاضبة، وكانت أصابعه خضراء، وظل زهرةً في منتصف الأشواك. وعلم أن سلعة الاحتلال شريرةٌ وكلمته تقود إلى جهنم..لهذا؛ لم يكن صيداً جاهزاً، كما لم يكن رأسه مشوشاً. كان يعلم أن صندوق دولة الاحتلال مكسور. لقد شكّل غنائيةً جامحةً لنا، وأراد للأرض أن تستعدّ للزفاف، لا للنحيب. من هنا رأينا أنّ الغيوم كانت بحوره المعلّقة، وصوته الشغب الأنيق، الذي ذوّب دم المعتقلين والجرحى، بالبرق.

 قاوم رياح الخراب..فَمجده بلا نهاية. كانت عيون النصر في كلّ مكان تشخص نحوه، وكان يسمع البحر ونداءات الأحرار ومَن ارتوت حياتهم بالدماء.

 تحية نبويّة لهذا الرمز الرسولي المقاتل، الذي أفرغ رؤوسنا من العقارب، وجعل أجيالاً كاملةً مثل الجياد، تنفث النار حتى لا تتوه في الظلام.

 كانت خطواته واسعةً كالرياح، والأرض تُقَبِّل قدميه، والقمر يبعث ظلّه على أردان ثوبه. وما زلنا نعيش هذه النغمة المُبَشِّرة، التي جعلتنا ندرك أن فلسطين هي المكان الأخير الذي نهرب اليه.

 شكراً يا ختيارنا الذي كسر الجلجلة المزخرفة لموتنا، وشكراً جميلاً لمَن حطّم أبواب الليل معك، فصارت النجوم تتراقص تحت نعليه. ونحبك أيّها الرمز الباقي فينا..

***

لقد مررتَ، أيّها الكبش المُكحَّل، بالعواصف الهوجاء، على اختلاف شدائدها وتعدّد مضامينها الساخنة، فأخذتَ منه ما يصلح من زادٍ في أكياسك، لتقطع رحلتكَ بأمان. والشهيد هو الرامي بقصده الى الله عزّ وجلّ، فلا يعرج حتى يصل. وهذه الكلمات مختارات من مسيرتكَ في الطريق، أو اقباساتك من صحون الجمر الريّانة؛ قد أخلصتَ فأُخْلِصَ إليكَ، ومنحتَ ما استودعتَه فضوعفَ لكَ الآن وهناك. وغضضّتَ من أجل الأرض فَفتّح الله تعالى، إليكَ طاقات النور والجَمال. وعففتَ عن المال والكرسيّ، فَعفّ أبناؤك، وهدأ ليلك، وصحّ نهارك، وصفا وجهك، ووثق لسانك، ونفذ حرفك، ووطأت خطوتك، ورسخت على الاستقامة والاطمئنان، وواصلت المناجزة الدموية، فَضمنتَ سلامةَ العِرض والخلود.

جمعتَ حطبك، وصُنْتَ أشجارك لسنوات العتمة المدلهمّة الخاسفة، ولم تتزحزح عن الحروف، حتى لا تنزلق إلى العَوْز والهامش الفارغ، وملأت أكياسكّ بأسماء بلادك المنهوبة، حتى تعود..وستعود.

و"لم تكن عنيداً كالألف، ولم تكن كالباء برأسين، كُنْت كالجيم"، وَبَدِّلت ما تبقّى من شهوة الفانية والتعلّق بالعنكبوت، بما هو باقٍ لا تنحلّ عُراه ولا تنبتُّ حِباله واستطالاته.

وتمسَّكت بالحِكمة المقُطَّرة التي لا يفاجئك معها شيء أو حادث حصارٍ..أو باعث لقشعريرة تصيب الحديد. وجعلت الباقي أمام ناظريك وعلى شفتيك وبين عينيك، في كل نأمة وحرف وخطوة، وأحسنت الظنّ بما تريد، فكان لكَ ما تريد.. وأحْسنتَ الظنّ بالله تعالى فنجوت شهيدا.

وكنتَ الخادم لإخوانكَ. ومَنْ اعتذرَ عن خدمة إخوانه فإن الله تعالى يضع من شأنه فلا يشمله العفو، هذا ما كان في نفحات الأنس، حيث ينبغي أن يجتمع الأخوة ويتدارسون في مكانٍ هو جنّة ورود الأصدقاء وسياج الإخلاص.

***

وربما مات أبو عمّار الإنسان، لكنّه يوم دَفْنه قام أسطورةً، ما فتئت تكتب مصائرَ الناس. والشهيدُ هو الذي جمع اسمَ الله، عزّ وجلّ، في صدره، فَجنَّحَ في آفاق الفردوس الأعلى.

وسنبقى في البلاد، التي لم تغلق بيت عزاء أهلها، وقد طرّزت الدماءُ شوارعَها المتربة، فاستفاق الطيّون على رصيفه الدامي، وغصّت الفرفحينةُ بعلقم الشقائق المتخثّرة، وصارت ثياب نسائها تقطر بالدمع والسواد، بعدما تزيّت الغلالاتُ، ذات عُرْسٍ، بالدوالي وعروق الذّهب، وفاضت على الأكتاف سلالُ المنثور والحبق، وخيوط الجنّة والنار الحريرية.

لعل الشهداء، في غزّة وجنين..أرادوا أن يقطعوا المسافة نحو الشمس، فانطفأ الزمان في احتراق المسافات، وما زالوا مذبوحين في مدينة السلام المظلمة.

لقد نظر الشهداء إلى بعضهم البعض، فتشابكت حولهم جذور الأبجدية، والتفّت حولهم، وصعدت، وتطاولت، حتى احترقت ببرق القذائف، فانفلق اللبّ، وفاض الجمر، واشتعلت الغيوم، ودبّت النجوم في السماء.

وما زلنا ندرك بأنّ المؤامرةَ تحزّ بسكّينها المثلومة في أرواحنا، بل نحن الذين نمرّر النّصل على أوردتنا ونقطّع شراييننا، باختلافنا وفرقتنا وتوزّعنا المشبوه، وباقتتالنا وتشظّينا وتصادم أكتافنا على الخازوق..وكلّ ما لدينا منهوب ومأخوذ ومسروق، بالمجازر والاقتحامات والابتزاز..وما زلنا نتشدّق بمفردات الوطن والدّين والثوابت؟ ألمْ نلحظ، بعد، أننا نخيط أكفاننا بأيدينا ونحفر قبورنا بمعاولنا، وندفن ما ظلّ من فلسطين في قبر الانقسام والتحكّم والمكاسب الشخصية والانحياز إلى الشيطان؟ أيتها الفصائل المقاومة الحريصة الحافظة للآيات والمبادئ!

ما الذي تبقّى لديكم أيتها الفصائل لتقولوه أمام غزّة والجثث والأسرى والأيتام والشجر المخلوع وأكوام الركام الصادمة؟

يا سادةَ الفصائل! هل ثمة لغةٌ تصلح لرواية ما جرى من حرقٍ وخلعٍ ودَهْمٍ وسجنٍ وهدمٍ ومصادرةٍ وإذلالٍ وحصارٍ وتجويعٍ وصفاقةٍ وتبجّحٍ واغتصابٍ وقتلٍ واستباحةٍ وإبادة مُشْرعة على الهواء مباشرة!..في طول المعمورة وعرضها؟

لن ينجو أيّ أحد منكم إن لم تترسّموا خطوات الشهيد، فعندها ستجدون العزاء والأعذار، وسنصدّق، ساعتها، مرافعتكم الحقّة.

***

..ودَعوا الشهيد يَحلم، فقد عوَّدنا أن يُحيلَ السنينَ العجافَ إلى خوابٍ وندى، اتركوهُ في حَمْأة الشَمسِ يُؤَسّسُ نَشيدنَا القزحيَّ، وامشوا على خَطَايا خُطاكم أيُّها الطارِئون..ودعوهُ يَحلم! سيخرجُ من فُصولِ سِنيّكم ومراحل دوائركُم الرماديّةِ، ليمتطيَ صهوةَ الحجارة واللظى..ليرفضَّ من روحِ حلمهِ بركانُ الوضوح، ويغطّي صحاريكم بأرجوان سبحاته ومشاويره الدامية.

و..دعوه يحلم. فالشهيد نائمٌ، ليس إلا.

والشهيد أجمل مَن يحلم، حتى أن الطير والشجر تنظر إلى سهام عينيه، لتتمكّن من الصعود.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط