كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخروج من الانقسام إلى إدارة التوافق

الخروج من الانقسام إلى إدارة التوافق

تاريخ النشر: 2017-11-28 | 08:03

بات من الواضح أن مرحلة الانقسام الرسمية والفعلية قد انتهت، ولم يعد لمفرداتها وجودٌ ولا لأدواتها مكانٌ، ولا لأطرافها سلطةٌ أو نفوذٌ، فقد نعاها أقطابها، وأعلن وفاتها رعاتها، وتخلى عن رعايتها المتعهدون، وانشغل عنها المتمولون، وخاب المستفيدون والمنتفعون، ولم يعد من السهل انبعاثها من جديد، أو تكرارها مرةً أخرى، فالظروف الدولية والإقليمية قد تغيرت، والأوضاع المحلية والعربية لم تعد تحتمل، ونتائج الانقسام أصبحت للعيان وخيمة، ومظاهره قاسية، وتداعياته خطيرة، وقبول المواطنين له أو به صعبٌ، واعتراف قوى إقليمية أو دولية به من جديدٍ مستحيلٌ، وبذا يكون الإعلان عن انتهاء مرحلة الانقسام رسمياً ونهائياً، وقد صاحب الإعلان العتيد حالة فرحٍ وحبورٍ، وسعادةٍ ورضا، وتفاؤل واستبشار، بأن الغد أجمل والقادم أفضل، والمستقبل أكثر أملاً وإشراقاً، وأن العقوبات سترفع والحصار سينتهي، والاقتصاد سيزدهر والرخاء سينتشر والرفاهية ستعم.
ولكن انتهاء الانقسام لم يحقق المصالحة الفعلية، ولم يخلق الوحدة العملية، ولم ينهِ التناقضات والاختلافات، ولم يقضِ على ازدواجيات القوى وتنازع السلطات، وتصادم النفوذ وتعارض المصالح، ولم يساعد في رحيل المستفيدين والمنتفعين، والخائفين على مصالحهم، والساعين لتحقيق منافعهم، كما لم يقرب وجهات النظر، ولم يذيب الجليد المتكلس بين أطراف الانقسام، ولم يخلق قناعاتٍ حقيقة بالتقارب والاتفاق، والتعاون والتنسيق، والقبول بالشرعية والاحتكام إلى القانون، فصُدمَ المواطنون، وبُهت الناس وخاب ظنهم، وخيم على وجوههم وجومٌ ويأسٌ، وعادوا بأملهم القديم الذي ظنوا أنه سينطلق وسيحلق إلى قفصه المحكم الإغلاق، وفرح هنالك المبطلون، وضحك الشامتون، ورقص الأعداء وغنى طرباً الخصوم.
إنها الحقيقة التي يجب أن نعترف بها يقيناً ولا نكابر فيها ولا ندعي، ولا نحاول أن نتجمل كذباً أو نتزين زيفاً، أو أن نوهم أنفسنا ونخدعها ونضحك على الآخرين ونحبطهم، أننا قد غادرنا مربع الانقسام وتناقضاته، لكن ليس إلى مربع المصالحة والاتفاق، بل إلى مرحلة جديدةٍ اسمها خفض التوتر، والتي تفرض على جميع الأطراف مفاهيم جديدة تقوم على أساس إدارة الاتفاق وتسييره، والتي تعني الاعتراف بأن الانقسام متجذر، وقواعد الاختلاف باقية، وأسسه متينة، وأشخاصه أقوياءٌ حاضرون، ولكن أشكال الاتفاق الظاهرية موجودة، وهو ما يجب إدارته والتعامل معه بحكمةٍ وتعقلٍ، بحيث تبقى الأوضاع العامة كلها تحت السيطرة، فلا صراع مسلح، ولا اقتتال دموي، ولا عودة بالقطاع وسكانه إلى ما كان عليه على مدى أكثر من عشرة سنواتٍ. 
ومما يؤكد فشل المصالحة وإن انتهت مرحلة الانقسام، ما يطالعنا به مسؤولون كبار في السلطة الفلسطينية بفنعة التمكين، وهو مصطلحٌ جديدٌ لم يكن موجوداً سابقاً، ولم يسبق لمفاوضي السلطة أن طالبوا به، ذلك أنهم ما كانوا يحلمون يوماً أنهم سيدخلون غزة بمفردهم من جديدٍ، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق مصالحة بين أطراف الانقسام جميعاً، علماً أن عملية التمكين التي يترنمون بها، إنما يقصدون بها جمع سلاح المقاومة بحجة وحدانية سلاح السلطة، وعدم شرعية أي سلاحٍ آخر، وعملية التمكين التي ترجوها السلطة قد تتطلب أشهراً وسنين طويلة، وقد لا تتمكن من بسط سيطرتها التامة على أرجاء القطاع، وتمكين وزاراتها من العمل المطلق والسيادي، إذا كان هدفها الحقيقي هو نزع سلاح المقاومة.
تحاول السلطة الفلسطينية تبرئة نفسها بأنها ليست حرة في مواقفها، وغير مخيرة في شروطها، وأنها غير قادرة على المضي في المصالحة دون ضوء أخضر أمريكي، بل إن بعض رموزها يصرحون أنهم يتعرضون لضغوطٍ أمريكيةٍ شديدةٍ، صريحةٍ وواضحةٍ، وأن الإدارة الأمريكية تبتزهم وتهددهم، وقد أقدمت بالفعل على إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ورفضت التجديد للمنظمة، ولهذا فإنها تهيب بالأطراف تفهم الظروف والقبول بالأمر الواقع، والتسليم بالمتغيرات الحادثة، والاستجابة إلى شروط المرحلة وفرضياتها.
لكن حركة حماس ومعها كل القوى الفلسطينية المقاومة والمناضلة، والأجنحة العسكرية والكتائب المسلحة، تعلم أن سلاحها هو حصنها وملاذها، وهو الذي يحميها وشعبها، وهو الذي يرد العدو ويصده، وهو الذي يكيده ويزعجه، ويخيفه ويردعه، وأنها بدونه تصبح ضعيفةً ذليلة، مهانةً مستباحةً، يعتدي عليها العدو وقتما يريد، ويجتاح مناطقها إذا أراد، ويعتقل من أبنائها من شاء، إذ لا توجد قوة تردعه، ولا مقاومة تصده وتوجعه، لذا فإنها لن تتخلَ عن سلاحها، ولن تفرط بمكامن عزتها وأسباب قوتها مهما تعذرت المصالحة، وتعطل ما تسميه السلطة بالتمكين، وتأخر الإصلاح واستمر الحصار وتضاعفت العقوبات. 
تعتقد السلطة الفلسطينية أن حركة حماس قد تنازلت مرغمةً عن سلطتها في قطاع غزة، وأنها لم تعد تحتمل المزيد من الضغوط الدولية والإقليمية، فضلاً عن عجزها عن تلبية حاجات الشعب المتزايدة، وهي حاجاتٌ طبيعية لا يمكن السكوت عنها، أو التقصير فيها، فاعتقدت رام الله أن الظروف العامة لم تعد تخدم حركة حماس، وأنها باتت تخدمها أفضل، وتصب في صالحها أكثر، وأن ميزان القوى يميل لصالحها، ولهذا رأت أن تشتط في شروطها، وأن تتمنع في مواقفها، فتمادت في رفضها، وأخذت تحاول فرض شروطٍ جديدةٍ لا يقبل بها أغلب الفلسطينيين، ولا توافق عليها تنظيماته وفصائله، بل يشعرون أنها ليست شروطاً فلسطينية بقدر ما هي إسرائيلية وأمريكية، حيث تحاول الحكومة الإسرائيلية من خلال المصالحة أن تحقق ما عجزت عن تحقيقه بالغزو والاجتياح وقوة السلاح، مستغلةً الحصار المفروض على القطاع، والتضييق السياسي على حماس، وجفاف منابعها المالية، وفقدانها الجغرافيا السياسية.
أمام هذا الواقع الذي يبدو أنه كالجدار الأصم أو كالحائط المسدود، حيث لا يمكن للمقاومة أن تتخلى عن سلاحها، في الوقت الذي لا تتمكن فيه السلطة الفلسطينية من تمرير اتفاقية وطنية خالصة، تحقق من خلالها الاستقلالية والسيادة الفلسطينية، لذا فإن الأطراف جميعاً سيدخلون في مرحلةٍ جديدة اسمها إدارة المصالحة، والعمل ضمن الحد الأدنى الممكن والمتاح، لكن دون الولوج إلى مصالحة حقيقة، أو ترجمة فعلية لبنودها، وقد تطول هذه المرحلة وتستمر، وقد يبنى عليها جديدٌ آخر يضر بالشعب والقضية، ويخلق واقعاً جديداً يريده العدو ويسعى له، وقد لا نقوى على رفضه، ولا نملك القوة لصده ومنعه، ولا نجد الظروف المواتية لمقاومته وإفشاله، وساعتئذٍ لن يكون خاسرٌ سوانا أو متضررٌ غيرنا. 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط