كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخروج من ارتباك المسارات: يمر بتشكيل المجلس التأسيسي لدولة فلسطين

الخروج من ارتباك المسارات: يمر بتشكيل المجلس التأسيسي لدولة فلسطين

تاريخ النشر: 2026-06-15 | 10:33

في ظل الارتباك الذي تعيشه الساحة الفلسطينية، أصدر الرئيس محمود عباس قرارًا بقانون لتعديل قانون الانتخابات العامة، بعد فترة وجيزة من إصداره مرسومًا ونظامًا انتخابيًا يتعلقان بانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. وتأتي هذه الخطوات استجابة لحاجة فلسطينية ملحة تتمثل في إعادة بناء النظام السياسي وتجديد شرعية مؤسساته، كما تعكس حرصًا على التأكيد أمام العالم أن الفلسطينيين ماضون في ترتيب بيتهم الداخلي وتعزيز مؤسساتهم الوطنية في مواجهة التحديات المصيرية التي تعصف بقضيتهم.
غير أن الانتقال من الحديث عن انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني إلى العودة مجددًا للحديث عن انتخابات المجلس التشريعي وتعديل القانون لهذا الغرض، يطرح تساؤلات مشروعة حول المسار السياسي والمؤسسي الذي نريده. فانتخابات المجلس الوطني تعني، في جوهرها، إعادة بناء المؤسسة التشريعية العليا للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، كما أن الأعضاء المنتخبين في الوطن يشكلون عمليًا برلمان دولة فلسطين. أما العودة إلى انتخابات المجلس التشريعي فتعيد النقاش إلى إطار السلطة الفلسطينية ومؤسسات المرحلة الانتقالية التي نشأت بموجب اتفاق أوسلو، بما يعيد إنتاج معادلة السلطة بدل تكريس معادلة الدولة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالاعتراض على الانتخابات، بل على العكس تمامًا. فالانتخابات حق ديمقراطي ودستوري أصيل للمواطن الفلسطيني وضرورة وطنية لا يجوز الالتفاف عليها أو استبدالها بترتيبات دائمة من أي نوع. لكن السؤال يتعلق بطبيعة المؤسسة التي نسعى إلى تجديدها والرسالة السياسية التي نريد توجيهها لشعبنا وللعالم في هذه اللحظة التاريخية: هل نتجه نحو ترسيخ مؤسسات الدولة الفلسطينية وتجسيدها، أم نحو إعادة إنتاج مؤسسات المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تنتهي منذ سنوات طويلة؟
ويزداد هذا الالتباس وضوحًا في الصيغة التي جرى اعتمادها للربط بين انتخابات المجلس التشريعي وانتخابات المجلس الوطني، عبر اعتبار أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين أعضاء حكميين في المجلس الوطني. فهذه المقاربة لا تعالج الإشكالية الأساسية المتمثلة في استمرار التداخل بين مؤسسات السلطة الفلسطينية ومؤسسات دولة فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية. فالمجلس الوطني هو برلمان الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات وأحد أهم مؤسسات منظمة التحرير، بينما المجلس التشريعي مؤسسة أنشئت في إطار السلطة الفلسطينية والمرحلة الانتقالية. ومن هنا فإن الجمع بين المرجعيتين لا يحسم السؤال المركزي: هل نحن بصدد إعادة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية أم إعادة إنتاج مؤسسات السلطة وتمديد عمر المرحلة الانتقالية؟
خاصة وأن الدعوات لإجراء الانتخابات تأتي في ظروف استثنائية غير مسبوقة، في ظل استمرار حرب الإبادة والتجويع والتهجير ضد شعبنا في قطاع غزة، وتصاعد مخاطر الضم والاستيطان في الضفة الغربية، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية برمتها. وفي ظل هذه الوقائع، يبرز تساؤل مشروع حول إمكانية إجراء انتخابات حرة وشاملة تضمن مشاركة أبناء شعبنا في قطاع غزة والقدس والضفة الغربية، فضلًا عن أبناء الشعب الفلسطيني في الشتات.
وبدون أدنى شك، فإن تعذر إجراء الانتخابات اليوم لا يلغي ضرورتها ولا ينتقص من مكانتها كحق ديمقراطي يجب صونه. لكن التجارب أثبتت أن الانتخابات تحتاج إلى بيئة سياسية ووطنية وقانونية تضمن نجاحها وتحقيق أهدافها، بحيث تكون مدخلًا للوحدة وتجديد الشرعيات، لا مجرد إجراء شكلي يعجز عن معالجة جوهر الأزمة الوطنية.
من هذا المنطلق، أجد من الضروري إعادة طرح فكرة تشكيل مجلس تأسيسي لدولة فلسطين باعتباره خيارًا انتقاليًا واستثنائيًا ينسجم مع طبيعة المرحلة والتحديات التي يواجهها شعبنا. فجوهر المعركة التي يخوضها الفلسطينيون اليوم لا يتمثل فقط في تجديد مؤسسات السلطة، بل في الدفاع عن الوجود الوطني، ووقف حرب الابادة ومنع التهجير ، وانتزاع حق تقرير المصير، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وضمان حق اللاجئين في العودة وفق قرارات الشرعية الدولية.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية إضافية في ظل اتساع دائرة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين وتنامي الدعوات للاعتراف الكامل بها. وهي فرصة سياسية ينبغي استثمارها عبر خطوات عملية تؤكد أن مشروع الدولة الفلسطينية ليس مجرد مطلب سياسي، بل عملية بناء وطني ومؤسسي متواصلة.
وليس تشكيل مجلس تأسيسي للدولة بدعة فلسطينية، بل هو مسار اتبعته العديد من الشعوب التي خاضت تجارب التحرر الوطني والاستقلال، حيث تشكلت مجالس تأسيسية ضمت ممثلين عن القوى السياسية والشخصيات الوطنية والمجتمعية، وتولت وضع الأسس الدستورية والمؤسسية للدولة خلال مرحلة انتقالية محددة.
وفي الحالة الفلسطينية، يمكن أن يتشكل المجلس التأسيسي من ممثلي القوى السياسية والفصائل الوطنية والشخصيات المجتمعية والأكاديمية والنقابية المستقلة، وفق توافق وطني شامل، وبولاية زمنية محددة ومهام واضحة. ويمكن للجنة الحوار الوطني المنبثقة عن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أن تضع هذه المسألة على جدول أعمالها، وأن تحدد للمجلس مهامًا تتصل بتطوير الإطار الدستوري، والإشراف على تشكيل حكومة انتقالية، وممارسة الرقابة، والعمل على توحيد النظام السياسي الفلسطيني وتحديثه بما ينسجم مع متطلبات بناء الدولة.
وفي الوقت ذاته، يتولى المجلس التأسيسي الإعداد لانتخابات عامة وشاملة فور توافر الظروف السياسية والوطنية المناسبة، بما يضمن مشاركة أبناء شعبنا كافة ويتيح تجديد الشرعيات على أسس ديمقراطية سليمة بعد تجاوز آثار العدوان والانقسام.
إن الانخراط الجاد في تشكيل مجلس تأسيسي لدولة فلسطين من شأنه أن ينقل النقاش الفلسطيني من دائرة الجدل حول مؤسسات المرحلة الانتقالية إلى فضاء أوسع عنوانه الدولة والاستقلال. كما يبعث برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن الفلسطينيين لا يطالبون فقط بالاعتراف بدولتهم، بل يعملون أيضًا على بناء مؤسساتها الوطنية وتجسيدها عمليًا.
وفي هذه اللحظة التاريخية التي تتقدم فيها أولويات وقف العدوان والمجاعة والتهجير والضم والاستيطان ومواجهة مخاطر تصفية القضية الفلسطينية، يصبح من المشروع فتح نقاش وطني جدي حول خيار المجلس التأسيسي بوصفه خطوة انتقالية تستجيب لمتطلبات المرحلة.
إن تشكيل مجلس تأسيسي لدولة فلسطين، إذا ما جرى التوافق عليه وطنيًا، يمكن أن يشكل نقطة التقاء بين متطلبات إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وبين معركة انتزاع الاعتراف الكامل بدولة فلسطين وتجسيدها على الأرض. فالمطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج مؤسسات مرحلة انتقالية استنفدت أغراضها، بل الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها الدولة الفلسطينية ومؤسساتها الوطنية الجامعة. وهو بذلك لا يشكل بديلًا عن الانتخابات أو انتقاصًا من حق المواطنين في اختيار ممثليهم، وإنما جسرًا وطنيًا مؤقتًا نحو انتخابات حرة وشاملة عندما تتوافر شروط إجرائها، لتصبح الانتخابات جزءًا من عملية بناء الدولة واستكمال استقلالها، لا مجرد إعادة تدوير لمؤسسات مرحلة انتقالية طال أمدها وتجاوزتها تطورات القضية الفلسطينية وتضحيات شعبنا. 15-6-2026

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط